مجزوءة I: ﭐلوضع ﭐلبشري
1- ﭐلشخص
2- ﭐلغيـر
3- ﭐلتاريخ
* تقديم ﭐلمجزوءة ﭐلْأولى
يَتَحَدَّدُ "ﭐلعالمُ" بصفته مجموع ﭐلكائنات ﭐلموجودة وﭐلمتحققة. ويُعَدُّ "ﭐلْإنسان" من بين تلكـ ﭐلكائنات ﭐلموجودة في هذا "ﭐلعالم" ﭐلذي يخضع في سيره لعدد من ﭐلشروط وﭐلْأسباب وﭐلظروف. ووجود ﭐلْإنسان في ﭐلعالم بِمُحدِّداته هاته يجعله واقعا ضمن تلكـ ﭐلشروط ﭐلمُحدِّدة نفسها. وهذا ما يقود إلى ﭐلحديث عن "ﭐلوضع ﭐلبشري" (Human condition, la condition humaine). ذلكـ بأن حياة ﭐلْإنسان في هذا ﭐلعالم تتم بكيفيةٍ (حالة أو هيئة) مُعيَّنةٍ بفعل ﭐلشروط ﭐلمُحدِّدة لوجوده. ومن هنا فإن تناول "ﭐلوضع ﭐلبشري" يعني تناول مجموع ﭐلشروط ﭐلتي تُحدِّد ﭐلوجود ﭐلبشري في هذا ﭐلعالم، وهي شروط تتخذ أشكالًا متعددة (بيولوجية-طبيعية، ﭐجتماعية، ﭐقتصادية، سياسية، ثقافية، تاريخية). فالْإنسان، بما هو جسدٌ أو عضوية حية، له عدد من ﭐلحاجات ﭐلطبيعية ﭐلْأساسية ﭐلتي لَا يمكن ﭐستمراره في ﭐلوجود إلَّا بتلبيتها وإشباعها. ونجد أن كون ﭐلْإنسان مُحدَّدًا بشروط ضرورية على هذا ﭐلنحو هو ﭐلذي يقوده إلى إقامة علَاقات مع نفسه ومع ﭐلعالم من حوله، ويجعله من ثم يكتشف أهم ﭐلْأبعاد ﭐلتي تُكوِّن وجوده بصفته وجودا خاصا ومتميزا. فالْإنسان كائن يُدرِكـ أنه موجود في عالم ويدركـ، في ﭐلْآن نفسه، أنه موجود إلى جانب كائنات أخرى وأنه نتاجُ مَسَارٍ طويل ومعقد يرتبط به، على هذا ﭐلنحو أو ذاكـ، كونه ذاتا فاعلة ضمن شروط هذا ﭐلعالم. وهكذا فإن "ﭐلوضع ﭐلبشري" يتحدد باعتباره مجموع ﭐلشروط ﭐلذاتية وﭐلموضوعية ﭐلتي تَحْكُم وجود ﭐلْإنسان في هذا ﭐلعالم بكل مستوياته. وﭐلنظر في "ﭐلوضع ﭐلبشري" على هذا ﭐلنحو يكشف عن كونه يتسم بالتعقد وﭐلصعوبة. وضمن هذا ﭐلوضع تتحدد إمكانات ﭐلفعل ﭐلْإنساني بما هو فعل خاضع لمجموع ﭐلشروط ﭐلمُحَدِّدَة لوجود ﭐلْإنسان في ذاته بما هو وجودٌ متميزٌ (ﭐلْإنسان كـ"شخص") وبما هو وجودٌ مشتركـ ومتداخل مع غيره (ﭐلْإنسان كـ"غير") وبما هو وجودٌ مُتَحَوِّل ومتقلب عبر ﭐلظروف ﭐلزمانية وﭐلمكانية (ﭐلْإنسان كـ"تاريخ").
* ﭐلمفهوم ﭐلْأول: ﭐلشخص
* تقديـم
يطرح تناول "ﭐلوضع ﭐلبشري" مسألة ﭐلوجود ﭐلْإنساني في هذا ﭐلعالم من جهة ما يُميزه ككائن عن غيره ضمن مجموع ﭐلشروط ﭐلتي تُحدِّده. فـ"ﭐلْإنسان" يوجد في هذا ﭐلعالم ضمن "مجموع ﭐلكائنات" (من أشياء وحيوانات وآلَات). ولهذا فإن مفهوم "ﭐلشخص" يتعلق بتحديد أهم ﭐلصفات وﭐلسمات ﭐلتي تُحدِّد "وجود ﭐلْإنسان" وتجعله وجودًا متميزا في آن واحد عن ﭐلْأشياء وﭐلحيوانات وﭐلْآلَات، أي وجودا له "هوية" تسمح لنا بإعطاء ﭐلْإنسان "قيمة" معينة بما هو ذات فاعلة وإرادة حرة تتحمل ﭐلمسؤولية أخلَاقيا وقانونيا عما تأتيه من أعمال من خلَال خضوعها لمجموع ﭐلشروط ﭐلتي تحكم طبيعتها ﭐلخاصة وﭐلتي يخضع لها وجود ﭐلْإنسان في إطار وسط طبيعي وﭐجتماعي مُحَدَّدٍ ومُحَدِّد.
