Yahoo!

التطرُّف العَلْمانيّ ورُهابُ الإسلام

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 24 سبتمبر 2011 الساعة: 17:53 م

     لعل المُشكلة الكُبرى في "ٱلعَلْمانيّة" بالمجتمعات الإسلاميةّ تتمثل في ما يُحيط بها من سُوء أو إساءة الفهم. إذْ من الشّائع أنّ دُعاتَها يَحرِصُون، بوعي أو من دونه، على ربطها ب"ٱلعِلْم" فتراهم يُسمُّونها "عِلْمانيّة"! في حين أنّ خصومَها لا يَتردّدُون في الحكم عليها بأنّها تُعادي "ٱلدِّين" فيَحق، في نظرهم، وَصْمُها بأنّها "لادينيّة" صريحة أو متنكرة. لكنْ إذَا ٱعتبرنا أنّ المُراد، من خلال ما تُرجم في العربيّة بلفظ "عَلْمانيّة" أو "لائكيّة"، لا يَتجاوز معناه «تحييد "ٱلدّولة" تُجاه "ٱلدِّين" عموما»، فإنّ قيامَ "ٱلإسلام" في جوهره ك"راشديّة" تُواجِه بقوةٍ غوائل "ٱلجاهليّة" يَجعلُ دُعاة "ٱلعَلْمانيّة" يَرهَبُونه إلى حدِّ الظُّهور بمظهر من يُعاني "رُهاب ٱلإسلام" (ما يُسمّى نَشازًا ب"الإسلاموفوبيا").
    ويبدو أنَّ تلك المُشكلة تزداد سُوءًا لكون دُعاة "ٱلعَلْمانيّة" بيننا يَغْلِب عليهم ٱلِانطلاق من التّجربة اليهوديّة-ٱلنّصرانيّة بحيث لا يجدون طريقًا آخر لتصوُّر "ٱلعلمانيّة" وإعمالها إلا بصفتها "تعطيلا للدِّين" إمّا جُحودًا وإمّا إلحادًا. وفي هذا يجد مصدرَهُ "ٱلتّطرُّف ٱلعَلْمانيّ" الذي يقوم على النّظر إلى فعل "ٱلعَلْمنة" كما لو كان يَعني، بالتّحديد، "إبطال (أو ٱطِّراح) ٱلدِّين". ذلك بأنّ كونَ تاريخ المسيحيّة أفضى إلى قيام "ٱلكنيسة" في صورة "سُلطان روحيٍّ/زمنيٍّ" مُستبِدّ ومُضطهِد هو ما أوجب العمل على "ٱنتزاع ٱلعالَم" من أيدي "رجال ٱلدِّين" ووضعه بين أيدي "عامّة ٱلنّاس" و، بالخصوص، بين أيدي "ٱلعُلماء" (المشتغلين أساسًا ب"ٱلعِلْم ٱلوَضْعيّ"). ولذا، فإنّ العامِلين على "ٱلعَلْمنة" يَنقادُون إلى ٱعتبار "ٱلدِّين" عموما مُتنافيًا مع "ٱلدُّنيا"، بل لا يَتردّد بعضهم في القول بوُجود تَضادٍّ بين "ٱلعقل" (كفعل بشريٍّ مُلازِم) و"ٱلوحي" (كفعل فوق-بشريٍّ مُفارِق) و، بالتّالي، بين "ٱلعِلْم" (كاشتغال نِسْبِيٍّ بالمعرفة والحقيقة) و"ٱلدِّين" (كإلزام إيمانيٍّ مُطلَق).
    ونجد أنَّ "ٱلعَلْمانيين" يُرتِّبون على ذلك قولَهم بأنّ ما يُميِّز "ٱلعقلَ" و"ٱلعِلْم" كليهما إنّما هو أساسهما "ٱلتّنويري" و"ٱلتّحريريّ" بخلاف "ٱلوحي" و"ٱلدِّين" ٱللّذَيْن يَقُومانِ، في ظنِّهم، على شكل توجُّه يَتحدَّدُ بأنّه "ظلاميّ/ظُلْمانيّ" و"رَجْعيّ/مُحافِظ". وعلى هذا يكون "ٱلعقل" و"ٱلعِلْم" نوعًا من النُّور "ٱلدّاخليّ" و"ٱلمُتنزِّل" وَفْق وضع الإنسان في هذا العالم بحيث يَصير "ٱلإلزام" أيضا نابعًا من داخل المرء وليس ناتِجًا من سُلطة "خارجيّة" و"مُتعالِيَة". وإذا كان هذا المنظور - الذي يَتبنّاه أدعياء "ٱلعَلْمانيّة" بيننا- يبدو كأنّه قد حَسمَ كل شيء، فلأنّه يَتجاوَزُ أهمّ المُكتسبَات التي ٱنتهى إليها الفكر المعاصر الذي رَاجَعَ أكثر من مرة مفاهيم "ٱلعقل" و"ٱلعِلْم" و"ٱلدِّين" و"ٱلسُّلطة" في إطار سلسلة من ٱلِانقلابات العلميّة والفلسفية الكُبرى التي لم يَبْقَ إلا مفكرونا حَيارى في ٱستيعاب تَبِعاتها، من حيث إنّهم لا يزالون يَقبَلُون ٱجترار ٱلنُّتَف المجزوءة وٱلفِكَر الملفوظة.
    لذالك، فإنّ دُعاة "ٱلعَلمانيّة" في العالَم الإسلامي لا يَفعلون، في الغالِب، سوى إجراء مُقايَسة على ما عرفته المجتمعات الغربيّة والبحث، من ثَمّ، عن تطبيقه على المجتمعات الإسلاميّة التي يُنْسَى أنّ لها تجربةً مُغايرةً في المجالين الدينيّ والسياسيّ على النّحو الذي لا يَسمح بمُعاملة "ٱلإسلام" بنفس الكيفيّة التي عُومِلت بها "ٱلمسيحيّة" منذ عصر النّهضة. ذلك بأنَّ "ٱلحداثة"، بخلاف ما هو شائع، لا تعني تَراجُعًا مُطْلَقًا للدِّين، وإنّما هي مُراجَعة له تستئنفه تأويلا وتستعيده إصلاحًا من خلال إعادة قراءة "ٱلتُّراث" اليهوديّ-المسيحيّ في تفاعله مع "ٱلتُّراث" الإغريقيّ-الرُّومانيّ بالشكل الذي يُمكِّن من ٱستمرار المُمارَسة الدينيّة في ثنايا المَعِيش الدنيوي من دون أيِّ حاجة إلى "ٱلسلطان ٱلزمنيّ" لفرضها أو حمايتها. وهذا ما يُفسِّر كون ٱلنّفاذ/ٱلنُّفوذ الروحيّ لذَيْنك التُّراثَيْن لا يزال عميقًا في المجتمعات الغربيّة على الرغم من إعطائه طابعًا دُّنيويًّا/دهريًّا يُراد لنا أنْ نأخذه كما لو كان "ٱنقطاعًا كاملا" أو "ٱنقلابًا جذريًّا" يَتحدَّدُ بصفةِ "ما هو عِلْميّ" (أو "عَلْمانيّ") مُنفصل تمامًا ع"ما هو دينيّ" (طبعًا، بقَبُول صحّة التّعارض بين "ٱلعِلْميّ" و"ٱلدِّينيّ").
    ومن ثَمّ يَظهر أنّه من الصعب خوضُ ٱلنِّضال باسم "ٱلعَلْمانيّة" من دون الوُقوع في مُعاداةِ ٱلدِّين. وهذا ما يفضح الأساس ٱلِاعتقاديّ في "ٱلعَلْمانيّة" التي تَصير بمُوجبه مُحدَّدة لا بصفتها "لادينيّة"، وإنّما بصفتها "دينًا مُتنكِّرا" يَتّخذ لَبُوس "ٱلعِلْم" و/أو "ٱلفلسفة" بالِاستناد إلى عطاءاتهما لتسويغ ٱتِّخاذ المواقف بجعلها تبدو كما لو كانت مواقف دَهْريّة/دُنيويّة بدون خلفيّات. وٱنكشاف عَوْرة "ٱلعَلْمانيّة" على هذا النّحو هو الذي يَقُود إلى تبيُّن دلالة ٱلِانتقال، لدى أصحابها، من الحديث عن "ٱلعَلْمنة" إلى التّركيز على "ٱلدّمقرطة" والحرص على إبرازها كمُناهَضة للوُثُوقيّة السّلفيّة والتّزمُّت الدينيّ كما يَجدانِ تعبيرهما، بالخصوص، لدى بعض الفئات الهامشيّة والمُتشدِّدة في المجال الإسلاميّ. ومن هنا يَأتي ٱلِانحراف في تصوُّر "ٱلعَلْمانيّة" بصفتها تعطيلا للدِّين نتيجته المُباشرة تفعيل "ٱلعَلْمنة" باعتبارها "مُحارَبةً للإسلام" تحت غطاء ٱجتثاث العُنف ٱلِاسترهابيّ الذي يَتوسَّلُ بتعاليم "ٱلإسلام/ٱلدِّين".
     وهكذا، فإنّ "ٱلتّطرُّف ٱلعَلْمانيّ" يتجلّى أكثر بما هو نضال فِكروِيّ وسياسيّ يَخُوضه أصحابه، من جهة، لتعطيل "ٱلإسلام" باعتباره تسييسًا مُغْرِضًا للدِّين وٱستغلالا مُدنِّسًا للمُقدَّس و، من جهة أخرى، للعمل على ٱختزال "ٱلمَرجعيّة ٱلإسلاميّة" في "ما هو دينيّ"، تمامًا كما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في التضليل باسم العقل

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 15 أغسطس 2011 الساعة: 18:02 م

     «أيُّ ملاذٍ قد يُؤْوِي من أهان جَلال العقل؟» ("إسپينوزا")
    

     «ثمة غُلُوَّانِ: إقصاءُ العقل، وعدمُ الإذعان إلا للعقل.» (پاسكال)
    