* ﭐلوضعية-ﭐلمشكلة
يشمل هذا ﭐلعالم، كما نشتركـ في إدراكه، مجموع ﭐلكائنات ﭐلتي تنقسم إلى كائنات جامدة وسَلْبية (أشياء) وإلى كائنات حية، متحركة ومُدْرِكة (حيوانات) وإلى كائنات مصنوعة ذات قدرة "نسبية" على ﭐلحركة وﭐلْإدراكـ (آلَات). ويُعَدُّ ﭐلْإنسان، بما هو موجود متحقق، من بين "أشياء" هذا ﭐلعالم. لكنه يتميز بأنه ليس مجرد "شيء"، فهو موجود (من حيث كونه جسدا أو عضوية حية) بصفته كائنا حَيًّا يملكـ قدرة "ذاتية" على ﭐلحركة وﭐلْإحساس، أي أنه يندرج ضمن "ﭐلنوع ﭐلحيواني". ومن هنا يُطرح إشكال ﭐلكيفية ﭐلتي يتحدد بها "وجود ﭐلْإنسان" بالنسبة إلى "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات" ﭐلتي تُشارِكه ﭐلوجود ضمن هذا ﭐلعالم. فما أهم ﭐلخصائص ﭐلتي تُحدِّد ﭐلْإنسان في وجوده وتجعله "شخصا" متميزا في آن واحد عن "ﭐلشيء" و"ﭐلحيوان" و"ﭐلْآلة"؟ ما هو ﭐلْأساس ﭐلذي تقوم عليه "هوية ﭐلشخص"؟ هل يملكـ ﭐلْإنسان مميزاتٍ أساسية وجوهرية تُخَوِّلُه أن يتحدد كـ"شخص" له "هوية" تُمَكِّنُه من أن يتفرد بين كائنات ﭐلعالم؟ ما ﭐلذي يسمح لنا بتحديد "قيمة" لِلْإنسان تجعله "شخصا" يَفْضُل كل ﭐلكائنات ويتمتع بحقوق وواجبات؟ وإلى أي حدٍّ يتفرد ﭐلْإنسان بـ"قيمة ﭐلشخص" كذات لها ﭐلقدرة على ﭐلفعل ﭐلواعي وﭐلحر؟ هل يملكـ "ﭐلْإنسان" من ﭐلوعي وﭐلقدرة ما يجعله يتحدد كـ"شخص" حر ومسؤول؟
1- هوية ﭐلشخص (ﭐلهوية ﭐلشخصية)
* تحديد ﭐلْإطار ﭐلْإشكالي: كيف يمكن تحديد "ﭐلوجود ﭐلْإنساني" في هذا ﭐلعالم كوجود يتصف بشكل أساسي وجوهري بمجموعة من ﭐلسمات ﭐلتي تميزه عن "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات"؟ ما هو ﭐلْأساس ﭐلذي تنبني عليه "هوية" ﭐلْإنسان كـ"شخص"؟ هل تتحدد "ﭐلهوية" بما هي مجموعة من ﭐلخصائص ﭐلْأساسية وﭐلجوهرية ﭐلمُقَوِّمة لوجود ﭐلْإنسان في ذاته؟ وهل "هوية ﭐلشخص" مُعطًى أولي وثابت مشتركـ بين كل أفراد ﭐلنوع ﭐلْإنساني أم أنها بناءٌ متفاوتٌ تتحكم فيه شروط ﭐلوجود ﭐلْإنساني في تعددها وتغيرها؟
* مفاصل ﭐلمعالجة:
عمومًا تتحدد "ﭐلهويةُ" (Identitity, l’identité) بأنها "مجموع ﭐلصفات ﭐلتي تُقَوِّمُ ذات ﭐلشيء بشكل أساسي"، أي مجموع ﭐلخصائص ﭐلتي تجعل ﭐلشيء "هو نفسه"، أي "مُمَاثِلًا لنفسه" (identique, soi-même) وقائما بذاته بما هو "ماهية" (une essence) أو "جوهر" (une substance). وﭐلنظر إلى ﭐلْإنسان كـ"شخص" يجعله كائنا يتحدد في هويته بجملة من ﭐلمميزات ﭐلْأساسية وﭐلجوهرية ﭐلتي تَفْصِلُه في آن واحد عن "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات".