      يَميلُ "ٱلْمُبطِلُون" (أيْ المُشتغلون بـ"ٱلباطل" قَولاً مُرسَلاً بلا قَيْدٍ و/أو فِكْرًا مُلْقًى بلا سَنَدٍ) إلى ٱلإكثار من ٱدِّعاء ٱلِاعتماد على "ٱلعقل". ذلك بأنَّه لا يَخفى أنَّ "ٱلعقلَ" يُمثِّل لا فقط مَناط التّميُّزِ النّوعيِّ للإنسان، بل يُمثِّل أيضًا مَناطَ نوعٍ من التّميُّز ٱلِاجتماعيّ وٱلثّقافيّ. ولهذا، فإنَّ بعض مُحترِفي "خطاب ٱللَّغْوَى" يَحرِصُون دائمًا على الحديث "في موضوع ٱلعقل" و"باسم ٱلعقل" حتّى يَكفُلوا لخطابهم مَشروعيّةً لا تُضاهى في ظنِّهم، تمامًا كما لو كان ذلك يَكفي لجعل خطابهم "مَعقولًا" ولإعطائهم مكانة "أُولِي الألباب"!
    لكنْ، يُلاحَظ أنَّ "ٱلمُبطلِين" يَستعملون لفظ "ٱلعقل" إطلاقًا بدون تقييد وتعميمًا بدون تخصيص، إمّا جهلا منهم بواقعه الحقيقيّ (القائم على التّغيُّر والتّفاوُت) وإمّا تدليسًا على عامّة النّاس ممّن يكتفون، في معظم الأحيان، بالِانبهار والتّلويح بما يُعدُّ ٱمتيازًا في مجال ٱجتماعيٍّ مُعيَّن. إِنّك تجدُهم لا يَتحدّثون إلا عن "ٱلْعقل" (مُعرَّفًا بـ"ٱلْـ")، ويَنْدُر أنْ تسمعَ من أحدهم عبارةَ "هذا العقل" أو "عقلُنا" أو "ٱلعقل في هذه الحدود" أو "ٱلعقل بالنِّسبة إلى شروط إمكانه وٱستعماله".
    ولأنّهم لا يكادون يُدركون مدى تصديقهم ذاك - بل "إيمانهم"- ب"ٱلعقل في ذاته"، فإنّهم لا يَتردَّدُون في إتيان "ٱلإثبات" تَحكُّمًا أو تَعاطِي "ٱلنّفي" إنكارًا مُتجاوزين بـ"ٱلعقل" نطاقَه البشريّ وجاعلينَه "معيارَ ٱلفصل" فيما لا يُحيطُ به وُجودُهم أو معرفتُهم، خصوصا أنّ منهم من يَذهب إلى حدِّ القول بأنَّ التّجلِّي الحقيقيّ للعقل لا يكون إلا في صورة "ٱلتّشكيك الجِذريّ" الذي يَؤُول، بالضرورة، إلى "ٱلإلحاد" تَعاقُلاً وتَعالُمًا.
    ولعلَّ أوّل ما يَجدُر بالمُتأمِّل إدراكُه أنّ ما يُسمَّى "ٱلعقلَ" - في الواقع البشريّ- لا يَستقلُّ بذاته مُطلقًا، لأنّه ليس بـ"ذات قائمة بنفسها"، وإنّما هو نِتاجٌ للصيرورة التي تُقِيمُ الإنسانَ ذاتًا، ونِتاجٌ يبقى جُزئيًّا بين جُملة من الإنتاجات التي لا تُعدّ كلُّها "عقليّةً" بالتّحديد (الانفعالات/الأهواء، المُيول/الرَّغبات، الانطباعات، التَّوهُّمات، التَّردُّدات، الأخطاء). فهو، بالأحرى، "فِعْلٌ" مُحدَّدٌ بالنّسبة إلى ما هو طبيعيّ وٱجتماعيّ وتاريخيّ في نفس كل ٱمرئ (أو ذهنه)، إنّه جُزءٌ من مجموع "ٱلأفعال" التي يَطلُب بها كل إنسان شيئًا من "ٱلإدراكـ" أو "ٱلتّقييم" أو "ٱلفعل" في إطار تحصيل حاجاته الحيويّة ضمن مجتمعه الخاص. فلا يَقُوم "ٱلعقلُ"، إذًا، إلا في مُحيطٍ من "ٱلأهواء" و"ٱلأوهام" المُتناقضة والمُتهارِشة على النّحو الذي يَجعل "ٱلعقلَ" و"ٱللاعقلَ" مُتلازمَيْنِ في ٱلمَعِيش البشريّ تَلازُمًا يُوجِبُ دوامَ "ٱلِاجتهاد" لتَبيُّن الفُروق الدّقيقة التي تُميِّز بين "ٱلمُدرَك ٱلعقليّ" (في وُضوحه ولُزومه) و"ٱلمُدرَك ٱللاعقليّ" (في ٱلتباسه وتَفلُّته).
     وعمومًا، فإنَّ أساسَ مفهوم "ٱلعقل" يُمكن ردُّه إلى معنى "ٱلجَمْع/ٱلرَّبْط" بين الأشياء (أو الظواهر) بشكل يُؤدِّي، من جهة، إلى نوع من "ٱلإدراك/ٱلفَهْم" الذي يُمسِكُ ب"ٱلعلاقات" أو يُحدِّد "ٱلنِّسَب" القائمة بينها و، من جهة أخرى، إلى تَعاطي "ٱلحُكْم/ٱلضَّبْط" بشأنها تمييزًا وترتيبًا وتقديرًا. و"ٱلعقل"، بهذا التّحديد، يَتمثَّل في مُمارَسة "ٱلتّفكير ٱلِاستدلاليّ" تَعليلًا وتشريعًا وترشيدًا، وليس فقط في "ٱلفحص النقديّ" تَبيُّنًا وتمحيصًا.
    غير أنّه لا شيء من ذلك يَتِمّ إلا في حُدود ما تَسمحُ به الشروطُ التي تَحكُم وجودَ وفعلَ الإنسان ضمن هذا العالَم على نحو طبيعيّ وتاريخيّ وٱجتماعيّ. ومن هنا، فإنَّ "ٱلعقل" ليس "فاعليّةً" مُتعالِيَةً ومُطلقةً، وإنّما هو "نشاطٌ تَفاعُليٌّ" تَحكُمه مجموعةٌ من الشروط التي تَجعلُه مُحدَّدًا بالنِّسبة إلى مجموع أسباب المُمارَسة النّظريّة والعمليّة المُتعلِّقة بمختلف مجالات الحياة والنّشاط البشريَّيْن.
    ولأنّ "ٱلعقلَ" لا يَستقلُّ بذاته كجوهر (واحد وثابت)، فإنّه لا يُمكنُ أنْ يُؤسِّس نفسه بنفسه (إلا دَوْرًا فاسدًا أو تَسلْسُلا مُحالا في طلب "ٱلمبادئ" و"ٱلمعايير" الأُولى)، بل يحتاج إلى غيره ممّا يُوجَدُ خارجه لكيْ يَتأسَّس عليه. ومن العجيب أنّ الذين يَأخُذهم الزَّهوُ في مُتابَعة تصور "ديكارت" للعقل يَغفُلون عن كونه لم يَجعل أساس اليقين قائمًا في "ٱلعقل" باعتباره مُستقلا بنفسه، وإنّما صَرَّح بأنّ "ٱللّه" هو وحده "ٱلضامن" لليقين الذي يُميِّز المُدركَات العقليّة في تَطابُقها مع موضوعاتها (ومن هذه المُدركات اليقينيّة إدراك النّفس لذاتها بحسب ما فُطِرَتْ عليه وكما يتجلّى في مثال "الكُوجيتو").
    ولذلكـ، فإنَّ "ٱلعقلَ" - بما هو قُدرةٌ ذهنيّةٌ ونفسيّةٌ مُعطاةٌ مبدئيًّا إلى كل النّاس- لا يَقُوم فعليًّا إلا بالنِّسبة إلى مجموع الشروط الِاجتماعيّة والتّاريخيّة والثقافيّة التي تَحكُم وجودَ وفعلَ الإنسان ضمن هذا العالَم. ولذا، فإنَّ "ٱلعقل" كسلطة حاكِمة وفاعِلة (أيْ كـ"عقل عُموميّ") لا يَتأسَّس إلا تَداوليًّا في حُدود ما تَسمح به شُروط ٱلاستعمال القائمة في مجالٍ مُعيَّن كشُروط تُحقِّق، في آنٍ واحد، الإيمانَ بأهميّة "ٱلعقل" وبقُدرته ككيفيّة نَظريّة و/أو عمليّة.
    ومن ثَمّ، فإنَّ "حُدودَ ٱلعقل" لم تَعُدْ مسألةً ظنيّةً يُمكن للمرء أنْ يَتردَّدَ في قَبُولها مُستهينًا بها أو مُستعظِمًا لها. إِذْ أنَّ مُكتسبات البحث العلميّ والفلسفيّ المعاصر صارت تَسمحُ بتَبيُّن أهمّ الكيفيّات التي تُثبت مَحدوديّة "ٱلعقل" ليس فقط بِناءً على ٱزدياد المعرفة بتَناهي الوُجود والفعل البشريَّيْن، بل أيضًا بسبب ثُبوت لاتناهي المعرفة بما ليس بشريًّا على مستوى الوُجود والفعل كليهما. ونجد، بهذا الصدد، أنّ حُدودَ "ٱلعقل" باتَتْ ثابتةً علميًّا (مُبرهَنة "غُودل" وفيزياء "ٱلكوانتا") وفلسفيًّا (ٱمتناع التّأسيس المُتعالِي، التّجذُّر التّاريخيّ وٱلاجتماعيّ للعقل الوَسِيلِيّ، التّلازُم الضروريّ بين "ٱلمعقول" و"ٱللامعقول").
     وعلى الرغم من ذلك، يبدو أنَّ مُلاحَقة الفكر للمُمكنات (كلانهائيّة من الوُجوه ٱلِاحتماليّة) يُقوِّي إحساسنا بأنَّ "ٱلعقلَ" قُدرةٌ تُخرجنا من "ٱلمحدوديّة" وتَجعلُنا ننفتح على "ٱللاتناهي"، بل تَقُودنا إلى تكسير قُيود "ٱلحتميّة" وتُهيِّئ لنا، من ثَمّ، سُبل ٱلِانطلاق نحو أبواب "ٱلحُريّة" المُشْرَعة على المستقبل ٱجتهادًا وٱبتكارًا. لكنْ ينبغي عدم ٱلاستسلام للخلط الشائع بين إغراءات "ٱلإمكان" وصعوبات "ٱلتّحقُّق"، لأنَّ تَصوُّرَ "ٱلعقل" كلانهائيّة من المُمكنات لا يُعطينا تَمامَ القُدرة الفعليّة على تنزيلها واقعيًّا إلا بقدر ما نتفانى في التّعامُل مع الشُّروط القائمة توسيعًا لحُدودها وتكثيرًا لمَنافِذها، مِمّا يَقتضي أنَّ لانهائيّةَ المُمكنات ليست من بناء "ٱلعقل" عينه، وإنّما هي عَطاءٌ مُتعالٍ يُؤكِّد أنَّ كل شيءٍ فيه إنّما هو تَجَلٍّ يَتجاوز حدود ما هو بشريّ.
    وإذا كان الإقرارُ بمحدوديّةِ "ٱلعقل" ونسبيّته يُعدُّ أدَلَّ على الوفاء له بما هو كَسْبٌ بشريّ (يقول "پاسكال": «لا شيءَ أشدُّ مُوافَقةً للعقل من هذا الجُحود للعقل.»)، فإنّه ليس تَهوينًا من شأنه أو تَخليًّا عنه لصالح ضدٍّ من أضداده ("ٱلهوى ٱلغريزيّ" أو "الإيمان الأعمى") كما يَزعُم المُبْطِلُون، وإنّما هو إقرارٌ بواقع "ٱلوَضْع البشريّ" تَواضُعًا لا ٱتِّضاعًا، وهو التّواضُع الذي من شأنه أنْ يَجعلَ معرفةَ الحُدود شرطًا في تفعيلها عقليًّا ك"إمكانات" و"أسباب". ولأنَّ "أهل الغِرّة" يَنْسون أنَّ ٱلتّواضُعَ أصلٌ في الرِّفعة والشّرف عند الحُكماء، فإنّهم يَأْبَون بجُحودهم إلا أنْ يَزيدوا تأكيدًا لتَوجُّههم التّضليليّ في تَناوُل "ٱلعقل"، فتَراهُم يُصرُّون على ربط "ٱلتّنوير" برفض "ٱلإيمان" وجعل "ٱلتّحرير" ٱنفكاكًا عن "ٱلدِّين" كأنَّ أخذَهم ب"ٱلعقل" يَقُوم بدون إيمانٍ، ولا يترت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خطاب “ٱلحَداثة/ٱلخَباثة” وتهافُت “ٱلمُتحادِثين”

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 3 يناير 2012 الساعة: 12:22 م

   قد لا يُدرَكُ، في بادئِ ٱلرأي، أنَّ كُلَّ "ما هو حديثٌ" لا يَتحدَّدُ ك"شيءٍ جديد" فقط بما هو "حَادِثٌ" كُتِب له أن يَقع ويَطرأ في هذا العالَم بشُروطه المُحدِّدة طبيعيًّا وٱجتماعيًّا وتاريخيًّا، بل بما هو "بِدْعٌ مُحدَثٌ" يُخالِف تمامًا ما سبقه من "حوادث" إلى الحدِّ الذي قد يبدو فيه خارِقًا. ولهذا فإنّ "ٱلحَداثةَ/ٱلجِدَّةَ" لا ترتبطُ بمجرد فِعْلِ "ٱلحُدُوث/ٱلإحداث" إمكانًا وتَحقُّقًا كما لو كان هذا يَكفي لإثبات أصالةِ وجدارةِ "ٱلحديث" بالنِّسبة إلى ما يُضادُّه ممّا يُوصَمُ عادةً ب"ٱلقديم" أو "ٱلتّقليديّ" أو "ٱلماضويّ" (وحتّى "ٱلرَّجْعيّ" أو "ٱلمُحافِظ")، وكما لو أنّ الأمرَ كلَّه قائمٌ في مدى ثُبوت "ٱلحُضور ٱلآنِيِّ" (أو، إنْ شئتَ، "ٱلحَاضِريّة" التي يُسمِّيها بعض كُتّابنا "ٱلرّاهنيّة"!).
    ويَتّضح، من ثَمّ، أنّ "ٱلحديثَ/ٱلجديدَ" لا يَتعلّق بكل "حَدثٍ" سواءٌ أكان واقعًا مُتقلِّبًا أمْ فِكْرًا مُتبدِّلًا أمْ كلامًا مُتحوِّلا. ذلك بأنّ من "ٱلحَدث" في حياةِ "ٱلإنسان/ٱلبَشر" ما هو لَصيقٌ بما يَعتريه باستمرار من حاجةٍ إمّا إلى ٱلتَّخلُّص من فَضَلات جسمه بإلقائها "خَبَثًا" يَحْدُث في اليوم مرّةً أو أكثر (خصوصا عند "ٱلأحداث" من ٱلوِلْدان وٱلصِّبْيان) وإمّا إلى مُسايَرةِ ما تُوسوِس به له نفسُه الأمّارةُ بالسوء "خُبْثًا"! فهل يَصِحّ، إذًا، أنْ يُنظَر إلى حوادثِ وأحداثِ "ٱلعصر ٱلحديث" من دون ٱستحضارِ خَبائِث النُّفوس وأخباث الأعمال كما تتجلّى أفكارًا في "ٱلحَداثة/ٱلخَباثة"؟
   يَحسُن، ٱبتداءً، ٱلِانتباهُ إلى أنّ كونَ "ٱلحَداثة" لا تَقبل واقعيًّا أن تُفصل عن "حَدَثان ٱلدَّهر" (أيْ عن مجموع "ٱلنّوائب" و"ٱلحوادث" التي تَتخلّل حياة النّاس فتجعلُها مُراوَحةً بين "ٱلجِدّة" و"ٱلقِدَم" لصُعوبة ٱلمُزايَلة بين "ٱلحاضر" و"ٱلماضي") يُوجب الوقوفَ على تجذُّرها في ٱلمَعيش ٱلبشريِّ كما تُحدِّده شروطُ الوُجود والفعل بهذا ٱلعالَم، ممّا يقتضي - في جميع الأحوال- ألا يُنظرَ إليها إلا بصفتها ٱجتهادًا بَشريًّا مشروطًا، بهذا القدر أو ذاك، في ٱلِانفكاك عن مجموع ٱلإكراهات التي تتعلّق بأحداث الحياة في تعبيرها عن الإنسان بما هو ذاتٌ فاعلةٌ - حَسَب ما يظهر- بوعيٍ نافذٍ وإرادةٍ حُرّةٍ وعزيمةٍ لا تَفتُر.
   وإنّ كونَ "ٱلحَداثة" يُراد لها أن تُحيلَ، في آن واحد، إلى كُلٍّ من "ٱلعقل" (كفكر قائمٍ على مُمارَسة المُساءَلة النّقديّة تمحيصًا وتعليلا) و"ٱلحُريّة" (كرُشْدٍ بلا وصايةٍ وٱستقلال دون تبعيّة) و"ٱلتّقدُّم" (كصَيْرورةٍ دائمةٍ من النُّمو وٱلِازدهار والتّوسُّع) يَجعلُها من المَواضيع التي تَحظى، عند أكثر النّاس، بامتياز لا يَكاد يُضاهى. وبالتّالي، لا يَعود خافيًا أنّه ليس ثمّة ما هو أهمّ وأحسن، في خضم التّنازُع حول مُختلِف ٱلِامتيازات، من أنْ يُبديَ ٱلمرءُ ٱهتمامَه بـ"ٱلحَداثة"، بل أنْ يُركِّز عليها عملَه وقولَه حتّى لا يَفُوته شيءٌ من أفضالها وخيراتها. وهذا ما يُمكن أنْ يُلاحَظ غالبًا في كُلّ ما يَميل إليه الذين يَحرِصُون على ٱدِّعاء "ٱلحَداثة" تعاقُلا و/أو تحرُّرًا و/أو تقدُّمًا.
    ومن أجل ذلك، فإنّ أخذَ "ٱلحَداثة" بدلالتها على «مجموع مَكاسب الفعل البشريِّ في هذا العصر الحاضر كإنجازٍ عقليّ مُتحرِّر ومُتقدِّم» لا يَجعلُها تُمثِّل "حُضورَ" أو "حاضريّةَ" الإنسان بما هو فاعليّة قائمة بالأساس على "ٱلعقل" و"ٱلحُريّة" و"ٱلتّقدُّم" إلا في المدى الذي يَثبُت أنّ كُلّ (أو، على الأقل، جُلّ) مَكاسب الفعل البشريّ الحديث كانت خيرَ تمثيلٍ للإنسان بصفته ذاتًا لا تَنْفكّ عن "ٱلعقل" و"ٱلحُريّة" و"ٱلتّقدُّم". وٱلحال أنّ الفكر المعاصر، منذ أكثر من قرن، لم يُمْعِنْ في نَقْضِ شيء بقدر ما أمعن في نقض "ٱلذّات" بكل صفاتِها تلك، حيث لم يَعُدْ مُمكنًا تصوُّر "ٱلحَداثة" خارج كونها ٱجتهادًا - مُحدَّدًا ومحدودًا- في إنجازِ "مشروع يُستكمَل باستمرار"، بل لقد أُعيدَتْ أكثر من مرة مُراجَعةُ مفاهيم "ٱلعقل" و"ٱلحريّة" و"ٱلتّقدُّم" بما يَنأى بها عن أساطير "ٱلتّنويريِّين" في تفاؤُلهم ٱلسّاذج ويُحيطها بكثير من الحذر والتّواضُع. ولذا، فكل إصرار على رَبط "ٱلحداثة" بفُتوحاتِ عقلٍ مُتحرِّرٍ أصلا ومُتقدِّم دَوْمًا ليس سوى تضليلٍ يَأبى إلا أنْ يَتعاطى "ٱلحَداثة" تَكالُبًا وتَواقُحًا بالشكل الذي يَستنزل مَطلَبَ "ٱلِاجتهاد" إلى دَرَكاتِ "ٱلخَباثة" فلا يَعودُ إلا تَعالُمًا بلا تحقيق و/أو تَحادُثًا بلا تجديد!
     حقًّا، ما أكثر وأعظم مُنجزَات "ٱلعصر ٱلحديث" التي تُعدّ - على مُستوى تجليّات "ٱلعقل" و"ٱلحريّة" و"ٱلتّقدُّم"- بُنْيانًا يَعِزُّ نظيرُه في كل عصور الماضي. غير أنّ الأمر لا يَستقيم، بهذا الصدد، إلا باستحضار جُملةِ الإخفاقات والمَفاسد التي تُلازِم جوهريًّا تلك المُنجزات ويَصعُب فعليًّا إدراجُها في خانةِ الآثار العَرَضيّة أو ٱلتّبِعات الهامشيّة. وحَسْبُ المرء، هنا، أنْ يَذكُر أنّ الوُجودَ والفعلَ الإنسانيِّين لا يَصِحُّ ٱختزالُهما في حَداثةٍ لا تُفعِّل "ٱلعقل" إلا تألُّهًا مُتنزِّلا أو تَعالِيًا وَسيليًّا، ولا ترى في "ٱلحُريّة" إلا تَسيُّبًا إباحيًّا أو تَوحُّدًا فَرْدانيًّا، ولا تَتصوّر "ٱلتّقدُّم" إلا إنتاجيّةً ٱستغلاليّةً أو نُموًّا ٱستهلاكيًّا. وإلا، فإنّ مَآل "ٱلحَداثة" بعد قرون من التوسُّع الهيمنيِّ وٱلِاستغلاليِّ إلى "ٱلعولمة" في ٱتِّجاه "ٱلتّنميط ٱلأُحاديّ" المُشتغل بآليّة "ٱلفوضى الخلاقة" لا يُعبِّر عن "ٱلوضع ٱلبشريّ ٱلحديث" إلا بما هو إحدى بقايا "ٱلماضي" المُنفلتة من إِسار "ٱلتّنوير" عقلا تشارُكيًّا و"ٱلتّحرير" تقدُّمًا تضامُنيًّا!
    وأكثر من ذلك، نجد أنّ "ٱلحَداثةَ" - بمُقتضى أنّ كل النّاس الموجودين خلال فترةٍ ما يَطمحون إلى أنْ يَعيشوا وُجودَهم في حداثته (أو كحداثةٍ)- ما فتئت تُعرَض (وتُفرَض) في الغالِب بصفتها مُتعارِضةً مع "ٱلماضي"، ليس "ٱلماضي" فقط في دلالته على «مجموع مَكاسب الفعل البشريّ بما هي مُنجزَات تُعبِّر عمّا كان وٱنقضى»، وإنّما أيضا ذاك "ٱلماضي" في دلالته على «رُسوخ ٱلتّقليد وفُشوِّ ٱلِاتِّباع». ولهذا، فإنّ تصوُّر "ٱلحَداثةَ" بما هي "ٱلجِدّة" كما تتمثّل في "ٱلمُحدَثات/ٱلمُستجدّات" التي تختلف - بهذا القدر أو ذاك- عن "ٱلمَورُوثات ٱلقديمة" يَمنع من إدراكِ أنّ كلّ ٱلنّاس في فترة ما لا يَشتركون في هذه "ٱلحَداثة" بنفس الكيفيّة والقَدْر. ذلك أنّ "ٱلأحداث/ٱلصِّغار" لا يَخلُفون فقط "ٱلقُدامى/ٱلكبار" أو يَختلفون بما هم "أخْلاف/لاحقون" عن "ٱلأسلاف/ٱلسّابقين"، بل أيضا يَختلفون فيما بينهم على النّحو الذي يُؤكِّد تنازُعَهم وتفاوُتَهم في إنجاز حداثتهم بما يُوجب تَبيُّن أن "ٱلحَداثةَ" لا تنفكّ مُطلقًا عن "ٱلتّعدُّد" و"ٱلتّناقُض" و"ٱلتّفاوُت".
     فالنّظر، إذًا، إلى "ٱلحَداثة" بصفتها مُناهَضةً للموقف القائم على "حِفْظ ٱلماضي" (كتقليد مُتّبَع أو تقاليد مَرْعيّة) يُقيمها في صورة مُلاحَقةٍ ل"ٱلحديث/ٱلجديد". لكنّ ما ينبغي ٱلِانتباه إليه هو أنّه ليس كل جديد مُفيدًا، ولا كل قديم خِلْوًا من الفائدة، وإنّما المُعتبَر دائما أنّ "ٱلقِيَم ٱلنّافعة" - بما هي ضالّة العاقل- ليست حِكْرًا لفترةٍ تاريخيّة أو فئة بشريّة بعينها سواء أكانت مَاضيةً أمْ حاضرةً. وإذا كان ليس من الصعب قَبُول أنّ الماضي لا يخلو البتّة من "ٱلقيم" التي تقبل أنْ تُستحضر، فإنّ ما قد يَصعُب قَبُوله أنّ ذلك الأمر يَقتضي تأكيد أنّه، من جهة، لا "حديثَ/جديدَ" من دون قديم يُوجد كأصلٍ أو سبَبٍ له و، من جهة ثانية، لا "حديثَ/جديدَ" إلا ويصير قديمًا. ومن هنا، فإنّ "ٱلحَداثة" أبعد من أن تكون بلا "أُصول" مُؤسِّسة سواءٌ أَنُظر إليها كأسباب أمْ كقِيَم أمْ كشُروط.
    وإذا كان من الشّائع أنْ تُحدَّد "ٱلحَداثة" بما هي "إِحداثٌ"، فإنّ ما يَغيب (أو يُغيَّب) مع ذلك هو أنّ شُروط "ٱلوضع ٱلبشريّ" في ضرورتها وتداخُلها تجعل فاعليّةَ الإنسان غير مُمكنةٍ إلا بالنِّسبة إلى ٱلتّأسيس ٱلِاجتماعيّ وٱ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أُصول “التّطرُّف المُتعالِم” وفُصول “التّخشُّب المُتحادِث”

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 19 ديسمبر 2011 الساعة: 12:16 م

 

    قد يَجِدُ الوَلِعُون بالتّبسيط، في ما أورده الأُستاذ "محمد العُمري" بمقاله "الأُصوليّة المتطرفة بالخُشَيبات"، فصلَ المقال بخصوص ما يُسمّى "ٱلأُصوليّة" من حيث إنّه مقالٌ حَرَص صاحبُه - من مُنطلَق ما سمّاه "الاجتهاد في مُلاءَمة المصطلحات مع مُعطيَات البيئة حيث تُوظَّف"- على تحديد "ٱلأُصوليّة" بصفتها «الدّعوة إلى العودة إلى الأُصول وتحكيمها في صياغة الواقع الراهن والتخطيط للمستقبل المرتقب، درجات من التحكيم ؛ تصلُ عند المتطرفين إلى حدّ التحكُّم.» و، من ثَمّ، على تمييز ثلاثة منها (أُصوليّة دينيّة، أُصوليّة عرقيّة، أُصوليّة ٱجتماعيّة-ريعيّة) تُعدّ مُستكرَهةً ومُستهجَنةً إلى أبعد حدٍّ وبلا مُشاحّة.
    لكنْ يبقى أنّ أيَّ قراءة مُتمعِّنة في خطاب الأستاذ "العُمري" من شأنها أن تكشفَ أنّ الأمر لا يعدو أن يكون ضربًا من التّبسيط الذي يبدو أنّه، رغم كونه أراد أن يقول كل شيء عن "ٱلأُصوليّة، يَمِيلُ إلى إخفاء نوع أشدّ من "ٱلأُصوليّة" قد يُسمّى - إذا قَبِلنا هذا المُصطلَح- ب"ٱلأُصوليّة ٱلحَداثيّة"، وإلا فيَحسُن أن يُسمّى بما يُحقِّق تعيينَه، أيْ بما هو ضربٌ من "ٱلتّطرُّف ٱلمُتعالِم" (خصوصا أنّ الأستاذ "العمري" قد حَسم في ضرورة كَسْرِ عين "عِلْمانيّة" كأنّه يُسلِّم تسليمًا بأنّ المُراد من المصطلح المنقول إنّما هو تأكيد التّعارُض بين "ٱلعِلْم" و"ٱلدِّين"، بل تَنافِيهما وسُمّو الأول على الثاني!). وبالتالي، يُمكن أنْ يُحدَّد هذا "ٱلتّطرُّف ٱلمُتعالِم" بصفته «ٱدِّعاء ٱستحالة العودة إلى أُصولٍ مُعيّنة يُمكن تحكيمُها في صياغة الواقع الراهن والتخطيط للمستقبل المُرتقَب.»، وهو التّطرُّف الذي لا يَملِكُ إلا أنْ يَفضحَ تَخشُّبًا فكريًّا لدى كثير من أدعياء "ٱلحداثة" بيننا (أيْ من "ٱلمُتحادِثين") لإطباقهم على الظنّ بأنّ "ٱلعِلْمَ" (المعاصر بالخصوص) يقوم كصيرورة ٱنقطاعيّة يُطرَّح فيها ٱطِّراحًا كل "أصلٍ سابق" على النّحو الذي يجعل "ٱلمعرفة ٱلعلميّة" تتحدّد كتعبير عن "ٱلحداثة" بما هي "أصالةٌ" قائمةٌ بنفسها وليس أبدًا بالنِّسبة إلى "أُصول ٱلماضي" ؛ إنّها، إذًا، إبداعٌ مُستقلٌّ لا يَفتأ يُنْشِئ أُصولَه إنشاءً ويَبني ٱمتيازه كأمرٍ واقع يجب أخذُه بصفة "ٱلكُلّيّ" الذي يفرض نفسه ولا يَقبل إلا الإذعان وٱلِامتثال!
    ولعّل مُنطلَق الإشكال يَكمُن في الحرص على ٱلِاستسهال في مَقامٍ لا يُجدي فيه إلا بالغ ٱلِاجتهاد لإقامة البيان تفكيرًا وتعبيرًا. ذلك بأنّ ٱلِاستسلام للَفظ "أُصوليّ/أُصوليّة" في ترجمة ٱللّفظ الأجنبيّ « fundamentalism/fondamentalisme » لا مُبرِّر له، في هذا المجال، سوى طلب السهل من ٱلذّرائع وٱلأَدلّة. يَظهر هذا، أولا، في الغَفْلة عن سرّ الجَمْع في اللّفظ العربيّ ("أُصول" بدلا من "أَصْل" أو "أُصوليّ" بدلا من "أَصْلِيّ"، تمامًا بخلاف المُقابِل الأجنبيّ!) ؛ و، ثانيا، في خَرْق مُشترَكٍ تداوُليٍّ يَقْضي بأنّ صفةَ "أُصوليّ/أُصوليّة" في العربيّة تَنْسُب الموصوفَ إلى "علم أُصول ٱلفقه" أو إلى "علم أُصول ٱلدّين" ؛ و، ثالثا، في أنّ قَبُولَه لم يَمنع من إسناده بصفةِ "مُتطرِّفة" (كما في عنوان المقال المعنيّ: "أُصوليّة متطرفة"!).
    وإذا أُخذ ذلك كلُّه بالحُسبان، فإنّ ترجمةَ المصطلح الأجنبي لا يُمكن أن تتمّ إلا باستحضار ألفاظٍ مُتداوَلة لدينا مثل "سَلَفيّ/سَلفيّة" أو "تطرُّف" أو "تعصُّب"، وأيضا باعتبار أنّ ما يَنقُله اللفظ الأجنبي « fundamentalism/fondamentalisme » ليس سوى تخصيص للَّفظ الآخر « extremism/extrémisme » حينما يُراد تعيين "ٱلتّطرف ٱلدينيّ" الذي تَخصُّه الفرنسيّة بلفظِ « intégrisme » والذي هو عين ما يَدُلّ عليه لفظ "ٱلسَّلَفيّة" بما هي "تشدُّدٌ" و"غُلُوّ"، مِمّا يُوجب نقل المعنى ب"ٱلتّطرُّف ٱلدينيّ" أو "ٱلتّطرُّف ٱلإسلاميّ" تمييزًا له عن أنواع التّطرُّف الأخرى (التطرُّف العرقيّ أو القوميّ، التّطرُّف السياسيّ، التّطرّف الثقافيّ، إلخ). وإلا، فإنّ أيَّ ترجمة حقيقيّة تُعدّ غير مُمكنة إلا من خلال العمل على صبِّ المعنى ٱلِاصطلاحيّ للَّفظ الأجنبيّ (بمعنى «ٱلنّزعة ٱلحَرْفيّة في تصوُّر "ٱلأُصول/ٱلمصادر ٱلدينيّة" والعمل بها») في صيغةٍ صرفيّة تَكفُل تقريبَ المعنى من دون كثيرِ تحريفٍ أو بالِغ تَلْبيس. وبهذا الخصوص، فإنّه لا مناص من ٱلِاكتفاء بعبارةٍ شارِحةٍ مثل "ٱلتّطرُّف ٱلدينيّ" (كتقليد حَرْفيّ) أو تطويع النّقل ٱلاستعاريّ كما في "سَلَفيّ/سَلَفيّة" (خصوصا أنّ المعنى الأجنبيّ يَدُلّ على «ٱلمُمارَسة التي تَتّبع بدّقةٍ القواعدَ والتّعاليمَ الأساسيّة في أيِّ دين») أو ٱلِانتقال إلى نَحْتِ لفظٍ جديدٍ كما في "أَصْلانيّ/أَصْلانيّة" بمعنى «ٱدِّعاء إمكان حفظ "ٱلأصل" في كماله وصفائه والرُّجوع إليه بما هو كذلك».
    وهكذا، فإنّ كونَ الأمر يَتعلّق بإرادةِ تعيين وتمحيص "حركاتٍ" أو "نزعاتٍ" يَدّعي أصحابُها أنّ "ٱلدِّين" لا يُؤخذ إلا بما هو "أَصلٌ" أو "أُصول" كما أخذه "ٱلسّلَف ٱلصالِح" يَقتضي الحديث عن "ٱلسَّلَفيّة" بما هي "تطرُّف" في تصوُّر شيء ما والعمل به، بحيث يَصِحّ الحديث عن "سَلَفيّة دينيّة" و"سلفيّة أدبيّة" و"سلفيّة فلسفيّة" و"سلفيّة سياسيّة" و"سلفيّة علميّة" أو عن "ٱلسَّلفيّة ٱلإسلاميّة" في مُقابل غيرها من السلفيّات (مسيحيّة، يهوديّة، بوذيّة، إلخ.). وقد يجوز القياس على لفظ "ٱلتّطرُّف" نفسه وتخريج لفظ "ٱلسلفيّة" على صورته الصرفيّة فيُقال "تسلُّف".
    ولا يخفى أنّ أنواعَ "ٱلتّطرُّف" المقصودة بواسطة مُصطلح "سَلَفيّة" تتحدّد، أساسًا، بكونها تَقُوم على "ٱلتّقليد" و"ٱلمُحافَظة" في مقابل "ٱلِاجتهاد" و"ٱلتّجديد". وإذا كان نُقّاد "ٱلسّلفيّة ٱلدِّينيّة" يَحرِصُون على الظهور ك"حَداثيِّين"، فإنّ كونَهم لا يَستطيعون في الغالب أنْ يُبرهنوا - بمقتضى إعمال مبادئ "ٱلِاجتهاد" و"ٱلتّجديد"- على ٱنقطاعهم الفعليّ عن "أُصول ٱلحداثة" لدى غيرهم يَجعلُهم لا فقط "مُتحادِثين" يَدّعون "ٱلحداثة" بالتّمنّي وٱلتّشهّي، بل يَضعُهم أيضا بين زُمَر "ٱلمُقلِّدين" و"ٱلمُتسلِّفين" من الذين يَتفانون في ترديد شعارات لم يَخترعوها وفي تطبيق مَأثُورات يَكتفون بالنّسج على منوالها من دون ٱلِاقتدار على تجاوُزها ومُضاهاتها بما يُخالِفها.
   ومن ثَمّ، فإنّ تمييزَ "ٱلتّطرف" و"ٱلتّسلُّف" عمّا سواهما لا يَستقيم إلا بتحديد معايير مُحدّدة تُتيح "ٱلحُكْم" و"ٱلفَصْل"، ممّا يجعل الرُّكون إلى لفظ "أُصوليّة" يقود إلى أمرين مردودين كليهما: كون "ٱلسّلفيّة" مجرّد حِفْظ ل"ٱلأَصْل الكامل والخالِص" ؛ وكون غيرها يقوم كاطِّراح تامٍّ ومُراجَعة لكل "أصل سابق". وما يجعل هذين الأمرين مردودين إنّما هو ٱمتناع الحِفْظ بمعنى «ٱلت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ثُمّ أُتِيَ به ليكون حزبًا مُنظِّفًا!