إن "ﭐلحس ﭐلمشتركـ" يميل إلى تحديد "ﭐلْإنسان" ككائن يتحقق وجوده في هذا ﭐلعالم بما هو "جسم حي" (أي بصفته جسدا أو بدنا). فـ"وجود ﭐلْإنسان" يتحدد كـ"شيء" (chose) متحقق في هذا ﭐلعالم، لكنه يتجاوز مستوى "ﭐلشيئية" بما هو "جسد" له ﭐلقدرة على "ﭐلحركة" و"ﭐلْإحساس". وهذا ما قد يُوهِمُنا بأن "ﭐلْإنسان" ليس سوى "حيوان" ككل ﭐلكائنات ﭐلحية، بل قد لَا يكون -بما هو عضوية حية تقوم بوظائف- سوى "آلة طبيعية". غير أن "ﭐلْإنسان" يتميز، على ﭐلرغم من كل ما يشتركـ فيه مع ﭐلحيوانات وﭐلْآلَات، بكونه "ذاتا فاعلة" على أساس نوعٍ من "ﭐلوعي ﭐلمُميِّز" و"ﭐلْإرادة ﭐلحرة"، أي أن "ﭐلْإنسان" ليس مجرد "جسم حي" ("جسد" أو "بدن")، بل إنه أيضا وبالْأساس "نفسٌ واعية لها إرادة حرة". وهذه هي ﭐلثنائية ﭐلمعروفة في كل ﭐلثقافات وﭐلمجتمعات منذ أقدم عصور ﭐلتاريخ ﭐلْإنساني. فهل تقوم "هوية" ﭐلْإنسان (بما هو "شخص") على كونه "جسدا" أم بصفته "نفسا"؟ وهل كون ﭐلْإنسان ذاتا فاعلة بوعي وحرية هو ما يجعله "نفسا" أم أن صفات ﭐلوعي وﭐلْقصدية نتاج للجسد ﭐلْإنساني في أرقى وظائفه كما تتجلى في ﭐلدماغ ﭐلبشري ﭐلذي يميز "ﭐلْإنسان" عن "ﭐلحيوان" و"ﭐلْآلة"؟
نجد أن تصور ﭐلوجود ﭐلْإنساني في ﭐلفلسفة ﭐلقديمة، وخصوصا ﭐليونانية، يدور حول مفهوم "ﭐلنفس" (Psukhê, l’âme). فسقراط من خِلَال قوله ﭐلمشهور "اِعرف نفسكـ بنفسكـ" يؤكد أهمية "ﭐلنفس"، ليس فقط كموضوع للمعرفة، بل أيضا بصفتها أهمَّ ما يُقَوِّمُ وجود ﭐلْإنسان كذاتٍ فاعلة لها ﭐلقدرة على ﭐلمعرفة. فـ"ﭐلْإنسان" يتحدد أساسا بما هو "نفس"، لِأن "ﭐلنفس" حقيقة خالدة، في حين أن "ﭐلجسد" (soma) عَرَضٌ فَانٍ وزائل. وهذا هو نفسه موقف أفلَاطون ﭐلذي أكد كذلكـ أن "ﭐلنفس" لها صلةٌ وُثْقَى بـ"عالم ﭐلمُثُل" ﭐلذي هو "عالم ﭐلحقيقة"، مما يجعل ﭐلوجود ﭐلحقيقي للْإنسان مرتبطا بنفسه ﭐلخالدة ونزوعها نحو ﭐلعالم ﭐلعلوي ﭐلذي يسمو على ﭐلعالم ﭐلسفلي (ﭐلحسي-ﭐلمادي، ﭐلمتغير، ﭐلناقص وﭐلمتناقض). أما أرسطو، فيذهب إلى أن جوهر ﭐلْإنسان يتمثل في كونه "حيوانا ناطقا/عاقلًا"، أي بما هو "بدن" (جسم حي) و"نفس" (مبدأ مُدْرِكـ وعاقل)، حيث إن "ﭐلنفس" هي "كمال ﭐلجسم ﭐلحي"، وهي أساس ﭐلجانب ﭐلعاقل فيه.
ولكن يمكننا أن نُلَاحظ أن تصور "ﭐلْإنسان" في ﭐلفلسفة ﭐلقديمة كان قائما على ﭐلثنائية ﭐلمعروفة "بدن/نفس"، وأنه كان -خصوصا في ﭐلفلسفة ﭐليونانية- يُفاضِل بين "ﭐلبدن" و"ﭐلنفس" لصالح هذه ﭐلْأخيرة، وذلكـ على ﭐلرغم من كون موقف أرسطو يُعِيد ﭐلِاعتبار للجانب ﭐلحسي في ﭐلْإنسان (ﭐلبدن)، إذ لَا تُمثِّل "ﭐلنفس" لديه سوى "كمال" أو "غاية" ﭐلجسم ﭐلعضوي ﭐلحي. وعموما يمكن ﭐلقول بأن ﭐلفكر ﭐلقديم لم يَبْلُغْ مفهوم "ﭐلشخص" (بما هو مفهوم كلي ينطبق على كل إنسان)، حيث إن "ﭐلْإنسان" وفق ﭐلتصور ﭐليوناني لم يكن في ﭐلواقع سوى "ﭐلمواطن ﭐليوناني ﭐلحر" في مقابل "ﭐلْأجنبي" (ﭐلبربري) ﭐلذي يمكن ﭐتخاذه عبدًا ؛ وﭐلحال أن ﭐلعبد كان مجرد "شيء" أو "آلة" سخرتها ﭐلطبيعة لخدمة ﭐلسادة وﭐلعمل على تلبية رغباتهم وحاجاتهم. ومن هنا، فإن مفهوم "ﭐلشخص" لم يتبلور، على ﭐلحقيقة، إلا في ﭐلفلسفة ﭐلرواقية ﭐلرومانية (ﭐلْإنسان كذات تلعب دورا محددا، ولها حقوق وعليها وواجبات) وبالْأخص في ﭐلفلسفة ﭐلوسيطية، سواء أكانت مسيحيةً (ﭐلْإنسان كشخص خُلِق على صورة ﭐللـه) أم إسلَامية (ﭐلْإنسان مخلوقٌ إلَاهي مُفَضَّل على أكثر ﭐلعالمين ومُكَلَّفٌ بتحمل ﭐلْأمانة في ﭐلعالم).