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 29 نوفمبر 2011 الساعة: 12:27 م

    أيُّ قراءة جادّة للانتخابات الأخيرة بالمغرب مُطالَبةٌ باطِّراح موقفين: موقف من يَبتهج لها تواطُؤًا أو ٱنتهازًا، وموقف من يَتعاطى الهجاءَ المُتسايِس أو المُتخالِق. ذلك بأنّ الموقفَ الأوّل لا يعدو أن يكونَ ٱستسهالا يَأتيه من صار لا يَملِك إلا أن يُصدِّق ما يُقال له على كل حال ؛ في حين أنّ الموقف الآخر يُعدّ موقفَ من يميل إلى أن يُصدِّق نفسه تَكاسُلا. وبعيدًا عن كلا الموقفين، ينبغي النّظر في هذه ٱلِانتخابات التّشريعيّة إعمالا للمُساءَلة النقديّة.
    يَجدُر، ٱبتداءً، ٱلِانتباه إلى أمرين: أوّلهما أنّ هذه ٱلِانتخابات إنّما هي مفعولٌ يَدِينُ بالكثير لمدِّ "ٱلرّبيع ٱلعربيّ" الذي مكّن من إسقاط بعض أنظمة "ٱلِاستبداد" و"ٱلفساد" بالبلاد العربيّة والذي جعل حركة "20 فبراير" بالمغرب تنخرط في "حَراكٍ شعبيّ" مُطالِبٍ ب"ٱلحريّة" و"ٱلكرامة" و"ٱلعدالة" ؛ وثانيهما أنّ الرهانَ الأساسيَّ لإجرائها كان "نسبةَ المُشارَكة" إلى الحدّ الذي جعل "ٱلنّظامَ" بأجهزته و"ٱلأحزابَ" بمُرشَّحيها يَحرِصون على حثِّ النّاخبين للتوجُّه نحو صناديق ٱلِاقتراع كيفما ٱتّفق، باعتبار أنّ زيادة "نسبة المُشارَكة" ذريعةٌ لانتزاع المشروعيّة من "20 فبراير" (وكل القُوى المنضوية في إطارها).
    لكنْ يبدو أنّ الذين أَخرجوا حيلةَ "تعديل الدّستور" ٱستفتاءً هُم أنفسهم الذين أرادوا مُواصلةَ ٱلِاحتيال بإخراج "ٱنتخابات تشريعيّةٍ" خِدْمةً لاستمرار "ٱلنِّظام". وبهذا الصدد، يجب تأكيد أنّ الأمر لا يَتعلّق - في نهاية المطاف- إلا بمُناوَرتين مفضوحتين الغرض منهما الحدّ من آثار "ٱلحَراك ٱلشعبيّ" المرتبط ب"20 فبراير" و، من ثَمّ، الالتفاف على مَطالِبه المُتمثِّلة أساسًا في إرساء آليّات ٱنتقالٍ دِمُقراطيّ حقيقيّ بدءًا بإعداد دُستور يُعبِّر عن "سيادة الأمة" الكاملة وٱنتهاءً بإجراء ٱنتخابات سليمة ونزيهة تُفرِز من يُمثِّل المُواطنين تمثيلا يكون موضوعا للمُراقَبة المدنيّة والمُحاسَبة القانونيّة.
    وهكذا، حينما نأتي إلى فوز "ٱلعدالة وٱلتنمية" أخيرًا بنحو رُبع مقاعد "مجلس النُّواب" (107 من أصل 395 مقعدا)، فإنّه لا يُمثِّل في العمق سوى فوزٍ "مَصنوعٍ" و"مُصطنَعٍ": أولا، لأنّه خُطِّط له لكي يُغطيَ عُيوبَ وفضائح "النّظام" ؛ وثانيا، لأنّه يُخفِي أنّ نسبةَ المُشارَكة لم تكن فقط ضعيفة (45٪ ليست هي نفسها 72٪ كما في استفتاء الدستور!)، بل إنّها ليست تمثيليّةً على الإطلاق، اللهم إلا بمُحاوَلة إنكار البداهة الصارخة (55٪ أكبر من 45٪ بعشر نقط!)، وبالخصوص إذا أُضيفت إليها نسبة الأصوات المُلغاة (نحو 20٪) وأكثر من سبعة ملايين لغير المُسجَّلين في اللاوائح! وحتّى لو صدّقنا الأمر برُمّته (وهذا، طبعا، بإغفال كل المسكوت عنه رسميًّا بخصوص مُختلِف الخُروقات والمُخالفات!)، فإنّ حصةَ هذا الحزب لا تُعطيه من المشروعيّة إلا بقدر ما تُمثِّل كحِصّة بالنِّسبة إلى "الكُتلة الناخِبة الأصليّة"، وباعتبار وُجود أطراف مُعارِضة دَعت فعلا إلى المُقاطعة. وفضلا عن ذلك، فإنّ "ٱلعدالة وٱلتنمية" بهذه الحصّة إنّما ٱستردّت في الواقع ما مُنِعت منه سابقا (في 1997 ٱكتفت بتسعة مقاعد، وفي 2002 أُعطيت 42 مقعدا، وفي 2007 حصلت على 47 مقعدا)!
    ولهذا كلّه، فليس من التّبصُّر في شيء أنْ يُسوَّقَ فوزُ "ٱلعدالة وٱلتنمية" كما لو كان نُقلةً نوعيّةً في "الِانتقال الدِّمُقراطيّ" المطلوب. وإلّا، فكَمْ يُمثِّل حقيقةً هذا الحزب من أصوات "الشعب المغربيّ"، إذا كانت الانتخاباتُ كلُّها لم يُشاركْ فيها سوى رُبع "الكُتلة النّاخبة"؟ أليس الأمر تلاعُبًا يَمسّ جوهر المُمارَسة الدِّمُقراطيّة التي ليس في صالح "ٱلنّظام" وأحزابه الدّخول الجادّ فيها، على الأقل ح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نظام “الشّر العبثيّ” وٱنفضاح علاقات “المُماتَعة”!

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 23 نوفمبر 2011 الساعة: 11:48 ص

« له لسانُ مُدَّعٍ،
يَصولُ في شوارعِ الشَّامِ كسيفِ عنترهْ
يكادُ يلتَّفُ على الجولانِ والقنيطرهْ
مُقاومٌ لم يرفعِ السِّلاحَ
لَمْ يُرسلْ إلى جولانهِ دبّابةً أو طائرهْ
لم يُطلقِ النّار على العدوِّ،
لكنْ حينما تكلَّمَ الشّعبُ
صحا من نومهِ
وصاحَ في رجاله:
مُؤامَرهْ!
مُؤامَرهْ!
وأعلنَ الحربَ على الشَّعبِ
وكانَ ردُّهُ على الكلامِ
مَجزرهْ!» (أحمد مطر، "مُقاوم بالثرثرة… مُمانع بالثرثرة")

   حقيقة "النّظام الحاكم" بسوريا لا يَجهلُها أو يَتجاهلُها إلا من سَفِه نفسَه أو فَقَد عقلَه أو كان ممّن يَعبُد هواه. وكل من كانت هذه حالَه، فإنّه لا يُبالي بأن يكون ممّن تأخُذه العزّة بالإثم دفاعًا عن نظام ليس في كِفّتي ميزانه سوى أكوام من أعمال "التّقتيل" و"التّعذيب" و"التّنكيل" و"التّحقير" و"التّهجير" على ٱمتداد أربعين سنة من "التّحكُّم الطُّغيانيّ" بزعامةٍ "عَلويّة-نُصيريّة" فاسدة ومُفسدة.
   إنّ الأمرَ يَتعلّق، في الواقع، بنظام يرفع شعارات "البعث الِاشتراكيّ" و"الوحدة القوميّة" و"مُقاوَمة الِاحتلال" ويعمل فعليًّا بأضدادها "عبثًا ٱستفراديّا" و"تفريقًا طائفيّا" و"مُهادَنةً للاحتلال" على النّحو الذي يَجعلُه نظامًا مُوغِلا في "الجبروت الِاستبداديّ" و"التّسلُّط الإفساديّ" بالقدر نفسه الذي يتعاطى "التّضليل" و"التّعتيم" و"التّزييف".
   وممّا يُؤكّد أنّ "النّظام السوريّ" ليس سوى نظام من "الشّر العبثيّ" كونُه بادر، منذ ٱندلاع "الثورة الشعبيّة"، إلى التّلويح باتِّهامات مُلفّقة تُلقِي باللائمة على "خوارجَ مُسلَّحين ومُنْدسِّين" وعلى "عُملاء لدُول ٱلِاستكبار الغربيّ" كلهم غير مرئيين وغير معروفين إلا لديه وحده. ولأنّه لم يُصدِّق قيام "الشعب السوريّ" ضدّه، فقد ٱستنفر جُيوشه زحفًا على الناس والمدن وأرسل ألسنته أقاويلَ عن مُؤامَرةٍ مُزدوجةٍ تُفصِّلها الدول الغربيّة الراعية لإسرائيل، وتَخِيطها "دُول ٱلِاعتدال العربيّ" المُصطفّة معها خُنوعًا وٱرتزاقًا.
   وعلى كل حال، فإنّ نظامَ "الشر العبثيّ" بسوريا لا يَملك من الشرعيّة أكثر من أيِّ نظام عربيّ آخر. فهو "جُمْهَلكيّةٌ" سُوِّيتْ في آخر لحظة بعد هلاك "حافظ الأسد" (2000) الذي ٱستمر الرئيس الأوحد ل"سُوريا" طوال ثلاثة عقود (1971-2000). وبهذا الخصوص، فإنّ ٱبنَه "بشّار" الذي أُتِي به مُنقذًا قد أكمل دورتين رئاسيتين بلا ٱنتخاب، ممّا يُفقده أيّ مصداقيّة وهو الذي يطمع أن يبقى رئيسًا لدولةٍ نظامُ الحكم فيها جُمهوريّ رئاسيّ!
   وإذا ثَبَت أنّ "النّظام الحاكم" بسوريا لا يَفضُل - من تلك النّاحية- غيرَه من الأنظمة بباقي الدُّول العربيّة، فإنّ مشروعيّةَ الثورة السوريّة لا يُمكن أنْ يُماريَ فيها إلا من عَمِيَ قلبُه طمعًا أو رَهبًا. ذلك بأنّ تقديمَ "النّظام السوريّ" كما لو كان يُمثِّل "ٱلمُمانَعة" و"قلبَ ٱلعُروبة" ٱدِّعاءٌ لا يَصمُد هُنيهةً أمام مَطالب "الحرية" و"الكرامة" و"العدالة" التي خرج يَنشُدها ويُنْشِدُها الشعب السوريّ، على الأقل في جزء منه كما ٱعترف النِّظام نفسُه مُكرَهًا وراغِمًا!
   إنّ نظام "الشر العبثيّ" بسُوريا قد ظلّ، منذ حرب أكتوبر 1973، يَعيش في "مُماتَعةٍ" ("مُتعة مُشترَكة" أو "ٱشتراك في المُتعة"!) مع دُويلة الصهاينة. وبالتالي، فإنّ ٱحتجاجَه برعاية المُقاومة ضدّ "ٱلِاحتلال الإسرائيليّ" وتعزيزَ الصمود في وجه مُؤامرات "ٱلِاستكبار العالميّ" حول "الشرق الأوسط" (كقلب للعالم العربيّ/الإسلاميّ) ليس سوى مُخادَعة تضليليّة لا تكاد تختلف عن تلك التي لَعبتْ وتلاعبت بها أنظمةُ ٱلِاستبداد العربيّة منذ 1948 بخصوص "فلسطين" كقضيّة مركزيّة تَغيبُ (وتُغيَّب) معها كل القضايا الأُخرى، ممّا أدّى إلى شرعنة أنظمة جُمْهلكيّة تُديم الاستبداد ٱستعبادًا وتتعاطى الحُكم إفسادًا.
   وأكثر من ذلك، فإنّ كونَ نظام "الشر العبثيّ" قد عُرِف كنِظام تسلُّطيّ مُتمرِّس بالقمع والِاضطهاد لَهُو أمرٌ لا يترك له أيّ مصداقيّة في ٱدِّعاء أنّه إنّما يُواجِه عصابات سلفيّة مُسلّحة، ولا سيّما أنّ كل الأنظمة العربيّة التي أُسقطت قبله قد سبقته إلى نفس ٱلِادِّعاء! بل كيف يُعقَل ألّا تَظهر تلك العصابات بسوريا إلا حينما خرج الشعب إلى الشارع في مُظاهَراتٍ تُطالِب برفع ليل الظُّلْم وقَطْع حِبال الفساد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“ٱلحداثة” موضوعًا للمُساءَلة من قِبل “ٱلإسلام”!

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 18 أكتوبر 2011 الساعة: 12:37 م

 

    من المعروف أنَّ المُسلِمَ يَبتدئ أفعالَه بالبسملة («بـﭑسم ٱللّـه، ٱلرَّحمان ٱلرَّحيم») في الوقت نفسه الذي يبدأ آخرُون - من غير المُسلِمين أو من المُسلمين الغافِلين- كُلَّ ما يَأْتُونَه من أفعالٍ بِذِكْرِ أسمائهم أو تأكيد أَنَاهُم كأنّ نِسبةَ الأفعال إلى مُكتسبِها يُعبِّر حقيقةً عن جَريانها السببيّ على يَدَيْه و"بـﭑسمه" وليس مجرد عادةٍ يَكفُر النّاسُ بواسطتها فضلَ مُنْطِقهم الذي جعل "ٱللُّغةَ" تَسْتَعْمِلُهم من حيث إنَّهم يَظنُّون أنَّهم لها فاعِلُون!
    من هنا تَبْدأُ مُساءَلةُ "ٱلإسلام" ل"ٱلحداثة". فأنتَ الذي تَجِدُ نفسَك كما لو كُنتَ "ٱلفاعلَ ٱلحقيقيَّ" لِكُلّ ما يَصدُر عنك، إنَّك ما إِنْ تُحقِّقْ في أمر "ذاتِك" بالنِّسبة إلى شُروط ٱلوجود وٱلفعل في هذا ٱلعالَم حتى تَقِفَ على أُمِّ نقائصك: ما أنتَ سوى ٱلتّجلِّي الظاهر ل"بِنيَةٍ فاعِلةٍ" تُحدَّدُ، بواسطة "ٱلعِلْم"، في ما يُسَمَّى تارةً «نسق ٱلتّفاعُلات بين ٱلقُوى ٱلكُبرى وٱلصغرى في ٱلكون» (أو "نِظام ٱلعالَم") ؛ وتارةً أخرى في "ٱلبنيات ٱلتّاريخيّة وٱلِاجتماعيّة" (أو، بإيجاز، في "ٱلمُجتمع" و"ٱلتّاريخ")! تُرَى، ما "نِظام ٱلكون" وما "نظام ٱلمُجتمع/ٱلتّاريخ" الذي بِﭑسم أحدهما أو بـﭑسمهما كِلَيْهما تَفعلُ وتَتحدَّث طَوْعًا أو كَرْهًا؟
    يَهْدِينا "ٱلعِلْمُ ٱلحديث" (بل "ٱلعلم ٱلحَدَاثِيّ" في ظنِّ بعضهم) إلى أنّ الأمر يَتعلّق ب«نَسَقٍ من ٱلبِنْيات غير ٱلواعية ٱلمُحَدِّدة لإمكان ٱلفعل ٱلإنسانيّ في هذا ٱلعالَم كجُملةٍ من ٱلعَلاقات المَشروطة». فبِﭑسْمِ هذه "ٱلبِنْيات" لا تَفْتأُ تَفعلُ وتتكلّمُ أنت الذي تُنْكِرُ على المُسْلِم تَسليمَه ﭐبتداءً بأن كُلَّ ما كان ويكون في هذا العالَم إنّما هو «بِﭑسْمِ ٱلكائنِ ٱلأَكْمَلِ ٱلمُتَعالِي»، أيْ « بِﭑسم ٱللّهِ الذي لا إلَاهَ إِلَّا هُو»، وليس « بِﭑسْمِ نَسقٍ من ٱلبنيات غير ٱلواعية ٱلتي تُمَكِّنُكَ - هكذا!- من ٱلفعل في هذا ٱلعالَم» ؛ إِلَّا أَنْ يكونَ هذا هو "ٱلاسم ٱلآخر" الذي يَرتضيه "ٱلعِلمُ" للتّعبير عن "ٱللّه" عز وجَلَّ! فَأَيُّ "عقل" أو "تعقيل" يَستطيعُ أنْ يُقِيمَ المُفاضلَة الحَداثِيّةَ بين إيمانٍ بـ«كائنٍ مُطلَقِ ٱلوُجود وٱلقُدرة وٱلإرادة وٱلعلم» وإيمان بـ«بِنَاءٍ فِكْرِيٍّ يَجعلُ كل ٱلفعل في هذا العالَم مَعْلُولاً لعَلاقاتٍ غير واعية وغير مُتَعَيِّنة»؟! وكيف يجب، على مُستوى "ٱلحداثة"، أنْ تُضْمَنَ المَعْقُوليّةُ فقط لهذا ٱلإيمانِ ٱلأخير؟!
    إنّ الذي يَغِيب عن إدراك كثيرين أو يُتجاهَلُ عَمْدًا إنّما هو الأصلُ ٱلإيمانيُّ في كل ما يُنْسَب من تَفَرُّدٍ وسُمُوٍّ إلى "ٱلحداثة". فأهَمُّ ما يُقَوِّمُ "ٱلحداثةَ" يَتمثل في أنَّ "ٱلعَقْل"، كَكُلِّيٍّ بشريٍّ، حَقُّهُ أَنْ "يُفَعَّلَ" وَ"يُحَكَّمَ". فهل يُقْبَلُ "ٱلعقل" من لدن الإنسان الحَدَاثي من دُونِ إيمان؟ كيف يُمْكِنُك أنْ تُصَدِّقَ "ٱلحداثةَ" (وقِوَامها "ٱلعقل") من دون أنْ "تُؤْمِنَ" (ولو بِإِيمانٍ خَفِيٍّ في نفسك يَستعصي ظهورُه وإظهارُه على وعيك نفسه) بـ"قيمة ٱلعقل" في ذاته؟ فإِنْ أنتَ آمَنْتَ أو كُنْتَ مُؤمنًا بـ"ٱلعقل"، ماذا يُضِيرُك أنْ تَتَفَكَّر في وضعِ غَيْرك مِمَّنْ يُصَرِّحُ بإيمانه بأصلٍ آخرَ يَرى فيه الكِفايةَ في تأسيس كل ما هو ذُو قيمةٍ في عالَم البشر؟
     ومن ثَمّ، فإنَّ إيمانَ المُسْلِم باللَّه لا يُمكنُ أنْ يَجعلَه "غَيْرَ حَدَاثِيٍّ" أو مُعارِضًا ل"ٱلحداثة" كما يَتوهَّم كثيرٌ من "ٱلمُتحادِثِين" الذين يَبْدُون مُتَحَفِّزِينَ لِمُساءَلةِ ﭐعتقاداتِ غَيْرِهم ويُعْرِضُون عن التّساؤُل عن أساس ﭐعتقاداتِهم نفسِها! وإِلا، فإنَّ ٱعتمادَ الحداثيِّ على "ٱلعقل" يَجعلُه "مُؤمنًا بأصلٍ" تمامًا كما يُؤمِن المُسلمُ بأصل، وبالتّالي فهو "قَدَامِيٌّ" و"مَاضَوِيٌّ" على النّحو نفسه الذي يُعدّ به المُسْلِم "قَدَامِيًّا" و"ماضويًّا" في نظر أدعياء "ٱلحداثة"!
     وبهذا تَعْلَمُ أنّ مُنَاهَضةَ "ٱلأصل ٱلإيمانيّ" في ذاته لا يُعْطِي "ٱلحداثةَ" أيَّ ﭐمتيازٍ في مُساءَلتها إيمانَ المُسلم بِرَبِّه أصلا لكل ما سواه، بل بالعكس إنّ ٱلِامتيازَ كُلَّه حاصِلٌ للمُسلم في مُساءَلَتِهِ "ٱلحداثةَ" فيما تُخْفِي كَوْنَهُ أَصْلًا إيمانيًّا وتَبْنِي عليه، رغم ذلك، أفضليتَها تُجاه "ٱلإسلام"!
    ذلك بأنَّ "ٱلإيمانَ ٱلحَدَاثِيَّ" ب"ٱلعقل" يَحتاجُ أكثر من الإيمان الإسلاميّ باللَّه إلى الأصل المُقَوِّم، إذْ كيف تَستطيع أنْ تكتفي بالإيمان ب"ٱلعقل" أصلًا في التّوجيه إلى العمل من دون الإيمان بﭑلصَّلاح الكُلِّيِّ للأمر أو ٱلإلزام العقلي؟ وهل يُمكنُكَ أنْ تُؤمن بإِمكانِ الأمر العقليّ من دون أنْ تُقِرَّ، في الوقت نفسه، بالأصل الدّينيّ لِمِثْل هذا الإيمان؟! ومَتَى كان يُقْبَلُ الأمْرُ أو الإلزامُ من دون قَبُول معنى "ٱلخُلُق" أو "ٱلدِّين" كأصلٍ للإلزام، أصل مُتَجَذِّرٍ ﭐجتماعيًّا وتداوُلِيًّا؟! إنّك لَتَرَى، شيئًا فشيئًا، أنَّ المُساءَلة فِعْلٌ يَحِقُّ بِكُلِّ جدارةٍ للمُسلِم أنْ يُمَارِسَهُ على "ٱلحداثةِ"، فلا يبقى - إذًا- حِكْرًا لها ومَفْعُولُهُ أو موضوعُه دائمًا وبامتيازٍ "ٱلإسلام"!
     وأَكثر من ذالك، فليس من المُسَلَّم أبدًا أنْ تكون "ٱلحداثةُ" مَقصورةً فقط على "ٱلواقع ٱلغربيّ"، لأنَّ المُفْتَرض في "ٱلحداثة" أنْ تكون سَيْرورةً عالميّةً يَدخلُ فيها الفعل البشريّ المُتعلق بكُلِّ "ٱلعصر ٱلحديث". ولهذا، فإنّ جِمَاع الإنتاج البشريّ منذ القرن السابع عشر على مستوى الكرة الأرضيّة كُلِّها يُعَدُّ "حديثًا" أو "حَداثيًّا" بهذا القدر أو ذاك، من حيث إنّه يَخضع لشروط الإنتاج في العصر الحديث التي تَتحدَّد في ٱلِامتداد العالَميّ للاقتصاد، وﭐزدياد ﭐنفكاك الإنسان من رِبْقَة العبوديّة، وتنامي التّرشيد في التّنظيم والتّدبير ؛ مِمَّا يَجعلُ "ٱلحداثةَ" تتعارض، على الأصحّ، مع "ٱلجَداثَة" كاجْتِرَارٍ لِقِيَمٍ تُراثيّةٍ مَيِّتَةٍ وﭐستمرارٍ في تقليد السّلف وعدم تحصيل وﭐستعمال وسائل "ٱلإِحْدَاث" المُسْتَقِّل. لَكنَّها لا تتنافى مع "ﭐستحياء ٱلتُّراث" و"ﭐستلهام ٱلماضي"، لأنّ هذا هو الأصل في قيام "ٱلحداثة" الغربيّة نفسها. إِذًا، فلا "ٱلإسلامُ" يُعَدُّ بالتّحديد "جَدَاثَةً"، ولا "ٱلحداثة" خِلْوٌ من كل "آثار ٱلماضي" و"بقايا ٱلتُّراث"!
     غَيْرَ أَنَّ ما يجعل "ٱلإسلامَ" وعَالَمَه مَقْصِدًا للطّالِب والطّامِع، ومَثارًا للمُتسائِل والباحث، إنّما كَوْنُه يُعْرَضُ (ويُفْرَضُ) في معظم الأحيان - من قِبَل مُحْتَرِفِي الخطاب الغربيِّين والمُتَغَرِّبِين- كخَصْمٍ عَنِيدٍ ل"ٱلحداثة" (وهي تُعَدُّ بﭑلتّحديد، في ظنِّهم، "غَربِيَّةً" و"مُتَغَرِّبَةً" مَعًا)، وكَوْنُه يُبْعَدُ ويُسْتَبْعَدُ كَنِدٍّ كُفُؤٍ أو مُفْتَرَضٍ لها. فهل هناك نوع من ٱلِاستعداد المُعْطَى والمَوْقُوف حَصْرًا لِلإِنسان الغربيّ ("اليُوناني/الرُّوماني" و"اليهوديّ/النَّصْرَانِيِّ") يَجعلُه بالأصالةِ مُبْدِعَ "ٱلعَقْل"، المُتَبَحِّرَ في "ٱلعِلْم"، المُتَفَنِّنَ في "ٱلتِّقَانَة"، عَاشِقَ "ٱلحريّة"، بانِيَ "ٱلسِّلْم"، رَاعِيَ "ٱلعدل" والماضي في "ٱلتّقدُّم" من دون كل العالَمِين؟ وبﭑلعكس، هل ثَمَّةَ ضَرْبٌ من القَدَر الطبيعيّ الذِي يَحْكُم حصرًا طِبَاعَ الإنسان "ٱلعربيّ-ٱلمُسْلِم" فيَجعله أسيرَ "ٱلخُرافة"، هَائِمًا في أودية "ٱلشِّعر"، مَهْوُوسًا ب"ﭐلتقاليد"، مُتَيَّمًا ب"ﭐلفوضى" و"ٱلتَّسَيُّب"، حريصًا على "ٱلتّسلُّط" و"ٱلِاستبداد"؟ وكيف يكون "ٱلإسلامُ" - بما هو بالتّحديد، كما يَعتقد "ٱلمُتحادِثون"، نقيض "ٱلحَداثة" ما دام لم يَقبَلْ المصيرَ التّحديثيّ للدِّين كما قَبِلَتْهُ "ٱلنَّصْرَانيّة/ٱليهوديّة" من قَبْلُ- شَدِيدَ ٱلِامتناع عن مُقتضيات "ٱلتّحديث" ومُثِيرًا لِلاهتمامِ إلى الحدِّ المعروف، إنْ لم يَكُنْ يُسَائِلُ بعُمْقٍ "ٱلمشروعَ ٱلحداثِيَّ" في أُصوله كما في أبعاده ومآلاتِه؟
     من اللافِت أنّ "ٱلإسلام" صار يبدو في العالَم المُعاصر كما لو أنّه لم يُوجَدْ إِلَّا لِيَكُون مُمَثِّلًا لِجِماعِ صِفاتِ النّقيض الذي يجب، في جميع الأحوال، تَفاديه وﭐستحضارُه فقط كَشاهِدٍ يَصْلُح لِلتَّحْذيرِ منه! وقد يكون النّظرُ إلى "ٱلإسلام" على هذا النّحو عاديًّا جِدًّا ما دام يأتي من قِبَل الغربِيِّين المُتَشبِّعِين بمَفاخر "ٱلحداثة" وأمجادها. لكنْ أَنْ يُماثِلَهُ نَظَرُ المُتَغرِّبِينَ من المُسلمين وأبنائهم، وأنْ يَصيرَ في الغالِب نظرًا أَشَدَّ ﭐنتقادًا وﭐنتقاصًا لِ"ٱلإسلام"، فَأَمْرٌ يَدُلُّ في الحقيقة على أنَّ صفة النّقيض المُسْنَدَةَ إليه ليس فيها قَصْدُ الوصف وإنّما يُرادُ بها، في العُمق، الوَصْمُ الأَقْوَى: فهذا "ٱلإسلام" القُرُونِيُّ، المُمْتَدُّ في الأرض، والمُهَيْمِنُ على الجماهير عَامِّيِّها وخَاصِّيِّها، يُعَدُّ في الواقع عَقَبَةً كَأْدَاءَ أمام مشروع "ٱلحداثة" بما هو مشروعٌ تَنْويريٌّ-تَعْقِيليٌّ وتحريريٌّ-تَحديثيٌّ (وحَاشَا أن يكون، في زعمهم، مشروعًا ﭐستيطانيًّا وﭐستغلالِيًّا!). ولِهذا فإنّ "ٱلإسلامَ"، بصفته كذالك، ليس سوى «مَنَّاع لِلْخَيْرِ، مُعتدٍ، أَثِيم»، إِذْ هل هناك ما هو أَشَدُّ شرًّا وإِثْمًا من مَنْعِ نَشْر وﭐنْتِشار الخَيْرات القادمة من "ٱلغرب" وحِرْمان الشعوب المُسَمَّاة "إسلامِيَّةً" من ٱلاستفادة منها؟!
     وهكذا يُمْكِنُكَ أنْ تَتصوَّرَ حَجْمَ الآثارِ التي يُمكنُ أنْ تَتَرَتَّبَ على المُمَاثَلة بين "ٱلإسلام" و"ٱلتّخلُّف" (عن مَوْكِب "ٱلحداثة"). فَسُرْعانَ ما يُنْتَقَلُ إلى المُمَاثَلةِ الأُخْرَى التي يكون فيها "ٱلإسلامُ" عَدُوَّ "ٱلتقدُّم" و، من ثَمّ، عَدُوَّ "ٱلإِنسانيّة". وهل هناك نتيجةٌ منطقيّةٌ أكثرُ من هذه لذالك النّوع من التّناوُل الذي غَلَبَ بين المُهْتَمِّينَ والباحثينَ والصِّحَافِيِّينَ، الغربيِّين والمُتغرِّبِين، والذي لا يظهر فيه "ٱلإسلامُ" سوى بصفة الشّاهدِ السَّلْبِيِّ ل"ٱلحَداثة" الغربيّة والمُتغرِّبة؟! وبﭑلتالي، ليس من الغريب في شيء أنْ يَتحوَّل "ٱلإسلامُ" بﭑلنِّسبة إلى مُعْظَم الغربيِّين، وعند كثير من المُتغرِّبين، إلى خَصْمٍ مُتَّقًى من كل ناحية، وعَدُوٍّ مُحارَبٍ بكل ثمن!
     إنّ الكيفيّاتِ التي يُتَناوَلُ بها "ٱلإِسلامُ" مُتعدِّدةٌ ومُختلفةٌ ليس فقط لِتَعدُّد وﭐختلاف الأهداف المُتَوخَّاةِ من كُلِّ تَناوُلٍ، ولكنْ أيضا، وبﭑلخصوص، بﭑلنِّسبة إلى الجوانب السَّلْبِيَّة التي يُشَدِّدُها التَّناوُل ٱلِاتِّهَامِيُّ الذي يَبقى المُثِيرَ أو المُسْتَثِيرَ الأَقوى لِكثِيرٍ من الأعمال المُتعرِّضة لِ"ٱلإسلام". وإِنَّ من أشد العوامل تعزيزًا لهذا التّناوُل مُواجَهة بعض المُسلِمين له بنوع من ٱلِاستماتة في دفع تُهَمِه التي تزداد ﭐستحكامًا وٱلتصاقًا كُلَّما ﭐزداد دفعُها، لأنّها في واقع الأمر ضَرْبٌ من الكائنات التي لا تَستطيعُ أنْ تَستمِرَّ في الوُجود إلَّا بِقَدْرِ ما تُدْفَعُ وتُنْفَى ؛ في حِينٍ أنّ السَّيْرَ الطبيعيَّ لِلأُمور يَقتضي تركَهَا تَأْكُلُ ذَاتَها أو تَتَّخِذُ حَيِّزًا في نُفُوس وأذهان من لا يَضْمَنُونَ وُجُودَهم نفسَه إِلَّا بإنتاج وإعادة إنتاج مِثْل تلك ٱلتُّهَمِ الممجوجة والشُّبَه المَكْرُورة!
     لذالك، ففي مُواجَهة المُساءَلة ٱلِاتِّهاميّة التي تَنْصبُّ على أبعاد القوة والمُقاوَمة وٱلِامتداد في "ٱلإسلام" مُشَدِّدَةً جوانبَ التّهديد والخطر ومُبْرزةً إمكانات العداء ووقائع الرّفض، ما فَتِئَت تتبلور المُحاولاتُ ٱلِاختزاليّةُ والتّبسيطيّةُ، حيث تُصبح "ٱلشّريعة" تعبيرًا عن حاجات ظرفيّة لمجتمع قَبَليّ أو، في أحسن الأحوال، مجرد قانون "وضعيّ" قديم ؛ ويَصيرُ "ٱلأمرُ بالمعروف والنّهيُ عن ٱلمنكر" وصايةً دينيّةً أو تفتيشًا كَنَسيًّا من قِبَل رجال الدِّين ؛ وتَتحوَّلُ "ٱلشُّورى" إلى آليّة لتشريع ﭐلِاستبداد ؛ ولا يَعُودُ "ٱلجهادُ" سِوَى دِفَاعٍ عن النّفس أو ﭐسترهاب سياسيّ ؛ ويُنْظَرُ إلى "ٱلدّعوة إلى ٱللّه" كﭑحتكار لِلإسلام أو تعبير أُحاديٍّ عن ٱلحَقِّ ؛ وتُعتبَرُ مُناهَضةُ الظُلْم والعُدوان "إرهابًا" خَوَارِجيّا أو تَعصبًّا أعمى. وبهذا الصدد، قد لا يَعْدَمُ المرءُ وُجُودَ نوع من الكتابات التي تكاد تُفْرِغ "ٱلإسلام" من أهمِّ ما فيه ولا تحتفظ منه إلا بجو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أَيَصلُح “ٱلإسلام” لشيء آخر غير ٱلاستغلال؟