وفي إطار ﭐلفلسفة ﭐلحديثة، نجد أن ديكارت (1596-1650) يرى، من خلَال تجربة "ﭐلكوجيطو" ("ﭐلْأنا ﭐلمفكر") أن حقيقة ﭐلْإنسان تتمثل في كونه "شيئا مفكرًا"، أي "ذاتا مفكرة"، حيث إن "ﭐلفكر" هو ﭐلذي يُحدِّد -بشكل جوهري وأساسي- ذات ﭐلْإنسان. و"ﭐلفكر"، كخاصية جوهرية للذات، هو مجموعة من ﭐلصفات ﭐلتي تشمل كلًّا من "ﭐلشكـ" و"ﭐلفهم" و"ﭐلْإثبات" و"ﭐلنفي" و"ﭐلْإرادة" و"ﭐلتخيل" و"ﭐلْإحساس" أيضا. إنها ﭐلخصائص ﭐلتي تُلَازِم طبيعة "ﭐلذات" وتُحدِّد ماهيتها و، بالتالي، تُميزها عن غيرها. وبفضل خاصية "ﭐلفكر" تُعَدُّ "ﭐلذات" واعيةً، أي أنها تُدرِكـ نفسها ككيان متميز وكمصدر للفعل تجاه ﭐلعالم (مجال "ﭐلطبيعة" بما هو مجال يضم "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات"). وهكذا، فإن ديكارت يؤكد أهمية "ﭐلْأنا" (كمعطى أولي وكلي) في تحديد "هوية ﭐلشخص"، وذلكـ بما هي قدرة على ﭐلتفكير بشكل حر ومستقل. ولهذا فإن تصور ديكارت يمثل لحظة أساسية في ﭐلفلسفة ﭐلحديثة في تأكيدها لمفهوم "الذات" كمنطلق لبناء معرفة حقيقية حول ﭐلعالم، معرفة تُمَثِّل ﭐلوسيلة ﭐلتي من شأنها أن تُمَكِّن ﭐلْإنسان من ﭐلسيطرة على عالم ﭐلطبيعة وتَمَلُّكه باعتباره مجرد "موضوع" لتدخل "ﭐلذات".
لكن ﭐلتصور ﭐلديكارتي لـ"ﭐلشخص" يبقى، من خلَال تأكيده لِأهمية "ﭐلذات المفكرة"، منغلقا ضمن ﭐلبعد ﭐلميتافيزيقي للوجود ﭐلْإنساني، حيث إنه لَا يستحضر ﭐلْأبعاد ﭐلْأخرى من هذا ﭐلوجود، خصوصا تلكـ ﭐلتي تتعلق بالشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية ﭐلمُحدِّدة له. وفضلًا عن هذا، فإن هناكـ مشكلة ﭐلثنائية ("بدن/نفس")، إذ أن ﭐعتبار ﭐلوجود ﭐلْإنساني مزدوجًا (ﭐلنفس كجوهر مفكر، وﭐلبدن كجوهر ممتد) يطرح (إلى جانب مشكلة مدى إمكان معرفة "ﭐلنفس" بواسطة ﭐلعلم تماما مثل "ﭐلبدن/ﭐلجسم" كموضوع للفيزياء أو ﭐلطب وﭐلتشريح) مسألة ﭐلعلَاقة ﭐلممكنة بينهما. فأيهما يُحَدِّدُ ﭐلْآخر؟ وكيف يمكن تحقيق ﭐلتوافق بينهما كجوهرين متعارضين؟ وغيرها من ﭐلْإشكالَات ﭐلتي سيشتغل طويلًا بها ﭐلعلماء وﭐلفلَاسفة بعد ديكارت.
وعيًا بما يطرحه ﭐلتصور ﭐلديكارتي من مشكلَات، أتى تصور جون لوكـ (1632-1704) ضمن ﭐلنزعة ﭐلتَّجْرِبِيَّة (ﭐلتَّجْرِبَانِيَّة) ﭐلتي تؤكد أهمية ﭐلتجربة ﭐلحسية في ﭐلمعرفة. فهو يرى أن ﭐلْإنسان لَا يمتلكـ بالفطرة أي معرفة أو أفكار قَبْلِيَّة، لَا عن نفسه ولَا عن ﭐلعالم من حوله، وإنما يُعتبر ذهنه مثل ﭐلصفحة ﭐلبيضاء ﭐلتي تتلقى كل نقوشها وسطورها من ﭐلتجربة ﭐلحسية. ومن هنا، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" تقوم على أساس كون ﭐلْإنسان مفكرًا، وهو ﭐلْأمر ﭐلذي يجعله قادرا على "فعل ﭐلتفكير" ﭐلذي يجعله بدوره يدركـ أنه ذات فاعلة على ﭐمتداد ﭐلزمان وﭐلمكان. ذلكـ بأن كون ﭐلتفكير يتحدد كـ"فِعْلٍ" يجعله يؤدي إلى وجود إحساس بالذات ﭐلتي تقوم بذلكـ ﭐلفعل، وهو إحساس لَا يكاد ينفصل عن فعل ﭐلتفكير، حيث إنه لَا يُمْكِنُ للكائن ﭐلمفكر أن يُدركـ دون أن يعرف أنه هو نفسه ﭐلذي يدركـ. وهذه ﭐلمعرفة مُرَافِقَةٌ دومًا لِإحساساتنا وإدراكاتنا. ولهذا، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ناتجةٌ عن أفعال ﭐلتفكير وﭐلْإحساس في تكرارها وتَعَوُّدها، مما يجعل كل واحد منا يحس بنفسه كـ"أنا" ويدركـ هويته ﭐلشخصية ﭐلتي تمتد بقدر ما يمتد وعيه بأفعاله ﭐلماضية ليستحضرها ويَتَذَكَّرها.