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 3 أكتوبر 2011 الساعة: 17:58 م

    من الشائع أنْ يُقال بأنّ "ٱلإسلاميِّين" يَستغِلُّون "ٱلإسلامَ/ٱلدِّينَ" لتحقيق أغراض دُنيويّة يَتفادون، في معظم الأحيان، الإفصاح عنها بما هي كذالك. ويَتعلق الأمرُ، حسب زعم "ٱلمُبطلِين"، بأغراض شتّى أهمّها توظيفه كـ"دِعاية" أو "فِكْرَى" سياسيّة. لكنْ، يبدو أن من يَسُوق هذا ٱلاتِّهام يَميل لا فقط إلى رفض ٱستعمال "ٱلدِّين" لأغراض غير دينيّة، وإنّما أيضًا إلى القيام باختزال مُضاعَف، من ناحية، للإسلام بحصره في المعنى المبتذل لـ"ٱلدِّين" و، من ناحية أخرى، للتّوجُّه الإسلامي باعتباره مجرد "دعوة" أو "فِكْرى" دينيّة من دون أيِّ كفاءة في تدبير "شُؤون ٱلدُّنيا". ومن المُفارَقة أنّ من يَستنكرون ٱستغلال "ٱلإسلام/ٱلدِّين" يَأْتُون، هم أيضًا، نوعًا من التّناوُل القائم على ٱستغلاله كـ"مِثال نقيض" لتهويل وٱستهجان نَهْجِ دُعاة وأدعياء "ٱلفِكْرَى ٱلإسلاميّة"!
    إنّه إذا جاز أنْ يكون "ٱلإسلاميّون" - على الأقل في جُزء منهم وبالخصوص أولئك الذين يُواطِئُون أو يُداهِنُون المُستبدِّين والمُفسدين- لا يَنظرون إلى "ٱلإسلام" إلا بصفته وسيلةً لاستغلال أكثريّة المُسلمين في ٱعتزازها بدينها وٱستعدادها للبذل في سبيل إظهاره وحفظه، فإنّ ما لا يَصِحّ إنّما هو أن يقوم بعض أدعياء "ٱلتّنوير ٱلعَلْمانيّ" باختزال "ٱلإسلام" في "ٱلدِّين" ليَسهُلَ عليهم، من ثَمّ، تأكيد أنّ كل إحالة دُنيويّة إليه تُعدّ ٱستغلالا له، ٱستغلالا يَتنافى - في ظنِّهم- مع مُقتضيات "ٱلتّدبير ٱلوَضعيّ/ٱلدُّنيويّ" الذي غالبًا ما تُردّ إليه "ٱلسياسة". ومن البَيِّن أنّ "ٱلمُبطلِين" لا يَفعلون ذالك إلا لرُسوخ ٱعتقادهم بأنّ "ٱلدِّين" قد صار مُضطرًّا في ظل "ٱلحداثة" إلى ٱلانزواء ضمن حُدود "ٱلتّجربة ٱلفرديّة" بحيث لا يَملك إلا أنْ يَخضعَ (ويُخضَع) لفعل "ٱلتّعطيل" الذي غرضه أنْ يَستبعده تمامًا من "ٱلمجال ٱلعموميّ".
     لكنَّ "ٱلإسلامَ"، في الواقع، ليس مجرد دين يُمكن حَصرُه في الصورة المُبتذلة التي لا تتعدّى - في عُرف أدعياء "ٱلتّنوير ٱلحداثي"- ذالك "ٱلإيمان ٱلمُخَرِّف" وتلك "ٱلشّعائر ٱلمُخدِّرة" ممّا يَكُون ضحيةً له البُسطاء من عامّة النّاس. ذالك بأنّ "ٱلإسلامَ/ٱلدِّينَ" يَتحدَّدُ، مَبدئيًّا، بصفته سيرورةً تنويريّةً وتحريريّةً تقوم على تفعيل "ٱلوحي" كإحياءٍ رُوحيّ وإيقاظ عقليّ يَنتقلُ ب"ٱلمُسلِم" من دَرَكات "ٱلجاهليّة" وٱنحرافاتها إلى درجات "ٱلرّاشديّة" ومَقاماتها على النّحو الذي يُخرِجُه من وصاية "أرباب ٱلدُّنيا" فيُطلِقُ فاعليّته تَعبُّدًا وتَخلُّقًا في ٱلِاستجابة لنداء "ربِّ ٱلعالَمين". ويَقتضي قيامُ "راشديّة ٱلإسلام" إعمالَ "ٱلتّرشيد" وتأسيسَه حتى يتأتّى ٱنفكاكُ العباد من إِسار كل ٱستعباد أو ٱستبداد حتّى لو ٱدّعى أصحابُه العمل بالإسلام وٱلعمل له. ولا يكون هناك ترشيد من دون إقامة "ٱلدّولة ٱلرّاشدة" التي تعمل على تحييد "ٱلدّولة" دينيًّا وتقييد "ٱلدّعوة" قانونيًّا بالشكل الذي يُمكِّن من قيام موضوعيّ ومدنيّ لسيرورة ٱلتّحرير/ٱلتحرُّر ومن تأسيس عمليّ وأخلاقيّ للتّنوير/ٱلِاستنارة بعيدًا عن غوائل السُّلطان سواء أكان ماديًّا أم روحيًّا.
    ولأنّ "ٱلإسلام"، فضلا عن ذالك، قد تَعيَّنَ تاريخيًّا في "حضارة عالميّة" شَمِلت مجتمعات ٱمتدّت من الصين إلى المحيط الأطلسي ومن البحر الأبيض المتوسط إلى أفريقيا جنوب الصحراء، فإنّ الإحالةَ إليه بصفته مَرجعًا تَصيرُ إحالةً إلى أهمِّ عطاءات المُسلمين التي شهدتها كل مجالات الفكر والحياة طَوال ثمانية قرون. وحضور "ٱلإسلام/ٱلثقافة/ٱلحضارة" على هذا النّحو هو الذي يَستدعي ٱستغلالَه وٱستثمارَه باعتباره عامِلا أساسيًّا في ٱلإحياء والبناء بما يَجعلُه نِدَّ "ٱلحداثة" وليس ضدَّها. وإِذَا كان هذا شأنَ "ٱلإسلام"، فلا يُعقَل أنْ يُمات كما لو كان مجرد ماضٍ ٱنتهى، ويُحيى "ٱلعصرُ" فيُعدَّ حُدوثًا وإحداثًا بلا ٱنقطاع ولا ٱنقضاء.
     غير أنَّ كونَ تجربة الإنسان ل"ٱلإسلام" لا يُمكن أنْ تَتِمَّ واقعيًّا إلا بالنِّسبة إلى شروط "ٱلوضع ٱلبشريِّ" في هذا العالَم يَقُود إلى تبيُّن أنّ ٱلمُشكلةَ كلَّها في "ٱلتّجربة ٱلدينيّة" إنّما هي عدم إمكانها إلا كتجربة دُنيويّة يُكابِدُ فيه المرءُ عَقبات الحياة كَدْحًا إلى مُلاقاة ربِّه، بحيث يَمتنعُ أنْ يكونَ "ٱلدِّين" مُمارَسةً مفصولةً عن "ٱلدُّنيا" كما يُريد له أدعياءُ "ٱلعَلْمانيّة" بالقدر نفسه الذي يَمتنعُ ألا يُؤثِّر "ٱلمَعيشُ ٱلدُّنيويّ" في "ٱلتّديُّن" كما يَتوهَّمُ "ٱلإسلامانيُّون". ومن هنا، فإنّ الرِّهانَ كُلَّه يَصيرُ قائمًا في السعي نحو إجادة ٱستغلال "ٱلدِّين" بما هو تَسويَةٌ لمَصالِح الإنسان في "ٱلحياة ٱلدُّنيا" على مُقتضى مصالحه في "ٱلحياة ٱلآخرة".
     ويَلزمُ، من ذلك، أنّ العملَ بالإسلام والعملَ له - بما هو عمل يُراد له أنْ يَتحدَّدَ بصفته "دينيًّا"- لا يتم إلا من خلال ٱلانغماس في "ٱلدُّنيا" بهذا القدر أو ذاك ؛ وهو ٱلِانغماس الذي يَصعُب معه، من جهة، "ٱلإخلاص" المطلوب في "ٱلتّديُّن" ويُصعِّب، من جهة أخرى، إمكان التّحقُّق بالدِّين من دون القيام بأسباب "ٱلدُّنيا". وهذا ما يَجعلُ "ٱلإسلام" لا يَقبل المُعارَضة الشّائعة بين "ٱلدِّين" و"ٱلدُّنيا"، لأنّه لا دينَ إلا دُنيويٌّ على النّحو الذي يَقتضي أنّ ٱلعِنايةَ بالدُّنيا من صميم ٱلدِّين. وبالتالي، فإ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نُزُولاً من مِثال “ٱلدِّمُقراطيّة” إلى واقع “ٱلدَّمَقْرطة”

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 19 سبتمبر 2011 الساعة: 17:47 م


    من ٱلمُتعارَف أنَّ "ٱلدِّمُقراطيّةَ" تُحيلُ إلى قِيَم "ٱلحريّة" و"ٱلمُساواة" و"ٱلعدل". وكونُها كذالك يَجعلُها مَطلبًا أساسيًّا لمُعظَم ٱلنّاس في المدى الذي تُعَدُّ تلك ٱلقِيَمُ مُشترَكًا بشريًّا وٱجتماعيًّا يَجمع بينهم. فمن غير المعقول، إذًا، أنْ يَكُونَ "ٱلعربُ" و"ٱلمُسلمون" ٱستثناءً (بل شُذوذًا) كما لو أنّهم أُناس لا مصلحة لهم في ٱلِاهتمام بتلك القيم التي لا معنى للوجود الإنساني عموما من دونها. فكيف يُصرُّ أدعياء "ٱلتّنوير ٱلحداثيّ" على ترديد أحاديثهم عن وجود نوع من "ٱلتّنافي" بين تلك القيم ومبادئ "ٱلإسلام/ٱلدِّين"؟ هل "ٱلعرب" و"ٱلمُسلمون" في مستوى أدنى من "ٱلإنسانيّة" جعلهم يخضعون لدينٍ يَتنافَى مع "ٱلدِّمقراطيّة" في إحالتها إلى كُبرى القيم الإنسانيّة؟ ألا يكون تَهجُّمُ "ٱلمُتحادِثين" و"ٱلمُتعلمِنين" على "ٱلإسلام/ٱلدِّين" نوعا من الخدمة المُزدوجة التي يُؤدُّونها، بوعي أو من دونه، ل"ٱلأنظمة ٱلفاسدة/ٱلمُفسدة" المُسيطرة محليًّا وعالميًّا والمُعرقلة فعليًّا لسيرورة "ٱلدَّمقرطة" حفظًا منها لمصالحها غير المشروعة بين المُستضعفين في العالَم و، بالخصوص، بين "ٱلعرب" و"ٱلمسلمين"؟
    يَجدُر، ٱبتداءً، تأكيد أنّ من أسوء ٱلِانحرافات (وٱلتّحريفات) في مجالِ تعاطي الخطاب ذاك ٱلِانحراف/ٱلتّحريف الذي يَتمثَّل في الغَفْلة عن أنّ أهمّ الأشياء التي تكون موضوعًا للطّلَب (وللتّنازُع) غالبًا ما تَصيرُ أداةً للتّرهيب وٱلِابتزاز. يُلاحظ هذا بخصوص مفاهيم "ٱلعقلانيّة" و"ٱلتّنوير" و"ٱلحداثة"، ويُلاحَظ أكثر حينما يَتعلَّق الأمرُ بمفاهيم "ٱللِّيبِراليّة" و"ٱلدِّمقراطيّة" و"ٱلعَلْمانيّة". ذلك بأنَّ "ٱلمُبطلين" لا يكتفون باستعمال تلك المفاهيم ٱستعمالا تحليليًّا ونقديًّا، وإنّما يَميلون إلى ٱتِّخاذها كنوع من "ٱلِامتياز" الذي حَظُوا به خِصِّيصًا. لذا، تراهم يستخدمون تلك المفاهيم أسلحةً لخوض حُروبهم الفكرويّة والسياسيّة، فيتوسَّلُون بها للتّهجُّم على خصومهم بدعوى أنّهم أُناس يُعادُون ما لا يَجمُل بأحدٍ من "ٱلعُقلاء" أو "ٱلفُضلاء" أنْ يُعاديَهُ. ومن البيِّن أنّه يَكفي أنْ يَظْهرَ (ويُظْهَرَ) المرءُ بصفة المُعادِي لشيء "معروف" أو "معقول" ليُصبح عُرضةً للتّسفيه والتّشنيع.
    ويبدو أنَّ "ٱلمُبطلين"، بصنيعهم ذاك، يُمارِسُون تضليلا مُزدوجًا: من جهة كونهم يُنصِّبُون أنفسهم كما لو كانوا وحدهم يَحْظَوْن بامتياز "حماية ٱلحِمَى" (مُتمثِّلا في "ٱلمِثال/ٱلمَثَل ٱلأعلى")، ومن جهة كونهم يَنطلقون من مُسلَّماتٍ يَعُدّونها "مبادئ بديهيّة" يجب أنْ تَفرض نفسها دون نقاش بحيث يُبنى عليها ولا يُسأل عمّا يُوجد في أصل بنائها. وإذا جاز لكل إنسان أنْ يَتعلَّقَ بما يُعدُّ "مثالا/مثلا أعلى" ("ٱلحريّة"، "ٱلحق"، "ٱلعدل"، "ٱلخير"، "ٱلجمال")، فإنّه لا يَصِحُّ لأحدٍ من النّاس العاديِّين أنْ يَدّعيَ تجسيدَه في كمالِه وكليّته وتعالِيه ؛ لأنّه ليس هناك "إنسان كامل" في الواقع البشري، وإنّما هناك فقط أُناسٌ يُمكنُهم أنْ يَسعوا - في حُدود ما يُطيقون- إلى ٱستكمال نواقصهم طلبًا لـ"ٱلفضيلة" على هذا المستوى أو ذاك. فكل "مِثال/مَثل أعلى" موضوعٌ، في الواقع ٱلِاجتماعيّ والتّاريخيّ، للتّنافُس والتّنازُع. ومن هنا، لا يَحِقُّ لأحد أنْ يَدَّعيَ أو يتظاهر بأنّه النّاطق الحصريّ باسم "ٱلعقل" أو "ٱلحريّة" أو "ٱلعدل" أو "ٱلخير" أو "ٱلحق".
     وبخصوص "ٱلدِّمُقراطيّة"، نجد أنّها عُمومًا تُحدَّدُ بأنّها «نِظامُ ٱلحُكْم حيث يَستطيعُ كُلُّ ٱلسُكّانِ في بلدٍ ما أنْ يُصوِّتُوا لانتخاب مُمثِّلِيهم.». ولهذا، يُسمّى البلدُ حيث يَنتخِبُ النّاس مُمثِّلِيهم "دِمُقراطيّةً". لكنَّ "ٱلدِّمُقراطيّة" تَدُلُّ، أيضًا، على «ٱلتّعامُل ٱلعادِل وٱلمُنصف مع كل شخص في تنظيمٍ/مُنظّمةٍ ما بحيث يكون له ٱلحقّ في أنْ يُشارِكَ في ٱتِّخاذ ٱلقرارات التي تتعلق بشؤونه.». ومن هنا، فإنَّ "ٱلدِّمُقراطيّة" لا تُشيرُ فقط إلى "حُكْم/سُلطة ٱلشَّعْب"، بل تُحيل أيضا إلى "ٱلحريّة" و"ٱلمُساواة" و"ٱلعدل". وهذا ما يَجعلُها نوعًا من "ٱلمِثال" أو "ٱلمَثَل ٱلأعلى" الذي يُجسِّدُ طُموحات البشر في أنْ يَكُونوا أحرارًا يَنْعَمُون بكرامةٍ آدميّة لا تُنتهك وبحقوق موضوعيّة لا تُنتقَص وبآمال شخصيّة لا تُحَدُّ، على النّحو الذي يُؤدِّي إلى أنْ يَصيرَ رفعُ شعار "ٱلدِّمُقراطيّة" مُمثِّلا لجِماعَ مَطالِب ٱلنّاس عبر التّاريخ وفي كل المجتمعات.
إنَّ "ٱلدِّمقراطية" تقوم، بالأساس، على ركيزتين: إعلان "مبادئ أساسيّة وكليّة" ووضع "إطار قانونيّ ومُؤسَّسيّ" لتحقيق وتكميل تلك المبادئ. ونجد أنّ "ٱلمبادئ ٱلأساسيّة وٱلكُليّة"، التي تقوم عليها "ٱلدِّمقراطيّة"، تَتمثَّلُ في أولويّة "حُقوق ٱلإنسان" تأكيدًا للمُساواة في "ٱلكرامة ٱلبشريّة" و"ٱلمُواطَنة"، و"سيادة ٱلشّعب" أساسًا للمشروعيّة، و"سُموّ ٱلقانون" أساسًا ل"ٱلشرعيّة"، و"ٱلفصل بين ٱلسُّلطات" ضمانًا للحريّة وٱلعدل. وهذه المبادئ (ٱلدِّمقراطيّة) هي أساس "دولة ٱلحق/ٱلقانون" في قيامها على "ٱلمشروعيّة ٱلمدنيّة/ٱلشَّعبيّة" وٱشتغالها وَفْق "ٱلشرعيّة ٱلقانونيّة". ولأنَّ "سيادةَ ٱلشّعب" تُعَدُّ المصدر ٱلأساسيّ لكل السُّلطات، فإنَّ "ٱلشَّرعيّة ٱلقانونيّة" (ٱبتداءً بـ"ٱلدُّستور" وٱنتهاءً بأدنى "ٱلتّشريعات ٱلتّنظيميّة") لا معنى لها إلا بصفتها تعبيرًا عن مجموع "ٱلتّوافُقات ٱلمعقولة" الدّالّة على "ٱلإرادة ٱلعامّة" التي هي أساس "ٱلمشروعيّة ٱلمَدنيّة/ٱلشَّعبيّة". و"سيادة ٱلشّعب" هي التي تُعطي نفس "ٱلحقّ" لكل "ٱلمُواطِنين" لكي يَشتركوا في المُمارسة السياسيّة بواسطة "ٱلِاستفتاء" أو "ٱلِاقتراع ٱلعامّ" أو "ٱلاحتجاج" ٱعتراضًا ومُظاهرةً، حيث إنَّ نتيجة "ٱلتّصويت" تُفرِزُ ما يُسمّى "حُكْم ٱلأغلبيّة" الذي يُعبِّر عن "ٱلمشروعيّة ٱلشعبيّة" التي هي الأصل في "ٱلشَّرعيّة" كإلزام عُموميٍّ يَسْرِي على جميع "ٱلمُواطنين" في المدى الذي يشتركون في قَبُول ٱلتّداوُل المَدنيّ والسياسيّ باحترام "إطار ٱلشّرعيّة" الذي هو "ٱلدُّستور" باعتباره «مجموع ٱلمبادئ ٱلأساسيّة وٱلكُليّة التي تُجسِّد "ٱلتّوافُقات ٱلمعقولة" بين أعضاء ٱلمجتمع».
    ذاك هو "مِثالُ ٱلدِّمُقراطيّة" كما يُعرَضُ (ويُفرَض) "رَسْميًّا". وإنّه ل"مِثالٌ" جَذّابٌ وساحِرٌ إلى الحدِّ الذي يَصعُبُ أنْ يُقاوَمَ إغراؤُه من قِبَل أكثر النّاس بمن فيهم معظم "ٱلخاصّة" أو "ٱلنُّخبة". إِذْ مَنْ يَجرُؤ على أنْ يكون صراحةً ضد "ٱلدِّمقراطيّة" في دلالتها على "ٱلحريّة" و"ٱلمُساواة" و"ٱلعدل"؟ بالتّأكيد، لن يجرؤ أحدٌ على ذلك ؛ ليس لأنّه لا يُوجد إنسانٌ يَرفُض تلك "ٱلقيم" إنْ جُزءًا أو كُلًّا، وإنّما لأنّ إعلانَ رفضها مُكلِّفٌ جِدًّا في المدى الذي يكون موضوعًا لجزاءٍ سَلْبيٍّ شديدٍ. فمن يقول "لا" للحريّة، لن يكون مجرد "مُستعبِد" أو "مُستعبَد"، بل سيكون "عدو ٱلإنسانيّة" ؛ ومن يقول "لا" للمُساواة لن يكون مجرد شخص يَمْلِكُ ٱمتيازات خاصة أو يَحْرِصُ على ٱلِاحتفاظ بها، بل سيكون "شخصا عُنصريًّا" ؛ ومن يقول "لا" للعدل، لن يكون مُجرد شخص "ظالِم" أو "مُعتدٍ"، بل سيكون "شخصًا مُجْرِمًا". ولهذا، فإنَّ من يُغامِرُ فيُعلنُ عن كونه يَتحدَّدُ بأنّه "لادِمُقراطيّ"، سرعان ما يجد نفسه قد صار خصمًا لأكثريّة النّاس في رفضهم لـ"ٱلاستعباد" و"ٱلتّمييز ٱلعنصريّ" و"ٱلظُّلم" و"ٱلعدوان". ومن هنا يَتبيَّنُ غرضُ من يُصِرُّ على وَصْمِ "ٱلعرب" و"ٱلمُسلمين" و، بالأخص، "ٱلإسلاميين" بأنّهم "أعداء ٱلدِّمقراطيّة"!
    لكنّ "مِثال ٱلدِّمُقراطيّة" ذاك أشبهُ ما يكون بأحدِ "مُثُل" أفلاطون: تلك "ٱلصُّوَر ٱلعقليّة ٱلنّموذجيّة" التي تُعدُّ، على الأقل لدى صاحبها، أشدّ حقيقةً من "ٱلواقع" (ٱلماديّ/ٱلحسيّ) نفسه! ولإدراك حقيقة "ٱلدِّمقراطيّة" بعيدًا عن بَهْرَجِ الخطابات المُبتهِجة، لا بُدّ من تجاوُز ظاهرها المثاليّ المُغرِي والمُعمِي والنُّزول، من ثَمّ، نحو واقع الحياة ٱلِاجتماعيّة في قيامها الضروريّ على "ٱلتّفاوُت" و"ٱلتّناقُض" و"ٱلتّنازُع" ضمن مجموع شُروط "ٱلوضع ٱلبشريّ" المُحدِّدة للوُجود والفعل الإنسانيين.
    ولا شك في أنَّ ٱلنّظر إلى "مِثال ٱلدِّمُقراطيّة" في خِضَمِّ ٱلمُمارسة الفعليّة يَقُود إلى مُواجَهة واقع النّقض ٱلعمليّ للمبادئ والقيم المُقوِّمة له: ف"ٱلحريّة" المُعلنة دُستورًا تصير تَحكُّمًا خفيًّا، و"ٱلمُساواة" المنشودة حُقوقًا تقوم في صورة ترسيخ وتعميق لِلَانهائيّةٍ من أنواع ٱلتّفاوُت، و"ٱلعدل" المرفوع شِعارًا يُصبح جحيمًا من ٱلمَظالم. وكل هذا تَعيشه "ٱلعامّة/ٱلأكثريّة" من ٱلنّاس الذين يجدون أنفسهم، في إطار ٱلنِّظام الدِّمقراطيّ، قد صاروا خاضِعين (ومُخْضَعين) ل"نُخبةٍ" شبه مُغلقة من السياسيِّين وٱلِاقتصاديِّين وٱلمثقفين/ٱلإعلاميِّين الذين يَملكون كل الوسائل التي تُتيح لهم الوصول إلى مَواقِع "ٱلسلطة" وٱستدامة شَغْلِها بحيث تبدو "ٱلدِّمُقراطيّة" من جرّاء ذلك "دوامًا للحُكْم من دون ٱلشّعب". وهكذا، فإنَّ "ٱلمُشارَكة ٱلشّعبيّة" تُصبحُ أداةً لمُمارَسة "ٱلتّهميش" وتعميق "ٱللامساواة" سياسيًّا وٱقتصاديًّا وٱجتماعيًّا وثقافيًّا فتَتحوَّلُ، من ثَمّ، "ٱلحُريّة" إلى خُضوع "ٱمتثاليّ" و"ٱستهلاكيّ"، ويَستحيلُ "ٱلعدلُ" تأسيسًا ٱجتماعيًّا ل"ٱلحِرمان" و"ٱلسَّلْب"!
    ذلك بأنَّ كونَ "حُكم ٱلشّعب نفسَه بنفسه" لا يَتِمُّ، في واقع ٱلمُمارَسة، إلا بشكلٍ غير مُباشر يَجعلُ "ٱلدِّمقراطيّة" تَتجسدُ عينيًّا ك"حُكْم للأغلبيّة"، أيْ أنّها مُمارَسةٌ تقوم - في ٱلواقع ٱلفعليّ- على نابض أساسيّ يَتمثَّلُ في "ٱلبحث عن (تمثيل) ٱلأغلبيّة"، بحيث لا تَعُودُ مُجرّدَ مُمارَسة سياسيّة تَحْفَظ "مُشاركة ٱلجميع في ٱلحُكم"، وإنّما تَصيرُ مُمارَسةً "تداوُليّةً/تَشاوُريّةً" تَرمِي إلى مَنْع أنْ تبقى "ٱلسلطةُ" دُولَةً أو حِكْرًا بين أيدي "نُخبة/صَفْوة" مُعيَّنة تَتحدَّدُ بالفعل ك"أقليّة". لكنَّ تفعيلَ "ٱلتّداوُل/ٱلتّشاوُر" من خلال آليّات "ٱلِانتخاب/ٱلتّمثيل" يَجعلُها - في ٱلعمق- تَعمَلُ على ٱستبعاد "ٱلأكثريّة" للتّمكين، بالتّالي، ل"ٱلأقليّة" بناءً على قانون "ٱلِانتقاء" و"ٱلتّمييز" ٱلمُحدِّد ٱجتماعيًّا لإنتاج وإعادة إنتاج نمط "ٱلغَلَبة/ٱلسيطرة" المُسمّى "أغلبيّةً".
    ونجد أنَّ "ٱلأغلبيّة" بذلك المعنى تُعبِّر، من النّاحية ٱلِاجتماعيّة، عن مَآل أنواع "ٱلتّفاعُل" و"ٱلتّنازُع" بين فئات "ٱلغالِبين/ٱلمُسيطِرين" وفئات "ٱلمَغلوبين/ٱلمُسيطَر عليهم". ولذا، فإنّ ٱشتغالَ "ٱلأغلبيّة" كتَفاعُل تَداوُليّ بين قُطْب "ٱلغالِبيّة" وقُطْب "ٱلمَغلوبيّة" هو الذي يَجعلُ "ٱللَّعِب ٱلدِّمقراطيّ" ٱستجابةً لإكراهات الواقع ٱلِاجتماعيّ في خُضوعه الضروريّ لمنطق "ٱلغَلَبة/ٱلسيطرة". وٱكتشاف حقيقة أنَّ واقع "ٱلتّبادُل" و"ٱلتّفاعُل" لا يَتجلّى، بما هو ضرورة ٱجتماعيّة، إلا من خلال "ٱلغَلَبة/ٱلسيطرة" يَنقُلنا من "ٱللَّعِب ٱلدِّمقراطيّ" - في بساطته وٱنفتاحه كلَعِبٍ قائم على "ٱلحريّة" و"ٱلمُساواة"- إلى أَلعابِ "ٱلتّنافُس" و"ٱلتّنازُع" كما تَشهدها مُخ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إسلامية الدولة والتضليل الأكبر