إن أهمية تصور لوكـ تكمن في كونه يربط "ﭐلهوية ﭐلشخصية" بالفكر وﭐلْإدراكـ كفعل تجربي وحسي. فإدراكـ ﭐلذات لنفسها كفكر أو وعي تابعٌ لفعل ﭐلتفكير نفسه كتجربة حسية، وليس مجرد مُعطى فطري يسبق كل تجربة. كما أن أهمية هذا ﭐلتصور تتمثل في تمهيده لتصور ديفيد هيوم (1711-1776) ﭐلذي قام بإعادة ﭐلنظر في مفهوم "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ﭐنطلَاقا من ﭐلمنهج ﭐلتجريبي. إذ أنه يرى أن "ﭐلْأنا" في دلَالتها على ﭐلوعي بالوحدة وﭐلِاستمرار ليست موضوعا للتجربة، حيث إن ما يُجَرِّبه كل مِنَّا إنما هو دائمًا فِعْلٌ جُزْئِيٌّ مُعَيَّنٌ مُتغير باستمرار، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل من ﭐلصعب ﭐلْإمساكـ تجربيا بـ"ﭐلْأنا" في وحدتها وبساطتها. وبالتالي فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ليست سوى وَهْمٍ أو خيالٍ قائمٍ على آليات ﭐلمشابهة وﭐلمقارنة وﭐلربط ﭐلتي تُمَكِّن ﭐلْإنسان من إدراكـ ﭐلعلَاقات بين ﭐلْأشياء وﭐلظواهر على نحوٍ يُسهمُ في بناء نوع من ﭐلذاكرة، ﭐلتي ليست في واقع ﭐلْأمر سوى ﭐنعكاس لتأثير ﭐللغة ﭐلمشتركـ، مما يُفيد أن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" إشكال لغوي محضٌ.
وعلى أساس ذلكـ ﭐلنقد ﭐلهيومي، يرى إيمانويل كنط (1724-1804) أن "ﭐلكوجيطو" في دلَالته على "ﭐلْأنا ﭐلمفكر" لَا يمكن أن يكون حقيقةً مُدْرَكَةً بعيدا عن كل تَمَثُّلٍ يَنْصَبُّ على موضوعٍ خارجِيٍّ. فالذاتُ ﭐلمفكرةُ لَا يُمكِنُها أن تُدركـ نفسها على نحو مباشر بواسطة حدس فكري/ذهني، مما يجعل فعل ﭐلمعرفة يستند حَتْمًا إلى حضور ﭐلموضوع ﭐلخارجي. لكن كنط يعود، رغم ذلكـ، ليؤكد أن هذه "ﭐلذات" تَتَعَالى على كل تجربة، بحيث إنها تتحدد في شكل مجموعة من ﭐلصُّوَر وﭐلْأُطر ﭐلقَبْلِيَّة ﭐلتي تُمَكِّن من بناء ﭐلحُدُوس ﭐلتَّجْرِبِيَّة (ﭐلمتعلقة بالْأشياء) كمواضيع للمعرفة. ومن ثم ينتهي كنط إلى ﭐلقول بأن ﭐلْإنسان يتميز عن ﭐلكائنات ﭐلطبيعية كـ"كائن عاقل" يتجلى كعقل عملي أخلَاقي هو أساس "ﭐلشخص" كغاية في ذاته، غاية قُصوى تتجاوز كل ﭐلغايات وتُعطيه نوعا من ﭐلكرامة ﭐلتي يجب ﭐحترامها على نحوٍ كُلِّيٍ، أي أن "هوية ﭐلشخص" تتمثل في كونه صاحب "إرادةٍ خَيِّرةٍ" تَقُوده إلى ﭐلْإحساس بالواجب بشكل عام وبعيدا عن كل غرض أو منفعة.
ويأتي هيغل (1770-1831) ليتجاوز ذلكـ ﭐلتصور ﭐلشكلي وﭐلمجرد عند كنط. فهو يرى أن وجود ﭐلْإنسان -من حيث هو وجود لذاته (أي وعي) يتميز عن وجود ﭐلْأشياء- إنما هو وجودٌ مُتَجَسِّدٌ على نحو عيني وواقعي. لذا فإن ﭐلوعي -بما هو وعي ﭐلذات بنفسها- ناتجٌ عن صراع ﭐجتماعي وتاريخي يتم من أجل كسب نوع من "ﭐلِاعتراف" ﭐلذي يَحْفَظُ للذات مقام ﭐلوعي بنفسها. ومن هنا، فإن ﭐلوعي صيرورةٌ تاريخية وﭐجتماعية تتجسد في جدل ﭐلسيد وﭐلعبد، أي أن ما يُشَكِّلُ "هوية" ﭐلْإنسان واقعٌ خاضعٌ للتغير وﭐلتناقض ﭐلجدليين من خلَال ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية. وبالتالي فإن "ﭐلشخص" لَا يتجلى كوعي أخلَاقي إلَّا من حيث كونه يمثل "روح ﭐلشعب" كمجموعة من ﭐلْأعراف وﭐلقوانين ﭐلتي يعرف ﭐلفرد بفضلها ﭐلخير وﭐلواجب. ويُعَدُّ تصور هيغل هذا أساسيا في تأكيده للطابع ﭐلمتجسد للوعي وللطابع ﭐلجدلي ﭐلمُمَيِّز للصراع ﭐلِاجتماعي وﭐلتاريخي كصيرورةٍ من أجل ﭐلِاعتراف. ونجد أن كل هذه ﭐلمُحَدِّدات ستفرض نفسها بأشكالٍ مختلفةٍ على ﭐلفلَاسفة وﭐلمفكرين ﭐللَّاحقين لهيغل (خصوصا شوﭙنهاور، نيتشه، ماركس، فرويد).
وفي أعقاب ذلكـ كله يأتي جول لشوليي (1832-1918)، في نهاية القرن 19، ليؤكد أن "هوية ﭐلشخص" تتأسس على "وحدة ﭐلطبع" و"ترابط ﭐلذكريات". ومن أجل بلورة هذا ﭐلتصور يعمل، أولًا، على إزاحة ﭐلتصور ﭐلشائع ﭐلذي ينظر إلى "ﭐلهوية ﭐلشخصية" كوحدةٍ وثباتٍ يُقَوِّمان على نحوٍ جوهري (أي أصلي ودائم) "ﭐلشخص" بما هو "ذات" أو "أنا". إذ توجد جملةٌ من ﭐلوقائع تُفَنِّد في نظره مثل ذلكـ ﭐلتصور. فالْإنسان في حالة ﭐلنوم يفتقد "ﭐلْأنا" (كحضور ذهني) أو له فقط "أنا" متخيل (كإدراكـ حَالِم) سرعان ما يتلَاشى حين ﭐليقظة ؛ وكذلكـ فإن ﭐلْإنسان في حالة ﭐلمرض له أنا أول وأنا آخر متناوبان داخله، وأحدهما فقط يُدرِكـ ﭐلْآخر. ولهذا، فإنه من ﭐلصعب جِدًّا في نظر لشوليي أن نُرْجِعَ حالَاتِنَا ﭐلداخلية إلى "ﭐلْأنا" أو "ﭐلذات" كوحدةٍ مستقلة، مُتَّسِقَة ودائمة. وبالتالي، فلَا شيء آخر يُثبت في ﭐلواقع ﭐلفعلي "ﭐلهوية ﭐلشخصية" غير "دوام ﭐلطبع" و"ترابط ﭐلذكريات". ذلكـ بأن كل إنسان يأتي أفعاله بطريقة مُحدَّدة وﭐعتيادية تجعل تصرفه أو سلوكه يتصف بعدد من ﭐلسمات، ثم إن إدراكاتنا أو حالَاتنا ﭐلنفسية يرتبط بعضها ببعض على نحو يجعل وعينا ﭐلتذكري يربط بين ﭐلماضي وﭐلحاضر في مسار حياتنا. وهكذا فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" في نظر لشوليي ليست معطاةً على نحو أولي وأصلي، كما كان يُعتقد سابقا، وإنما هي مجرد ﭐنعكاس -مباشر ومتواصل بهذا ﭐلقدر أو ذاكـ- لِإدراكاتنا ﭐلماضية في إدراكاتنا ﭐلحاضرة. ومن ثم، فإن تحديد "ﭐلهوية ﭐلشخصية" يقتضي ﭐلتخلي، في آن واحد، عن مفهوم "ﭐلْأنا" باعتباره أحد أوهام علم ﭐلنفس، و عن "ﭐلجوهر" كأحد أوهام ﭐلميتافيزيقا، مما يجعلها تتحدد بشكل فعلي كمجموعة من ﭐلظواهر ﭐلمتعلقة بالطبع ﭐلسلوكي وما يرتبط به من وعي تذكري.
ونُلَاحظ أن لشوليي وظف في بناء تصوره ذاكـ جملةً من ﭐلمفاهيم ﭐلتي تنتمي إلى مجال علم ﭐلنفس (ﭐلطبع، ﭐلذاكرة، ﭐلْإدراكـ، ﭐلوعي/ﭐلشعور)، مما قد يشير إلى أنه يعتمد ﭐلمنظور ﭐلنفسي في تحديده لـ"هوية ﭐلشخص". لكنه في ﭐلواقع يعتبر أن "ﭐلْأنا" ليس سوى وهم من أوهام علم ﭐلنفس، تماما مثل "ﭐلجوهر" في ﭐلفلسفة. وبناء على هذا، يستنتج أن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" لَا تتحدد لَا بـ"ﭐلعقل" ولَا بـ"ﭐلحرية" ولَا بـ"ﭐلروح"، فلَا شيء ثابت فيها يمكن أن يوصف كـ"جوهر"، وإنما يتعلق ﭐلْأمر بـ"ﭐلطبع" و"ﭐلذاكرة" كمجموعة من ﭐلسمات ﭐلتي تميز ﭐلْإدراكات وﭐلحالَات ﭐلنفسية كما تعبر عن نفسها في وقائع ﭐلسلوكـ. غير أن لشوليي لَا يعتمد على "علم ﭐلنفس" بشكل أساسي لِإيمانه بأن ﭐلفلسفة يمكنها أن تقوم كمجال معرفي مستقل. ولذا لَا يحدد ﭐلكيفية ﭐلتي يكتسب بها ﭐلشخص طبعه ﭐلسلوكي ووعيه ﭐلتذكري: فهل يتم ﭐلْأمر على نحو تلقائي أم أنه يتم ضمن ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية وﭐلثقافية ﭐلتي ترتبط بالوسط حيث يعيش ﭐلمرء وﭐلتي يدرسها "علم ﭐلنفس" مثلًا؟ إن لشوليي ينتهي، بعد كل ذلكـ، إلى أن حقيقة ﭐلْإنسان ﭐلداخلية مزدوجة: فهناكـ مجال ﭐلوعي كإدراكات حسية، ومجال ﭐلفكر كنور ينشر هذا ﭐلوعي على ﭐلْإحساسات. ومن هنا فلَا بأس في نظره من أن يكون ﭐلْإنسان موضوعا لعلمين متميزين، "علم ﭐلنفس" ﭐلذي يتناول مجال ﭐلوعي، و"ﭐلميتافيزيقا" ﭐلتي تتناول ﭐلفكر في ذاته، من جهة مصدره كنور. ومن خلَال هذا نُلَاحظ محدودية تصور لشوليي ﭐلذي يبدو أنه لم يَستثْمِرْ بقدر كَافٍ أهم ما أعطاه ﭐلفلَاسفة ﭐلذين سبقوه أو عاصروه (هيغل، شوﭙنهاور، نيتشه، كونت، ماركس، وفرويد)، وهي ﭐلعطاآت ﭐلتي تَصُبُّ، من ناحية، في ﭐتجاه تقويض مفهوم "ﭐلذات" كأنًا مفكر وواعٍ و، من ناحية أخرى، في تأكيد أهمية ﭐلشروط ﭐلطبيعية وﭐلِاجتماعية ﭐلمحدِّدة لقيام ﭐلفاعلية ﭐلواعية لدى ﭐلْإنسان. وعلى هذا ﭐلْأساس، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" تصير موضوعا للتغير وﭐلتعدد والتناقض.
كان لَا بُد، إذن، من ﭐنتظار مجيء سيغموند فرويد (1856-1939) ﭐلذي ﭐستفاد من تلكـ ﭐلعطاآت على نَحْوٍ مَكَّنَهُ من بناء تصور مختلف وغني. فهو يرى أن ثمة عددًا من ﭐلحالَات وﭐلْأفعال ﭐلنفسية (ﭐلْأحلَام، فلتات ﭐللسان، ﭐلنكت، إلخ.) ﭐلتي لَا يُمكن فهمُها وتفسيرُها فقط بِرَدِّها إلى أسبابٍ يشهد لها "ﭐلوعي" في ﭐلحياة ﭐلشعورية ﭐلعادية للشخص، بل إنها لَا تأخذ معناها ﭐلكامل وتكتسب نوعا من ﭐلِاتِّسَاق إلَّا إذا ﭐفترضنا وجود حياة نفسية لَاشُعورية. ذلكـ بأن ﭐلطبيعة زَوَّدت ﭐلْإنسان بطاقة حَيَوِيَّة (ﭐللبيدو) هي مجموع ﭐلنزوات وﭐلرغبات وﭐلشهوات ﭐلتي تدفع أو تُحَرِّكـ ﭐلْإنسان منذ طفولته ﭐلْأولى وﭐلتي تطلب ﭐلْإشباع، مما يجعلها لَا تخضع إلَّا إلى مبدإ طلب ﭐللذة وﭐجتناب ﭐلْألم. لكن ظروف ﭐلحياة ﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية، ﭐلتي تحكم حياة ﭐلْإنسان، تُواجه ﭐلنزوع ﭐلطبيعي نحو ﭐللذة بـ"مبدإ ﭐلواقع" ﭐلذي يَكُفُّ "غريزة ﭐلحياة" ويمنع ﭐلْإنسان من ﭐلِاستسلَام لـ"غريزة ﭐلموت" في سعيه نحو ﭐلِاستجابة ﭐلعمياء لدوافعه ﭐللِّبِيدِيَّة، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعله يتعلم -منذ فترة ﭐلرضاع- أن هناكـ نزوات يجب تأجيلها وإرجاؤها، وبالتالي قمعُها وإخفاؤُها. وهكذا فإن شخصية ﭐلْإنسان تتحدد بنيتها ﭐلنفسية منذ ﭐلسنوات ﭐلْأولى من ﭐلطفولة، حيث إن تَشَكُّل هيئات ﭐلجهاز ﭐلنفسي (ﭐلهو، ﭐلْأنا، ﭐلْأنا ﭐلْأعلى) يتم في هذه ﭐلفترة، باعتبار أن ﭐلطاقة ﭐلحيوية ﭐلمُكَوِّنة لهيئة "ﭐلهو" تصطدم، في نزوعها نحو ﭐلْإشباع، بـ"ﭐلواقع ﭐلخارجي"، مما يؤدي إلى نشوء هيئة "ﭐلْأنا"، كجزء وسيط بين "ﭐلهو" و"ﭐلواقع ﭐلخارجي"، يتحكم في ﭐلحركات ﭐلْإرادية ويؤدي وظيفة حفظ ﭐلتوازن بين ﭐلضغط ﭐلقادم من "ﭐلهو" وﭐلضغط ﭐلْآتي من "ﭐلْأنا ﭐلْأعلى" (مجموع ﭐلقيم ﭐلْأخلَاقية في مجتمع وثقافة معينين، وﭐلمتجسدة في ﭐلممنوعات وﭐلمحرمات ﭐلقائمة ﭐلتي يستدمجها ﭐلطفل أساسا من خلَال علَاقته بوالديه). وفي خضم هذا ﭐلصراع، تبدو شخصية ﭐلمرء واقعةً تحت تأثير ﭐلدوافع ﭐللَّاشعورية ﭐلناتجة عن عملية ﭐلكبت ﭐلتي تُوَجِّهُ وتُقَنِّنُ ﭐلطاقة ﭐلحيوية للْإنسان حسب ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية ﭐلتي حَدَّدَت طفولته، وﭐلتي تعبر عن نفسها رمزيا عن طريق ﭐلْإعلَاء في ﭐلحالة ﭐلعادية أو ماديا عن طريق ﭐلْأمراض ﭐلنفسية وﭐلعصبية عندما يفقد ﭐلْأنا زِمام ﭐلْأمور في عمله على حفظ ﭐلتوازن بين ﭐلمطالب ﭐلمتعارضة لكل من "ﭐلواقع ﭐلخارجي" و"ﭐلهو" و"ﭐلْأنا ﭐلْأعلى".
يقوم إذن تصور فرويد على أن "هوية ﭐلشخص" تتحدد كبنيةٍ نفسيَّةٍ ناتجة عن ﭐلصراع بين ﭐلهيئات ﭐلثلَاث في علَاقتها بالواقع ﭐلخارجي، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل "ﭐلْأنا" -وهو يسعى للقيام بمهمة ﭐلوساطة بين أسياده ﭐلثلَاثة تلبيةً لمطالبهم ومن أجل ضمان وحفظ ﭐلتوازن بينهم- يُواجِه صعوبات كبرى ويعيش في قلق دائم. ومن هنا، فإن ﭐلبنية ﭐلنفسية للشخص في ﭐلمنظور ﭐلفرويدي تتحكم فيها أساسا ﭐلدوافع ﭐللَّاشُعُورية على نحوٍ يجعل "ﭐلْأنا لَا يكون أبدًا سَيِّدًا في منزله". وهكذا فإن أهمية موقف فرويد تتمثل في مُراجعة ﭐلتصور ﭐلتقليدي ﭐلذي ينظر إلى ﭐلذات كـ"أنا" واعٍ له ﭐلقدرة على ﭐلفعل وﭐلِاختيار. ففرويد يؤكد أن ﭐلجانب ﭐلواعي في "ﭐلشخصية" ضعيف جدا إلى ﭐلحد ﭐلذي يجعل "ﭐلْأنا" مجرد عبدٍ خادمٍ تُطَوِّح به في كل ﭐتجاه ﭐلمطالب ﭐلمُلِحَّة وﭐلمتعارضة لِأسياده ﭐلثلَاثة ﭐلْأشدء وﭐلمستبدين. كما أن تصور فرويد يُبَيِّن قيمة ﭐلعوامل ﭐلخارجية في تحديد "هوية ﭐلشخص"، وبالخصوص أهمية ﭐلمسار ﭐلتاريخي للشخص في مجتمعه ومن خلَال ثقافته، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل ﭐلبنية ﭐلنفسية للشخص ذات طابع تَكَوُّني وحركي، وذلكـ بفعل ﭐلتعارض وﭐلصراع ﭐلموجودين بين "ﭐلْأنا" من جهة، وبين "ﭐلواقع" و"ﭐلهو" و"ﭐلْأنا ﭐلْأعلى" من جهة أخرى. لكن ﭐلتصور ﭐلفرويدي، في ﭐلوقت نفسه ﭐلذي يُظهِر محدودية ﭐلمواقف ﭐلتي تنظر إلى ﭐلذات كـ"أنا" واعٍ وحر، فإنه يبدو -من خلَال إبرازه لدور ﭐللَّاشعور- مَيَّالًا إلى ﭐلنزعة ﭐلحتمية (ﭐلحَتْمَانية) ﭐلتي لَا تتركـ لِلْإنسان، بما هو فرد، أي خيار أمام ضرورة ﭐلشروط ﭐلطبيعية وﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية وﭐلتاريخية ﭐلتي تُحَدِّد و، من ثم، تَحُدُّ وجوده وفاعليته في هذا ﭐلعالم. وهذا ما يجعل ﭐلقول بوجود حَتميةٍ لَاشُعُوريةٍ مُتحكمةٍ في فاعلية ﭐلذات يطرح مشكلةَ ﭐلْإرادة وﭐلحرية وﭐلمسئولية، وبالتالي قيمة "ﭐلشخص" ﭐلْإنساني إزاء ﭐلكائنات ﭐلطبيعية وﭐلحيوانية.
* تركيب وﭐستنتاج
يتعلق إشكال "هوية ﭐلشخص" (أو "ﭐلهوية ﭐلشخصية") بمجموع ﭐلخصائص ﭐلتي تُحدِّد وجود ﭐلْإنسان من حيث هو وجود متميز عن وجود ﭐلكائنات ﭐلْأخرى. وتقوم ﭐلمعالجة ﭐلفلسفية لهذا ﭐلْإشكال بإبراز أهمية "ﭐلنفس" سواء في تميزها عن "ﭐلبدن" (كما هو ﭐلحال في ﭐلفلسفة ﭐليونانية، خصوصا مع سقراط وأفلَاطون، وإلى حدٍّ ما مع أرسطو كذلكـ) أو في تحديدها للجانب ﭐلعاقل أو ﭐلواعي في ﭐلْإنسان (كما عند ديكارت في تأكيده
