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 25 يوليو 2011 الساعة: 17:51 م

    يُعَدُّ "الدُّستورُ"، بما هو ميثاقٌ تَعاقُديٌّ بين مجموع المُواطنين، أسمى معيار قانوني وضعيّ يُفترَضُ فيه أنْ يَضمن الحقوق ويُحدِّد الواجبات. وحينما يُعدَّلُ "الدُّستور"، فإنّه يُعرَض على النّقاش العُموميّ قبل أنْ يُستفتى شعبيًّا عليه. فماذا يُمكن أنْ يُقال عن نص "الدُّستور المغربيّ المُعدَّل" الذي يُرادُ عَرضُه (بل فَرضُه) كأنّه لا يُمكن أن يكون موضوعًا لأيِّ نقاش؟
   بِغَضِّ النّظر عن كون اللّجنة التي قامت بتعديل هذا "الدُّستور" لا تَرقى مُطلقًا إلى مستوى "الجمعيّة التأسيسيّة" التي يُفترَض فيها أن تكون مُمثِّلةً لمجموع "قُوَى الشّعب" ومُستقلّةً تمامًا عن النِّظام القائم، فإنّ مُناقشةَ نص "الدُّستور المُعدَّل" تَرمي بالأساس إلى بيان مدى تعبيره عن المبادئ الأساسيّة الضّامنة لحُقوق مجموع المواطنين المغاربة في إطار ما صار مُتعارفًا في العالَم المعاصر باسم "الدولة المدنيّة والدمقراطيّة".
   وأوّل ما يُقابِلُنا في هذا "الدُّستور المُعدَّل" تأكيد "إسلاميّة الدولة" في بداية الفقرة الثانية من تصديره. فهل التّنصيص على "إسلاميّة الدولة" يُعبِّر عن حقيقة "المغرب" بما هو بلد لقيام/إقامة دولة مدنيّة ودمقراطيّة وتعدديّة تقوم على "الحق" و"القانون" و"المُساواة" بين كل المُواطنين بغضّ النّظر عن كل مُحدِّداتهم العرقيّة والجنسيّة واللُّغويّة والدينيّة والِاجتماعيّة؟
    يَجدُر، ٱبتداءً، القولُ بأنّه لا مُشاحّةَ في أنَّ المغرب بلدٌ "إسلاميّ"، من حيث كون "الشعب المغربيّ" في أكثريّته مُسلمًا يَدِينُ - على الأقل في الظاهر- بالإسلام في مُعتقداته وعباداته وشعائره ؛ وهو "إسلاميّ" من حيث كونُه ينتمي إلى "العالَم الإسلامي" كعالَمٍ يَضُمُّ البلدان التي يُعدُّ أكثرُ سُكانّها مُسلمين ؛ وهو "إسلاميّ" لأنّه مجتمعٌ هيمنت فيه "الثقافة" و"الحضارة" الإسلاميتان، منذ نحو أربعة عشر قرنا، على كل المُكوِّنات الثقافيّة والحضاريّة الأُخرى. وعلى هذا الأساس، يُمكن الحديثُ عن "الشّعب المغربي المُسلم" وعن "الأمة المغربيّة الإسلاميّة". لكنْ، هل يسمح ذلك بالحديث عن "الدولة المغربيّة" بصفتها دولةً "إسلاميّةً" أساسًا؟
   إنّنا نجد أنَّ صفة "إسلاميّة الدولة" لا تقتضي فقط أنْ يكون كُلُّ المغاربة - أو، على الأقل، معظمُهم- يَقْبلُون الانضواء تحت لواء "الإسلام" ويُسلِّمُون به تَسليمًا، بل تقتضي أيضا أنَّ "الدولة" تقوم في أُسسها على "الإسلام" بصفته مجموعةً من المبادئ والقيم المُحدِّدة للمُمارسة السياسيّة كتدبير قانونيّ ومُؤسَّسيّ للشّأن العامّ، بحيث يَصير كل ما ليس "إسلاميًّا" غير ذي مَحلٍّ في إطار "الدولة المغربيّة الإسلاميّة". فهل يُمكن "تسويغُ" و"تشريعُ" كل ما له صلة بالشّأن العامّ في المغرب بصفته إسلاميًّا؟
    لو أخذنا أهمَّ ما يَقُوم عليه "الإسلام" بما هو "شريعةٌ" تَنُصُّ في أُصولها على أنّ ٱللّه يَأمُر بالعدل وأنَّ الدِّين لا إكراه فيه وأنَّ أمرَ المسلمين شُورى وٱجتهاد بينهم وأنَّ "ٱلحُكم" لا يكون إلا مُبايعةً بالرضى وأنَّ الكلَّ راعٍ ومَسؤولٌ عمّا ٱسْتُرعيه، لكانتْ "إسلاميّةُ الدّولة" عملا بهذه المبادئ تُوجِبُ بناء "دولة راشدة" تقوم على العدل والمُساواة وتحكيم "ٱلشريعة" مُراقبةً ومُعاقبةً بالقسط. فما مدى إسلاميّة دولةٍ لا تَحترم أيَّ مبدإٍ من تلك المبادئ؟ ما حقيقة دولة، من النّاحية الإسلاميّة، إذا كانت قائمةً على "بيعة الإكراه" وعلى "المُلك الوراثيّ" وعلى التّعايُش مع ٱستبداد ظالم وطُغيان فاسد/مفسد؟ ألا يجدر التّساؤُل، في دولةٍ يُرادُ لها أنْ تَتحدَّد بأنّها "إسلاميّة"، عن شرعيّة الخمّارات والمَراقص والبُنوك الربويّة ومتاجر الخُمور وأوكار البغاء والقمار والمُخدِّرات التي جرت العادةُ بكونها تَضُخّ الأموال في خزينة هذه الدولة تمامًا كما تَضُخّها في حسابات مالِكيها والمُستفيدين منها الذّين يَدَّعُون أنّهم "مُسلمون" والذين هُمْ، بالأساس، أعضاء في هذه "الدولة الإسلاميّة" التي يُبشِّرُ بها "الدُّستور المُعدَّل"؟! أفلا يَحِقّ، إذًا، للمُواطن المغربيّ غدًا أو لمن يُمثِّله، بعد إمضاء هذا "الدُّستور"، أنْ يُقِيمَ دعاوى ضد "الدّولة" التي تَقبلُ (وتَستغلُّ) كل تلك الشُّؤون والمُعاملات "غير الإسلاميّة"؟! أليس من حقِّ "المغاربة"، بما هُم "مُسلمون"، أنْ يُجنِّبُوا أنفسَهم وأهلهم كل أنواع "ٱلحرام" التي ٱعتادت "الدولة" رعايتها وٱستغلالها؟
    لكنْ، إذا تجاوزنا ذلك المستوى الظاهر وٱعتبرنا أنَّ "إسلاميّة الدولة" تَجعلُها دولةً للمسلمين، فإنّه لا بُدّ من التّساؤُل عن مَحلّ غير المسلمين من اليهود والنّصارى والملاحدة واللاأدريِّين في هذه "الدولة الإسلاميّة"؟! هل عليهم أنْ يُغادروا "دولة المغرب الإسلاميّة" هذه أَمْ يُمكِنُهم أنْ يَبْقوا فيها من دُون أنْ يَطمعوا في ضمان حُقوقهم بالمُساواة مع باقي المغاربة من المسلمين؟!
    هكذا تتجلّى الثُّغرةُ الأُولى في "الدُّستور المُعدَّل" إذا اعتبرنا أنَّ نَصَّه وضع للإعمال وليس للإهمال. ولأنّها ثُغْرةٌ كُبرى، فهي وَرطةٌ شديدةٌ للدّولة المغربيّة ولكُلِّ الذين يُريدونها لا فقط أنْ تكون حصرًا "إسلاميّة"، بل أنْ يكون «الإسلام دين الدولة» (الفصل الثالث من الباب الأول). وأكثر من ذلك، فهي ورطةٌ لكل الذين سيَقبلون هذا التّنصيص على صفة "الإسلاميّة" باعتبارها مُلازِمةً ومُحدِّدةً لجوهر "الدولة المغربيّة". وإنّها حقًّا لورطةٌ، بالخصوص، لرجال الدولة ومُوظَّفِيها الذين عليهم - جميعًا من أعلاهم إلى أدناهم، ومن الآن فصاعدًا- أنْ يُثْبِتُوا باستمرار مدى «ٱلتزامهم بالإسلام» حتى يكونوا أهلا لتلك المناصب التي يتبوَّأُونها! وإنّها، بالأخص، لورطةٌ للذين يُسمَّوْن (ويَتسمَّون) "إسلاميِّين"، لأنّه عليهم - هم أيضا- أنْ يُبرهنوا على مدى ٱستحقاقهم لصفة "إسلاميِّين" من خلال نُهوضهم للعمل على تفعيل وتحقيق صفة "إسلاميّة الدولة" على كل المُستويات!
    غير أنَّ التّنصيص على "إسلاميّة الدولة"، في الوقت نفسه الذي يُعطي "ٱلشرعيّة" (الدينيّة!) لكل مُؤسسات وهيئات الدولة (وبالخصوص ل"المُؤسسة الملكيّة" كإمارة للمؤمنين ولكل "الأحزاب" و"المُنّظمات الحكوميّة")، إنّما وَرَد ليَسحب البِساط من تحت أقدام كل حزب أو تَجمُّع يُريد أنْ يَحتكر "ٱلشرعيّة الإسلاميّة" أو يُزايِدُ باسمها، بل إنَّ هذا التّنصيص على "إسلاميّة الدولة" ليزيد من توريط مثل هذا الحزب/التجمُّع بالضبط: إذْ ما دامت "ٱلدولةُ" قد حُسِمت إسلاميتُها بالدُّستور، فما على جميع الفاعلين السياسيِّين إلا ترك المُزايَدة التّسايُسيّة والتّشاعبيّة «باسم الإسلام» والانتقال، من ثَمّ، إلى خوض تنافُسٍ حقيقيّ على مستوى الإنجاز العمليّ من دون مَنٍّ ولا فخر.
    وهكذا، فلا حَلّ لإشكال "إسلاميّة الدولة" إلا بإلغاء هذه الصفة (أيْ بإعلان "مدنيّة الدولة" بعيدًا عن كل تضليل) أو تقييدها بالقول «إسلاميّةٌ بالانتماء ثقافيًّا وحضاريًّا إلى "الأُمّة الإسلاميّة" أو "العالَم الإسلاميّ». وحتّى هذا التقييد، إذا فُهِم حقّ الفهم، يَؤُول إلى إفراغ صفة "إسلاميّة" من معناها، لأنَّ "الأُمّة الإسلاميّة" كانت ولا تزال منذ أربعة عشر قرنا تعيش في ظل حكم ٱستبداديّ ومُلْك وراثيّ وجَبْريّ. ومن هنا، فإنَّ إرادة تحقيق صفة "إسلاميّة الدولة" من شأنها أنْ تَضع "نِظامَ الدولة" كُلَّه على مِحَكِّ "الشُّورى" و"المُبايَعة" كشرطين شرعيين لتنصيب "الخليفة"! فهل يَجرُؤ المغاربةُ، وخصوصا أدعياء السياسة، أنْ يقرأوا "إسلاميّة الدولة" بهذا التقييد الأخير كما تدعو إليه جماعة "العدل والإحسان" على لسان مُرشدها الشيخ "عبد السلام ياسين" منذ عقود؟ وهل يَعِي "إسلاميُّو النّظام" أنّه، بعد حسم "إسلاميّة الدولة" دُستوريًّا، لم يَعُدْ أمامهم سوى ٱلتزام "الدّعوة الدينيّة" وترك شؤون "الدولة المدنيّة" لأهلها أو ٱلِاستمرار في شرعنة ما لا يقبل إطلاقا الشرعنة الدينيّة؟!
    لكنْ ينبغي، بهذا الخصوص، أنْ يكون واضحًا جدًّا أنَّ ٱلِاعتراض على "إسلاميّة الدولة" ليس رفضًا مُلْتويًا للإسلام و، من ثَمّ، إقرارًا مُتخفِّيًا ب"ٱلعَلْمانيّة" بمعنى "ٱللادينيّة" ؛ وإنّما الحرص على "ٱلإسلام" هو الذي يقتضي عدمَ تركه دُوْلَةً بين أيدي ٱلِانتهازيِّين وٱلمُبطلِين، يُظهرونه كيفما يشاؤون ويُخفُونه حينما يشاؤون. ولا مجال، بهذا الصدد، للاتِّهام أو المُزايدة «باسم ٱلإسلام» الذي هو "دين ٱللّه" وليس أبدًا "دين ٱلدولة" (أيِّ دولة، قد لا تُعرَفُ بشيء بقدر ما تُعرف بمعصية ٱللّه في كل شيء كما هو حال هذه الدُّوَل التي تحرص، مع ذلك، على تحديد نفسها بأنّها "إسلاميّة"!) كما يُريد له تُجَّارُ التّضليل والتّدليس الذين تجدهم أحرص النّاس على التّلاعُب ب"ٱلدِّين/ٱلإسلام" وٱستنكار "مدنيّة ٱلدولة" تحت ذريعة أنَّ "ٱلعَلْمانيّة ٱلمُنكَرة" مجرد "لادينيّة" تعمل على "تعطيل ٱلدِّين" (وليس، ك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي