مجزوءة الوضع البشري

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 2 أغسطس 2009 الساعة: 01:53 ص

  مجزوءة I: ﭐلوضع ﭐلبشري

  1- ﭐلشخص

2- ﭐلغيـر

3- ﭐلتاريخ

 

* تقديم ﭐلمجزوءة ﭐلْأولى

يَتَحَدَّدُ "ﭐلعالمُ" بصفته مجموع ﭐلكائنات ﭐلموجودة وﭐلمتحققة. ويُعَدُّ "ﭐلْإنسان" من بين تلكـ ﭐلكائنات ﭐلموجودة في هذا "ﭐلعالم" ﭐلذي يخضع في سيره لعدد من ﭐلشروط وﭐلْأسباب وﭐلظروف. ووجود ﭐلْإنسان في ﭐلعالم بِمُحدِّداته هاته يجعله واقعا ضمن تلكـ ﭐلشروط ﭐلمُحدِّدة نفسها. وهذا ما يقود إلى ﭐلحديث عن "ﭐلوضع ﭐلبشري" (Human condition, la condition humaine). ذلكـ بأن حياة ﭐلْإنسان في هذا ﭐلعالم تتم بكيفيةٍ (حالة أو هيئة) مُعيَّنةٍ بفعل ﭐلشروط ﭐلمُحدِّدة لوجوده. ومن هنا فإن تناول "ﭐلوضع ﭐلبشري" يعني تناول مجموع ﭐلشروط ﭐلتي تُحدِّد ﭐلوجود ﭐلبشري في هذا ﭐلعالم، وهي شروط تتخذ أشكالًا متعددة (بيولوجية-طبيعية، ﭐجتماعية، ﭐقتصادية، سياسية، ثقافية، تاريخية). فالْإنسان، بما هو جسدٌ أو عضوية حية، له عدد من ﭐلحاجات ﭐلطبيعية ﭐلْأساسية ﭐلتي لَا يمكن ﭐستمراره في ﭐلوجود إلَّا بتلبيتها وإشباعها. ونجد أن كون ﭐلْإنسان مُحدَّدًا بشروط ضرورية على هذا ﭐلنحو هو ﭐلذي يقوده إلى إقامة علَاقات مع نفسه ومع ﭐلعالم من حوله، ويجعله من ثم يكتشف أهم ﭐلْأبعاد ﭐلتي تُكوِّن وجوده بصفته وجودا خاصا ومتميزا. فالْإنسان كائن يُدرِكـ أنه موجود في عالم ويدركـ، في ﭐلْآن نفسه، أنه موجود إلى جانب كائنات أخرى وأنه نتاجُ مَسَارٍ طويل ومعقد يرتبط به، على هذا ﭐلنحو أو ذاكـ، كونه ذاتا فاعلة ضمن شروط هذا ﭐلعالم. وهكذا فإن "ﭐلوضع ﭐلبشري" يتحدد باعتباره مجموع ﭐلشروط ﭐلذاتية وﭐلموضوعية ﭐلتي تَحْكُم وجود ﭐلْإنسان في هذا ﭐلعالم بكل مستوياته. وﭐلنظر في "ﭐلوضع ﭐلبشري" على هذا ﭐلنحو يكشف عن كونه يتسم بالتعقد وﭐلصعوبة. وضمن هذا ﭐلوضع تتحدد إمكانات ﭐلفعل ﭐلْإنساني بما هو فعل خاضع لمجموع ﭐلشروط ﭐلمُحَدِّدَة لوجود ﭐلْإنسان في ذاته بما هو وجودٌ متميزٌ (ﭐلْإنسان كـ"شخص") وبما هو وجودٌ مشتركـ ومتداخل مع غيره (ﭐلْإنسان كـ"غير") وبما هو وجودٌ مُتَحَوِّل ومتقلب عبر ﭐلظروف ﭐلزمانية وﭐلمكانية (ﭐلْإنسان كـ"تاريخ").         


* ﭐلمفهوم ﭐلْأول: ﭐلشخص


* تقديـم

يطرح تناول "ﭐلوضع ﭐلبشري" مسألة ﭐلوجود ﭐلْإنساني في هذا ﭐلعالم من جهة ما يُميزه ككائن عن غيره ضمن مجموع ﭐلشروط ﭐلتي تُحدِّده. فـ"ﭐلْإنسان" يوجد في هذا ﭐلعالم ضمن "مجموع ﭐلكائنات" (من أشياء وحيوانات وآلَات). ولهذا فإن مفهوم "ﭐلشخص" يتعلق بتحديد أهم ﭐلصفات وﭐلسمات ﭐلتي تُحدِّد "وجود ﭐلْإنسان" وتجعله وجودًا متميزا في آن واحد عن ﭐلْأشياء وﭐلحيوانات وﭐلْآلَات، أي وجودا له "هوية" تسمح لنا بإعطاء ﭐلْإنسان "قيمة" معينة بما هو ذات فاعلة وإرادة حرة تتحمل ﭐلمسؤولية أخلَاقيا وقانونيا عما تأتيه من أعمال من خلَال خضوعها لمجموع ﭐلشروط ﭐلتي تحكم طبيعتها ﭐلخاصة وﭐلتي يخضع لها وجود ﭐلْإنسان في إطار وسط طبيعي وﭐجتماعي مُحَدَّدٍ ومُحَدِّد.

 

* لوضعية-لمشكلة

 

يشمل هذا ﭐلعالم، كما نشتركـ في إدراكه، مجموع ﭐلكائنات ﭐلتي تنقسم إلى كائنات جامدة وسَلْبية (أشياء) وإلى كائنات حية، متحركة ومُدْرِكة (حيوانات) وإلى كائنات مصنوعة ذات قدرة "نسبية" على ﭐلحركة وﭐلْإدراكـ (آلَات). ويُعَدُّ ﭐلْإنسان، بما هو موجود متحقق، من بين "أشياء" هذا ﭐلعالم. لكنه يتميز بأنه ليس مجرد "شيء"، فهو موجود (من حيث كونه جسدا أو عضوية حية) بصفته كائنا حَيًّا يملكـ قدرة "ذاتية" على ﭐلحركة وﭐلْإحساس، أي أنه يندرج ضمن "ﭐلنوع ﭐلحيواني". ومن هنا يُطرح إشكال ﭐلكيفية ﭐلتي يتحدد بها "وجود ﭐلْإنسان" بالنسبة إلى "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات" ﭐلتي تُشارِكه ﭐلوجود ضمن هذا ﭐلعالم. فما أهم ﭐلخصائص ﭐلتي تُحدِّد ﭐلْإنسان في وجوده وتجعله "شخصا" متميزا في آن واحد عن "ﭐلشيء" و"ﭐلحيوان" و"ﭐلْآلة"؟ ما هو ﭐلْأساس ﭐلذي تقوم عليه "هوية ﭐلشخص"؟ هل يملكـ ﭐلْإنسان مميزاتٍ أساسية وجوهرية تُخَوِّلُه أن يتحدد كـ"شخص" له "هوية" تُمَكِّنُه من أن يتفرد بين كائنات ﭐلعالم؟ ما ﭐلذي يسمح لنا بتحديد "قيمة" لِلْإنسان تجعله "شخصا" يَفْضُل كل ﭐلكائنات ويتمتع بحقوق وواجبات؟ وإلى أي حدٍّ يتفرد ﭐلْإنسان بـ"قيمة ﭐلشخص" كذات لها ﭐلقدرة على ﭐلفعل ﭐلواعي وﭐلحر؟ هل يملكـ "ﭐلْإنسان" من ﭐلوعي وﭐلقدرة ما يجعله يتحدد كـ"شخص" حر ومسؤول؟

 

 

1- هوية ﭐلشخص (ﭐلهوية ﭐلشخصية)

 

* تحديد ﭐلْإطار ﭐلْإشكالي: كيف يمكن تحديد "ﭐلوجود ﭐلْإنساني" في هذا ﭐلعالم كوجود يتصف بشكل أساسي وجوهري بمجموعة من ﭐلسمات ﭐلتي تميزه عن "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات"؟ ما هو ﭐلْأساس ﭐلذي تنبني عليه "هوية" ﭐلْإنسان كـ"شخص"؟ هل تتحدد "ﭐلهوية" بما هي مجموعة من ﭐلخصائص ﭐلْأساسية وﭐلجوهرية ﭐلمُقَوِّمة لوجود ﭐلْإنسان في ذاته؟ وهل "هوية ﭐلشخص" مُعطًى أولي وثابت مشتركـ بين كل أفراد ﭐلنوع ﭐلْإنساني أم أنها بناءٌ متفاوتٌ تتحكم فيه شروط ﭐلوجود ﭐلْإنساني في تعددها وتغيرها؟

* مفاصل ﭐلمعالجة:

عمومًا تتحدد "ﭐلهويةُ" (Identitity, l’identité) بأنها "مجموع ﭐلصفات ﭐلتي تُقَوِّمُ ذات ﭐلشيء بشكل أساسي"، أي مجموع ﭐلخصائص ﭐلتي تجعل ﭐلشيء "هو نفسه"، أي "مُمَاثِلًا لنفسه" (identique, soi-même) وقائما بذاته بما هو "ماهية" (une essence) أو "جوهر" (une substance). وﭐلنظر إلى ﭐلْإنسان كـ"شخص" يجعله كائنا يتحدد في هويته بجملة من ﭐلمميزات ﭐلْأساسية وﭐلجوهرية ﭐلتي تَفْصِلُه في آن واحد عن "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات".

إن "ﭐلحس ﭐلمشتركـ" يميل إلى تحديد "ﭐلْإنسان" ككائن يتحقق وجوده في هذا ﭐلعالم بما هو "جسم حي" (أي بصفته جسدا أو بدنا). فـ"وجود ﭐلْإنسان" يتحدد كـ"شيء" (chose) متحقق في هذا ﭐلعالم، لكنه يتجاوز مستوى "ﭐلشيئية" بما هو "جسد" له ﭐلقدرة على "ﭐلحركة" و"ﭐلْإحساس". وهذا ما قد يُوهِمُنا بأن "ﭐلْإنسان" ليس سوى "حيوان" ككل ﭐلكائنات ﭐلحية، بل قد لَا يكون -بما هو عضوية حية تقوم بوظائف- سوى "آلة طبيعية". غير أن "ﭐلْإنسان" يتميز، على ﭐلرغم من كل ما يشتركـ فيه مع ﭐلحيوانات وﭐلْآلَات، بكونه "ذاتا فاعلة" على أساس نوعٍ من "ﭐلوعي ﭐلمُميِّز" و"ﭐلْإرادة ﭐلحرة"، أي أن "ﭐلْإنسان" ليس مجرد "جسم حي" ("جسد" أو "بدن")، بل إنه أيضا وبالْأساس "نفسٌ واعية لها إرادة حرة". وهذه هي ﭐلثنائية ﭐلمعروفة في كل ﭐلثقافات وﭐلمجتمعات منذ أقدم عصور ﭐلتاريخ ﭐلْإنساني. فهل تقوم "هوية" ﭐلْإنسان (بما هو "شخص") على كونه "جسدا" أم بصفته "نفسا"؟ وهل كون ﭐلْإنسان ذاتا فاعلة بوعي وحرية هو ما يجعله "نفسا" أم أن صفات ﭐلوعي وﭐلْقصدية نتاج للجسد ﭐلْإنساني في أرقى وظائفه كما تتجلى في ﭐلدماغ ﭐلبشري ﭐلذي يميز "ﭐلْإنسان" عن "ﭐلحيوان" و"ﭐلْآلة"؟

نجد أن تصور ﭐلوجود ﭐلْإنساني في ﭐلفلسفة ﭐلقديمة، وخصوصا ﭐليونانية، يدور حول مفهوم "ﭐلنفس" (Psukhê, l’âme). فسقراط من خِلَال قوله ﭐلمشهور "اِعرف نفسكـ بنفسكـ" يؤكد أهمية "ﭐلنفس"، ليس فقط كموضوع للمعرفة، بل أيضا بصفتها أهمَّ ما يُقَوِّمُ وجود ﭐلْإنسان كذاتٍ فاعلة لها ﭐلقدرة على ﭐلمعرفة. فـ"ﭐلْإنسان" يتحدد أساسا بما هو "نفس"، لِأن "ﭐلنفس" حقيقة خالدة، في حين أن "ﭐلجسد" (soma) عَرَضٌ فَانٍ وزائل. وهذا هو نفسه موقف أفلَاطون ﭐلذي أكد كذلكـ أن "ﭐلنفس" لها صلةٌ وُثْقَى بـ"عالم ﭐلمُثُل" ﭐلذي هو "عالم ﭐلحقيقة"، مما يجعل ﭐلوجود ﭐلحقيقي للْإنسان مرتبطا بنفسه ﭐلخالدة ونزوعها نحو ﭐلعالم ﭐلعلوي ﭐلذي يسمو على ﭐلعالم ﭐلسفلي (ﭐلحسي-ﭐلمادي، ﭐلمتغير، ﭐلناقص وﭐلمتناقض). أما أرسطو، فيذهب إلى أن جوهر ﭐلْإنسان يتمثل في كونه "حيوانا ناطقا/عاقلًا"، أي بما هو "بدن" (جسم حي) و"نفس" (مبدأ مُدْرِكـ وعاقل)، حيث إن "ﭐلنفس" هي "كمال ﭐلجسم ﭐلحي"، وهي أساس ﭐلجانب ﭐلعاقل فيه.

ولكن يمكننا أن نُلَاحظ أن تصور "ﭐلْإنسان" في ﭐلفلسفة ﭐلقديمة كان قائما على ﭐلثنائية ﭐلمعروفة "بدن/نفس"، وأنه كان -خصوصا في ﭐلفلسفة ﭐليونانية- يُفاضِل بين "ﭐلبدن" و"ﭐلنفس" لصالح هذه ﭐلْأخيرة، وذلكـ على ﭐلرغم من كون موقف أرسطو يُعِيد ﭐلِاعتبار للجانب ﭐلحسي في ﭐلْإنسان (ﭐلبدن)، إذ لَا تُمثِّل "ﭐلنفس" لديه سوى "كمال" أو "غاية" ﭐلجسم ﭐلعضوي ﭐلحي. وعموما يمكن ﭐلقول بأن ﭐلفكر ﭐلقديم لم يَبْلُغْ مفهوم "ﭐلشخص" (بما هو مفهوم كلي ينطبق على كل إنسان)، حيث إن "ﭐلْإنسان" وفق ﭐلتصور ﭐليوناني لم يكن في ﭐلواقع سوى "ﭐلمواطن ﭐليوناني ﭐلحر" في مقابل "ﭐلْأجنبي" (ﭐلبربري) ﭐلذي يمكن ﭐتخاذه عبدًا ؛ وﭐلحال أن ﭐلعبد كان مجرد "شيء" أو "آلة" سخرتها ﭐلطبيعة لخدمة ﭐلسادة وﭐلعمل على تلبية رغباتهم وحاجاتهم. ومن هنا، فإن مفهوم "ﭐلشخص" لم يتبلور، على ﭐلحقيقة، إلا في ﭐلفلسفة ﭐلرواقية ﭐلرومانية (ﭐلْإنسان كذات تلعب دورا محددا، ولها حقوق وعليها وواجبات) وبالْأخص في ﭐلفلسفة ﭐلوسيطية، سواء أكانت مسيحيةً (ﭐلْإنسان كشخص خُلِق على صورة ﭐللـه) أم إسلَامية (ﭐلْإنسان مخلوقٌ إلَاهي مُفَضَّل على أكثر ﭐلعالمين ومُكَلَّفٌ بتحمل ﭐلْأمانة في ﭐلعالم).

وفي إطار ﭐلفلسفة ﭐلحديثة، نجد أن ديكارت (1596-1650) يرى، من خلَال تجربة "ﭐلكوجيطو" ("ﭐلْأنا ﭐلمفكر") أن حقيقة ﭐلْإنسان تتمثل في كونه "شيئا مفكرًا"، أي "ذاتا مفكرة"، حيث إن "ﭐلفكر" هو ﭐلذي يُحدِّد -بشكل جوهري وأساسي- ذات ﭐلْإنسان. و"ﭐلفكر"، كخاصية جوهرية للذات، هو مجموعة من ﭐلصفات ﭐلتي تشمل كلًّا من "ﭐلشكـ" و"ﭐلفهم" و"ﭐلْإثبات" و"ﭐلنفي" و"ﭐلْإرادة" و"ﭐلتخيل" و"ﭐلْإحساس" أيضا. إنها ﭐلخصائص ﭐلتي تُلَازِم طبيعة "ﭐلذات" وتُحدِّد ماهيتها و، بالتالي، تُميزها عن غيرها. وبفضل خاصية "ﭐلفكر" تُعَدُّ "ﭐلذات" واعيةً، أي أنها تُدرِكـ نفسها ككيان متميز وكمصدر للفعل تجاه ﭐلعالم (مجال "ﭐلطبيعة" بما هو مجال يضم "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات"). وهكذا، فإن ديكارت يؤكد أهمية "ﭐلْأنا" (كمعطى أولي وكلي) في تحديد "هوية ﭐلشخص"، وذلكـ بما هي قدرة على ﭐلتفكير بشكل حر ومستقل. ولهذا فإن تصور ديكارت يمثل لحظة أساسية في ﭐلفلسفة ﭐلحديثة في تأكيدها لمفهوم "الذات" كمنطلق لبناء معرفة حقيقية حول ﭐلعالم، معرفة تُمَثِّل ﭐلوسيلة ﭐلتي من شأنها أن تُمَكِّن ﭐلْإنسان من ﭐلسيطرة على عالم ﭐلطبيعة وتَمَلُّكه باعتباره مجرد "موضوع" لتدخل "ﭐلذات".

لكن ﭐلتصور ﭐلديكارتي لـ"ﭐلشخص" يبقى، من خلَال تأكيده لِأهمية "ﭐلذات المفكرة"، منغلقا ضمن ﭐلبعد ﭐلميتافيزيقي للوجود ﭐلْإنساني، حيث إنه لَا يستحضر ﭐلْأبعاد ﭐلْأخرى من هذا ﭐلوجود، خصوصا تلكـ ﭐلتي تتعلق بالشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية ﭐلمُحدِّدة له. وفضلًا عن هذا، فإن هناكـ مشكلة ﭐلثنائية ("بدن/نفس")، إذ أن ﭐعتبار ﭐلوجود ﭐلْإنساني مزدوجًا (ﭐلنفس كجوهر مفكر، وﭐلبدن كجوهر ممتد) يطرح (إلى جانب مشكلة مدى إمكان معرفة "ﭐلنفس" بواسطة ﭐلعلم تماما مثل "ﭐلبدن/ﭐلجسم" كموضوع للفيزياء أو ﭐلطب وﭐلتشريح) مسألة ﭐلعلَاقة ﭐلممكنة بينهما. فأيهما يُحَدِّدُ ﭐلْآخر؟ وكيف يمكن تحقيق ﭐلتوافق بينهما كجوهرين متعارضين؟ وغيرها من ﭐلْإشكالَات ﭐلتي سيشتغل طويلًا بها ﭐلعلماء وﭐلفلَاسفة بعد ديكارت.

وعيًا بما يطرحه ﭐلتصور ﭐلديكارتي من مشكلَات، أتى تصور جون لوكـ (1632-1704) ضمن ﭐلنزعة ﭐلتَّجْرِبِيَّة (ﭐلتَّجْرِبَانِيَّة) ﭐلتي تؤكد أهمية ﭐلتجربة ﭐلحسية في ﭐلمعرفة. فهو يرى أن ﭐلْإنسان لَا يمتلكـ بالفطرة أي معرفة أو أفكار قَبْلِيَّة، لَا عن نفسه ولَا عن ﭐلعالم من حوله، وإنما يُعتبر ذهنه مثل ﭐلصفحة ﭐلبيضاء ﭐلتي تتلقى كل نقوشها وسطورها من ﭐلتجربة ﭐلحسية. ومن هنا، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" تقوم على أساس كون ﭐلْإنسان مفكرًا، وهو ﭐلْأمر ﭐلذي يجعله قادرا على "فعل ﭐلتفكير" ﭐلذي يجعله بدوره يدركـ أنه ذات فاعلة على ﭐمتداد ﭐلزمان وﭐلمكان. ذلكـ بأن كون ﭐلتفكير يتحدد كـ"فِعْلٍ" يجعله يؤدي إلى وجود إحساس بالذات ﭐلتي تقوم بذلكـ ﭐلفعل، وهو إحساس لَا يكاد ينفصل عن فعل ﭐلتفكير، حيث إنه لَا يُمْكِنُ للكائن ﭐلمفكر أن يُدركـ دون أن يعرف أنه هو نفسه ﭐلذي يدركـ. وهذه ﭐلمعرفة مُرَافِقَةٌ دومًا لِإحساساتنا وإدراكاتنا. ولهذا، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ناتجةٌ عن أفعال ﭐلتفكير وﭐلْإحساس في تكرارها وتَعَوُّدها، مما يجعل كل واحد منا يحس بنفسه كـ"أنا" ويدركـ هويته ﭐلشخصية ﭐلتي تمتد بقدر ما يمتد وعيه بأفعاله ﭐلماضية ليستحضرها ويَتَذَكَّرها.

إن أهمية تصور لوكـ تكمن في كونه يربط "ﭐلهوية ﭐلشخصية" بالفكر وﭐلْإدراكـ كفعل تجربي وحسي. فإدراكـ ﭐلذات لنفسها كفكر أو وعي تابعٌ لفعل ﭐلتفكير نفسه كتجربة حسية، وليس مجرد مُعطى فطري يسبق كل تجربة. كما أن أهمية هذا ﭐلتصور تتمثل في تمهيده لتصور ديفيد هيوم (1711-1776) ﭐلذي قام بإعادة ﭐلنظر في مفهوم "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ﭐنطلَاقا من ﭐلمنهج ﭐلتجريبي. إذ أنه يرى أن "ﭐلْأنا" في دلَالتها على ﭐلوعي بالوحدة وﭐلِاستمرار ليست موضوعا للتجربة، حيث إن ما يُجَرِّبه كل مِنَّا إنما هو دائمًا فِعْلٌ جُزْئِيٌّ مُعَيَّنٌ مُتغير باستمرار، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل من ﭐلصعب ﭐلْإمساكـ تجربيا بـ"ﭐلْأنا" في وحدتها وبساطتها. وبالتالي فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ليست سوى وَهْمٍ أو خيالٍ قائمٍ على آليات ﭐلمشابهة وﭐلمقارنة وﭐلربط ﭐلتي تُمَكِّن ﭐلْإنسان من إدراكـ ﭐلعلَاقات بين ﭐلْأشياء وﭐلظواهر على نحوٍ يُسهمُ في بناء نوع من ﭐلذاكرة، ﭐلتي ليست في واقع ﭐلْأمر سوى ﭐنعكاس لتأثير ﭐللغة ﭐلمشتركـ، مما يُفيد أن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" إشكال لغوي محضٌ.

وعلى أساس ذلكـ ﭐلنقد ﭐلهيومي، يرى إيمانويل كنط (1724-1804) أن "ﭐلكوجيطو" في دلَالته على "ﭐلْأنا ﭐلمفكر" لَا يمكن أن يكون حقيقةً مُدْرَكَةً بعيدا عن كل تَمَثُّلٍ يَنْصَبُّ على موضوعٍ خارجِيٍّ. فالذاتُ ﭐلمفكرةُ لَا يُمكِنُها أن تُدركـ نفسها على نحو مباشر بواسطة حدس فكري/ذهني، مما يجعل فعل ﭐلمعرفة يستند حَتْمًا إلى حضور ﭐلموضوع ﭐلخارجي. لكن كنط يعود، رغم ذلكـ، ليؤكد أن هذه "ﭐلذات" تَتَعَالى على كل تجربة، بحيث إنها تتحدد في شكل مجموعة من ﭐلصُّوَر وﭐلْأُطر ﭐلقَبْلِيَّة ﭐلتي تُمَكِّن من بناء ﭐلحُدُوس ﭐلتَّجْرِبِيَّة (ﭐلمتعلقة بالْأشياء) كمواضيع للمعرفة. ومن ثم ينتهي كنط إلى ﭐلقول بأن ﭐلْإنسان يتميز عن ﭐلكائنات ﭐلطبيعية كـ"كائن عاقل" يتجلى كعقل عملي أخلَاقي هو أساس "ﭐلشخص" كغاية في ذاته، غاية قُصوى تتجاوز كل ﭐلغايات وتُعطيه نوعا من ﭐلكرامة ﭐلتي يجب ﭐحترامها على نحوٍ كُلِّيٍ، أي أن "هوية ﭐلشخص" تتمثل في كونه صاحب "إرادةٍ خَيِّرةٍ" تَقُوده إلى ﭐلْإحساس بالواجب بشكل عام وبعيدا عن كل غرض أو منفعة.

ويأتي هيغل (1770-1831) ليتجاوز ذلكـ ﭐلتصور ﭐلشكلي وﭐلمجرد عند كنط. فهو يرى أن وجود ﭐلْإنسان -من حيث هو وجود لذاته (أي وعي) يتميز عن وجود ﭐلْأشياء- إنما هو وجودٌ مُتَجَسِّدٌ على نحو عيني وواقعي. لذا فإن ﭐلوعي -بما هو وعي ﭐلذات بنفسها- ناتجٌ عن صراع ﭐجتماعي وتاريخي يتم من أجل كسب نوع من "ﭐلِاعتراف" ﭐلذي يَحْفَظُ للذات مقام ﭐلوعي بنفسها. ومن هنا، فإن ﭐلوعي صيرورةٌ تاريخية وﭐجتماعية تتجسد في جدل ﭐلسيد وﭐلعبد، أي أن ما يُشَكِّلُ "هوية" ﭐلْإنسان واقعٌ خاضعٌ للتغير وﭐلتناقض ﭐلجدليين من خلَال ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية. وبالتالي فإن "ﭐلشخص" لَا يتجلى كوعي أخلَاقي إلَّا من حيث كونه يمثل "روح ﭐلشعب" كمجموعة من ﭐلْأعراف وﭐلقوانين ﭐلتي يعرف ﭐلفرد بفضلها ﭐلخير وﭐلواجب. ويُعَدُّ تصور هيغل هذا أساسيا في تأكيده للطابع ﭐلمتجسد للوعي وللطابع ﭐلجدلي ﭐلمُمَيِّز للصراع ﭐلِاجتماعي وﭐلتاريخي كصيرورةٍ من أجل ﭐلِاعتراف. ونجد أن كل هذه ﭐلمُحَدِّدات ستفرض نفسها بأشكالٍ مختلفةٍ على ﭐلفلَاسفة وﭐلمفكرين ﭐللَّاحقين لهيغل (خصوصا شوﭙنهاور، نيتشه، ماركس، فرويد).  

وفي أعقاب ذلكـ كله يأتي جول لشوليي (1832-1918)، في نهاية القرن 19، ليؤكد أن "هوية ﭐلشخص" تتأسس على "وحدة ﭐلطبع" و"ترابط ﭐلذكريات". ومن أجل بلورة هذا ﭐلتصور يعمل، أولًا، على إزاحة ﭐلتصور ﭐلشائع ﭐلذي ينظر إلى "ﭐلهوية ﭐلشخصية" كوحدةٍ وثباتٍ يُقَوِّمان على نحوٍ جوهري (أي أصلي ودائم) "ﭐلشخص" بما هو "ذات" أو "أنا". إذ توجد جملةٌ من ﭐلوقائع تُفَنِّد في نظره مثل ذلكـ ﭐلتصور. فالْإنسان في حالة ﭐلنوم يفتقد "ﭐلْأنا" (كحضور ذهني) أو له فقط "أنا" متخيل (كإدراكـ حَالِم) سرعان ما يتلَاشى حين ﭐليقظة ؛ وكذلكـ فإن ﭐلْإنسان في حالة ﭐلمرض له أنا أول وأنا آخر متناوبان داخله، وأحدهما فقط يُدرِكـ ﭐلْآخر. ولهذا، فإنه من ﭐلصعب جِدًّا في نظر لشوليي أن نُرْجِعَ حالَاتِنَا ﭐلداخلية إلى "ﭐلْأنا" أو "ﭐلذات" كوحدةٍ مستقلة، مُتَّسِقَة ودائمة. وبالتالي، فلَا شيء آخر يُثبت في ﭐلواقع ﭐلفعلي "ﭐلهوية ﭐلشخصية" غير "دوام ﭐلطبع" و"ترابط ﭐلذكريات". ذلكـ بأن كل إنسان يأتي أفعاله بطريقة مُحدَّدة وﭐعتيادية تجعل تصرفه أو سلوكه يتصف بعدد من ﭐلسمات، ثم إن إدراكاتنا أو حالَاتنا ﭐلنفسية يرتبط بعضها ببعض على نحو يجعل وعينا ﭐلتذكري يربط بين ﭐلماضي وﭐلحاضر في مسار حياتنا. وهكذا فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" في نظر لشوليي ليست معطاةً على نحو أولي وأصلي، كما كان يُعتقد سابقا، وإنما هي مجرد ﭐنعكاس -مباشر ومتواصل بهذا ﭐلقدر أو ذاكـ- لِإدراكاتنا ﭐلماضية في إدراكاتنا ﭐلحاضرة. ومن ثم، فإن تحديد "ﭐلهوية ﭐلشخصية" يقتضي ﭐلتخلي، في آن واحد، عن مفهوم "ﭐلْأنا" باعتباره أحد أوهام علم ﭐلنفس، و عن "ﭐلجوهر" كأحد أوهام ﭐلميتافيزيقا، مما يجعلها تتحدد بشكل فعلي كمجموعة من ﭐلظواهر ﭐلمتعلقة بالطبع ﭐلسلوكي وما يرتبط به من وعي تذكري.

ونُلَاحظ أن لشوليي وظف في بناء تصوره ذاكـ جملةً من ﭐلمفاهيم ﭐلتي تنتمي إلى مجال علم ﭐلنفس (ﭐلطبع، ﭐلذاكرة، ﭐلْإدراكـ، ﭐلوعي/ﭐلشعور)، مما قد يشير إلى أنه يعتمد ﭐلمنظور ﭐلنفسي في تحديده لـ"هوية ﭐلشخص". لكنه في ﭐلواقع يعتبر أن "ﭐلْأنا" ليس سوى وهم من أوهام علم ﭐلنفس، تماما مثل "ﭐلجوهر" في ﭐلفلسفة. وبناء على هذا، يستنتج أن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" لَا تتحدد لَا بـ"ﭐلعقل" ولَا بـ"ﭐلحرية" ولَا بـ"ﭐلروح"، فلَا شيء ثابت فيها يمكن أن يوصف كـ"جوهر"، وإنما يتعلق ﭐلْأمر بـ"ﭐلطبع" و"ﭐلذاكرة" كمجموعة من ﭐلسمات ﭐلتي تميز ﭐلْإدراكات وﭐلحالَات ﭐلنفسية كما تعبر عن نفسها في وقائع ﭐلسلوكـ. غير أن لشوليي لَا يعتمد على "علم ﭐلنفس" بشكل أساسي لِإيمانه بأن ﭐلفلسفة يمكنها أن تقوم كمجال معرفي مستقل. ولذا لَا يحدد ﭐلكيفية ﭐلتي يكتسب بها ﭐلشخص طبعه ﭐلسلوكي ووعيه ﭐلتذكري: فهل يتم ﭐلْأمر على نحو تلقائي أم أنه يتم ضمن ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية وﭐلثقافية ﭐلتي ترتبط بالوسط حيث يعيش ﭐلمرء وﭐلتي يدرسها "علم ﭐلنفس" مثلًا؟ إن لشوليي ينتهي، بعد كل ذلكـ، إلى أن حقيقة ﭐلْإنسان ﭐلداخلية مزدوجة: فهناكـ مجال ﭐلوعي كإدراكات حسية، ومجال ﭐلفكر كنور ينشر هذا ﭐلوعي على ﭐلْإحساسات. ومن هنا فلَا بأس في نظره من أن يكون ﭐلْإنسان موضوعا لعلمين متميزين، "علم ﭐلنفس" ﭐلذي يتناول مجال ﭐلوعي، و"ﭐلميتافيزيقا" ﭐلتي تتناول ﭐلفكر في ذاته، من جهة مصدره كنور. ومن خلَال هذا نُلَاحظ محدودية تصور لشوليي ﭐلذي يبدو أنه لم يَستثْمِرْ بقدر كَافٍ أهم ما أعطاه ﭐلفلَاسفة ﭐلذين سبقوه أو عاصروه (هيغل، شوﭙنهاور، نيتشه، كونت، ماركس، وفرويد)، وهي ﭐلعطاآت ﭐلتي تَصُبُّ، من ناحية، في ﭐتجاه تقويض مفهوم "ﭐلذات" كأنًا مفكر وواعٍ و، من ناحية أخرى، في تأكيد أهمية ﭐلشروط ﭐلطبيعية وﭐلِاجتماعية ﭐلمحدِّدة لقيام ﭐلفاعلية ﭐلواعية لدى ﭐلْإنسان. وعلى هذا ﭐلْأساس، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" تصير موضوعا للتغير وﭐلتعدد والتناقض.

كان لَا بُد، إذن، من ﭐنتظار مجيء سيغموند فرويد (1856-1939) ﭐلذي ﭐستفاد من تلكـ ﭐلعطاآت على نَحْوٍ مَكَّنَهُ من بناء تصور مختلف وغني. فهو يرى أن ثمة عددًا من ﭐلحالَات وﭐلْأفعال ﭐلنفسية (ﭐلْأحلَام، فلتات ﭐللسان، ﭐلنكت، إلخ.) ﭐلتي لَا يُمكن فهمُها وتفسيرُها فقط بِرَدِّها إلى أسبابٍ يشهد لها "ﭐلوعي" في ﭐلحياة ﭐلشعورية ﭐلعادية للشخص، بل إنها لَا تأخذ معناها ﭐلكامل وتكتسب نوعا من ﭐلِاتِّسَاق إلَّا إذا ﭐفترضنا وجود حياة نفسية لَاشُعورية. ذلكـ بأن ﭐلطبيعة زَوَّدت ﭐلْإنسان بطاقة حَيَوِيَّة (ﭐللبيدو) هي مجموع ﭐلنزوات وﭐلرغبات وﭐلشهوات ﭐلتي تدفع أو تُحَرِّكـ ﭐلْإنسان منذ طفولته ﭐلْأولى وﭐلتي تطلب ﭐلْإشباع، مما يجعلها لَا تخضع إلَّا إلى مبدإ طلب ﭐللذة وﭐجتناب ﭐلْألم. لكن ظروف ﭐلحياة ﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية، ﭐلتي تحكم حياة ﭐلْإنسان، تُواجه ﭐلنزوع ﭐلطبيعي نحو ﭐللذة بـ"مبدإ ﭐلواقع" ﭐلذي يَكُفُّ "غريزة ﭐلحياة" ويمنع ﭐلْإنسان من ﭐلِاستسلَام لـ"غريزة ﭐلموت" في سعيه نحو ﭐلِاستجابة ﭐلعمياء لدوافعه ﭐللِّبِيدِيَّة، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعله يتعلم -منذ فترة ﭐلرضاع- أن هناكـ نزوات يجب تأجيلها وإرجاؤها، وبالتالي قمعُها وإخفاؤُها. وهكذا فإن شخصية ﭐلْإنسان تتحدد بنيتها ﭐلنفسية منذ ﭐلسنوات ﭐلْأولى من ﭐلطفولة، حيث إن تَشَكُّل هيئات ﭐلجهاز ﭐلنفسي (ﭐلهو، ﭐلْأنا، ﭐلْأنا ﭐلْأعلى) يتم في هذه ﭐلفترة، باعتبار أن ﭐلطاقة ﭐلحيوية ﭐلمُكَوِّنة لهيئة "ﭐلهو" تصطدم، في نزوعها نحو ﭐلْإشباع، بـ"ﭐلواقع ﭐلخارجي"، مما يؤدي إلى نشوء هيئة "ﭐلْأنا"، كجزء وسيط بين "ﭐلهو" و"ﭐلواقع ﭐلخارجي"، يتحكم في ﭐلحركات ﭐلْإرادية ويؤدي وظيفة حفظ ﭐلتوازن بين ﭐلضغط ﭐلقادم من "ﭐلهو" وﭐلضغط ﭐلْآتي من "ﭐلْأنا ﭐلْأعلى" (مجموع ﭐلقيم ﭐلْأخلَاقية في مجتمع وثقافة معينين، وﭐلمتجسدة في ﭐلممنوعات وﭐلمحرمات ﭐلقائمة ﭐلتي يستدمجها ﭐلطفل أساسا من خلَال علَاقته بوالديه). وفي خضم هذا ﭐلصراع، تبدو شخصية ﭐلمرء واقعةً تحت تأثير ﭐلدوافع ﭐللَّاشعورية ﭐلناتجة عن عملية ﭐلكبت ﭐلتي تُوَجِّهُ وتُقَنِّنُ ﭐلطاقة ﭐلحيوية للْإنسان حسب ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية ﭐلتي حَدَّدَت طفولته، وﭐلتي تعبر عن نفسها رمزيا عن طريق ﭐلْإعلَاء في ﭐلحالة ﭐلعادية أو ماديا عن طريق ﭐلْأمراض ﭐلنفسية وﭐلعصبية عندما يفقد ﭐلْأنا زِمام ﭐلْأمور في عمله على حفظ ﭐلتوازن بين ﭐلمطالب ﭐلمتعارضة لكل من "ﭐلواقع ﭐلخارجي" و"ﭐلهو" و"ﭐلْأنا ﭐلْأعلى".

يقوم إذن تصور فرويد على أن "هوية ﭐلشخص" تتحدد كبنيةٍ نفسيَّةٍ ناتجة عن ﭐلصراع بين ﭐلهيئات ﭐلثلَاث في علَاقتها بالواقع ﭐلخارجي، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل "ﭐلْأنا" -وهو يسعى للقيام بمهمة ﭐلوساطة بين أسياده ﭐلثلَاثة تلبيةً لمطالبهم ومن أجل ضمان وحفظ ﭐلتوازن بينهم- يُواجِه صعوبات كبرى ويعيش في قلق دائم. ومن هنا، فإن ﭐلبنية ﭐلنفسية للشخص في ﭐلمنظور ﭐلفرويدي تتحكم فيها أساسا ﭐلدوافع ﭐللَّاشُعُورية على نحوٍ يجعل "ﭐلْأنا لَا يكون أبدًا سَيِّدًا في منزله". وهكذا فإن أهمية موقف فرويد تتمثل في مُراجعة ﭐلتصور ﭐلتقليدي ﭐلذي ينظر إلى ﭐلذات كـ"أنا" واعٍ له ﭐلقدرة على ﭐلفعل وﭐلِاختيار. ففرويد يؤكد أن ﭐلجانب ﭐلواعي في "ﭐلشخصية" ضعيف جدا إلى ﭐلحد ﭐلذي يجعل "ﭐلْأنا" مجرد عبدٍ خادمٍ تُطَوِّح به في كل ﭐتجاه ﭐلمطالب ﭐلمُلِحَّة وﭐلمتعارضة لِأسياده ﭐلثلَاثة ﭐلْأشدء وﭐلمستبدين. كما أن تصور فرويد يُبَيِّن قيمة ﭐلعوامل ﭐلخارجية في تحديد "هوية ﭐلشخص"، وبالخصوص أهمية ﭐلمسار ﭐلتاريخي للشخص في مجتمعه ومن خلَال ثقافته، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل ﭐلبنية ﭐلنفسية للشخص ذات طابع تَكَوُّني وحركي، وذلكـ بفعل ﭐلتعارض وﭐلصراع ﭐلموجودين بين "ﭐلْأنا" من جهة، وبين "ﭐلواقع" و"ﭐلهو" و"ﭐلْأنا ﭐلْأعلى" من جهة أخرى. لكن ﭐلتصور ﭐلفرويدي، في ﭐلوقت نفسه ﭐلذي يُظهِر محدودية ﭐلمواقف ﭐلتي تنظر إلى ﭐلذات كـ"أنا" واعٍ وحر، فإنه يبدو -من خلَال إبرازه لدور ﭐللَّاشعور- مَيَّالًا إلى ﭐلنزعة ﭐلحتمية (ﭐلحَتْمَانية) ﭐلتي لَا تتركـ لِلْإنسان، بما هو فرد، أي خيار أمام ضرورة ﭐلشروط ﭐلطبيعية وﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية وﭐلتاريخية ﭐلتي تُحَدِّد و، من ثم، تَحُدُّ وجوده وفاعليته في هذا ﭐلعالم. وهذا ما يجعل ﭐلقول بوجود حَتميةٍ لَاشُعُوريةٍ مُتحكمةٍ في فاعلية ﭐلذات يطرح مشكلةَ ﭐلْإرادة وﭐلحرية وﭐلمسئولية، وبالتالي قيمة "ﭐلشخص" ﭐلْإنساني إزاء ﭐلكائنات ﭐلطبيعية وﭐلحيوانية.

* تركيب وﭐستنتاج

يتعلق إشكال "هوية ﭐلشخص" (أو "ﭐلهوية ﭐلشخصية") بمجموع ﭐلخصائص ﭐلتي تُحدِّد وجود ﭐلْإنسان من حيث هو وجود متميز عن وجود ﭐلكائنات ﭐلْأخرى. وتقوم ﭐلمعالجة ﭐلفلسفية لهذا ﭐلْإشكال بإبراز أهمية "ﭐلنفس" سواء في تميزها عن "ﭐلبدن" (كما هو ﭐلحال في ﭐلفلسفة ﭐليونانية، خصوصا مع سقراط وأفلَاطون، وإلى حدٍّ ما مع أرسطو كذلكـ) أو في تحديدها للجانب ﭐلعاقل أو ﭐلواعي في ﭐلْإنسان (كما عند ديكارت في تأكيده

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ٱلمقاومة بين فلسفة ٱلنقض وفلسفة ٱلجهاد

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 22 مارس 2009 الساعة: 18:11 م

 

 
لعل من أكبر وأهم ٱلأسئلة، ٱللّتي يُفترض أن تثور في نفوس وعقول كثير من ٱلمتفلسفين، ذاكـ ٱللذي يدور حول ما حدث وأُحْدِث، على ٱمتداد ثلاثة وعشرين يوما، في قطاع غزة بفلسطين على أيدي "ٱلإنسان" ٱلصهيوني-ٱلإسرائيلي. فما ٱللذي يمكن (وينبغي) للفليسوف أن يقوله عن ذالكـ؟ هل يمكن للمرء أن يتفلسف بخصوص هذه ٱلأحداث ٱلفاجعة وٱلمأساوية؟
إننا ما نكاد نضع هذا ٱلسؤال حتى يلوح في أذهان كثير من ٱلناس ممن يتلقونه أمر قاطع وباتّ: ليس هذا بوقت ٱلتفلسف يا هذا! وإنما هو وقت ٱلنفور وٱلقيام! فماذا يُجدي ٱلتفلسف حين تشتد مكاره ٱلحرب وتَحمَى مِحن ٱلمُدافعة؟ ألا إن كل محاولة في ٱلتفلسف حينئذ ليست سوى هروب سهل من ٱلواقع ٱلكريه، هروب يؤكد -لمن لا يزال في حاجة إلى تأكيد- أن "ٱلفلسفة" أُلهُوّة من ليس لديه ما يُلهيه من ٱلمترفين وٱلقاعدين وٱلمتخلفين يوم ينادي ٱلمنادي للزحف وٱلزحام!
حقا، إن ٱلمرء لم يعد يجدر به أن يَدّعي أن مُمْكنات ٱلخطاب وٱلفكر تملكـ أن تُعوض وقائع ٱلقيام ٱلفعلي وٱلحي في ٱلميادين ٱلمختلفة للمواجهة. لاكن، لا يصح أن يُتوهم -كما هو ٱلحال عند كثير من ٱلمتدخلين في ٱلمجال ٱلعربي/ٱلإسلامي- أن ٱلواقع قائم فقط بتضارب ٱلأيدي وسعي ٱلأرجل. إذ مثل هذا ٱلزعم يُغفل أن ٱللسان وٱلقلم صِنْوانِ للسيف في ٱلمغالبة، بل هما نِدّان له تكون لهما ٱلغَلَبة عليه كما في عصرنا، وخصوصا كما أثبت ٱلصهاينة وٱلمتصهينون عبر ٱلعالم، وهم ٱللّذين يُمسكون بمقاليد ٱلفكر وٱلنشر بالقدر نفسه ٱللّذي يتحكمون في سُبُل ٱلقوة وأزِمَّة ٱلنفوذ وٱلسلطان، على نحو صار مَدعاة لهم (ولغيرهم) للتفاخر بمواهبهم ٱلخاصة في ٱلنبوغ وٱلعبقرية بين ٱلعالمين.
ولا يخفى، إلا على جاهل أو مكابر، أن "ٱلمسجد ٱلأقصى" يُعد ثالث ٱلحرمين عند ٱلمسلمين، فهو مَسرى رسول ٱلله (صلى ٱلله عليه وسلم)، وأن ما حوله من أرض فلسطين مباركـ ومقدس عند ٱليهود وٱلنصارى وٱلمسلمين. وفضلا عن ذالكـ، فإن "ٱلأقصى" أحد أجمل ٱلآثار ٱلتاريخية في ٱلعالم. ولاكن "ٱلأقصى" بناء عمراني ما فتئ يتعرض للنقض على أيدي ٱلصهاينة من بني إسرائيل. هذا أدنى ما يعلمه ٱلعرب وٱلمسلمون (وكثير من ٱلناس). غير أن أقصى ما يجهلونه إنما هو أن عملية "ٱلهدم" قائمة في نفوسهم وأذهانهم مذ كانوا، حيث أظلتهم فتنة كبرى آلت بآثارها ٱلبعيدة إلى فِتَن كقطع ٱلليل ٱلمظلم صارت تُطوّح بهم ٱلآن في كل ٱتجاه، فتن هي جِماع واقعهم ٱلاجتماعي-ٱلاقتصادي-ٱلسياسي-ٱلثقافي ٱللّذي يُفصح عن نفسه في مُعضلات ٱلجهل وٱلفقر وٱلمرض وٱلظلم ٱللّتي تُحيط بالسواد ٱلأعظم من ٱلعرب وٱلمسلمين في مشارق ٱلأرض ومغاربها. ولأنهم بهذه ٱلحال ٱلبئيسة وٱلمُزرية، لم يتورع ٱلجيش ٱلصهيوني عن أن يجتاح "قطاع غزة" ويَعيث فيه دمارا وفسادا طوال ثلاثة وعشرين يوما، كما فعل من قبل في مواقع كثيرة صارت مآسي مشهودة ومراثي مذكورة في ٱلتاريخ ٱلمعاصر (دير ياسين، جنين، قانا، إلخ.).
إننا نعلم أن بني إسرائيل ما ٱنفكوا، بما كسبت أيديهم وبما مُدَّ إليهم من حبال من أوروبا وأمريكا، يسومون ٱلعرب وٱلمسلمين بفلسطين وما حولها سوء ٱلعذاب منذ قرن تقريبا. ولقد تمكنوا في ٱلأرض إلى ٱلحد ٱلذي جعلهم يَعْلُون فيها "عُلوا كبيرا" كما وعد (وتوعد) ٱلله في قرآنه (ٱلإسراء: 4-7)، وكما يشهد ٱلتاريخ ٱلمعاصر، ولا سيما ما أوقعوه بلبنان في صيف 2006 وفي غزة من قريب.
تُرى، كيف يمكن (بل يجب) أن نفهم جرائر (وجرائم) "ٱلإنسان" ٱلإسرائيلي-ٱلصهيوني تجاه "ٱلإنسان" ٱلعربي-ٱلمسلم؟ في أي سياق ينبغي وضع هذه ٱلمواجهة؟ وبأي خلفية ذهنية وعقدية يمكن أن تُدرَكـ وتُفهَم؟
يحسن، ٱبتداء، تأكيد أن فلسطين وما حولها تُعَدّ -مذ كانت- أرض رباط للأنبياء وٱلرسل وتابعيهم. وصلة "ٱلرباط" بـ"ٱلجهاد" أوثق ما تكون، فهو رباط للمجاهدة ٱلروحية ورباط للمجاهدة ٱلقتالية. ولقد صار من ٱلمعلوم للناس أن أراضي ٱلمسلمين تكاد تكون وحدها ٱلأراضي ٱلمستباحة من طرف ٱلقُوى ٱلمهيمنة في ٱلعالم ٱليوم (فلسطين، أفغانستان، ٱلعراق، ٱلصومال، لبنان، ٱلسودان، إلخ.). لكنها تُعد، في ٱلوقت نفسه، أراضي حُبلى وولودا دائما، ليس فقط بالمنافع وٱلخيرات، بل أيضا بالمجاهدين وٱلمقاومين، حماة ٱلذمم وصانعي ٱلقيم.
ولقد بات مؤكدًا أنه لا شيء يقف بالمرصاد لمخططات وأطماع ٱلمستكبرين عبر ٱلتاريخ، وخصوصا ٱلآن، أكثر وأحسن من حركات ٱلجهاد وٱلمقاومة في بلاد ٱلمسلمين. ولهذا تكالبت زُمَر ٱلمُبطلين وٱلمفسدين لتشويه وتزييف عمل تلكـ ٱلحركات، وذالكـ بواسطة خطط صارت تُسمى -من دون أي تردد- "محاربة ٱلجهاديين"، بعد أن كانت تُسمى محاربة "ٱلإرهاب وٱلإرهابيين". وإنه لَمِمَّا تُلح ٱلحاجة إلى إبرازه وإدراكه أن ثمة فلسفة كاملة تقف وراء هذه ٱلمحاربة ٱللتي تعمل أساسا على نقض قيم ومبادئ ٱلإسلام من حيث إنها قيم ومبادئ تقوم على ٱلجهاد وتُربي روح ٱلمقاومة بين ٱلمسلمين.
من أجل ذالكـ، كان لا بد من تَبَيُّن "فلسفة ٱلنقض" تلكـ من حيث أسسُها وآلياتُها وأغراضُها على نحو يُمكِّن، بالمقابل، من إقامة "فلسفة للجهاد" بما هي "مُغالبة عملية في ٱلجهد ٱلعمراني" تتجسد كـ"مقاومة" و"قيام" لمناهضة أعمال ٱلظلم وٱلباطل وٱلفساد، وتؤدي إلى ظهور (بالمعنى ٱلمزدوج: كـ"بُروز" وكـ"

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

وجهة الإسلام بين قوته الإرهابية وإمكانات استعماله الاسترهابية

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 9 يوليو 2008 الساعة: 18:20 م

    لقد ﭐستشرى، على ﭐلمستوى ﭐلعالمي، إنتاج ﭐلخطاب حول ما شاعت تسميته في ﭐلعربية بـالإرهاب ويسمى -مع حفظ الفارق- فِي ﭐللغات ﭐلْأوروبية «terrorism(e,o)»، حتى صار كل فعل فردي أو جماعي وكل رد رفيق أو عنيف يخالف، بهذا ﭐلقدر أو ذاكـ، ما يكرسه ﭐلعرف ﭐلسائد فِي فضاء ﭐجتماعي معين، معرضا لأن يُوصَمَ بـﭐلْإرهاب ويُوصَفَ صاحبه بأنه إرهابِي. ونجد أن أمريكا وإسرائيل، مع كل أتباعهما وحلفائهما عبر العالم، يزعمون أن من بين أهم الأخطار والتحديات اللتي تواجه الإنسانية اليوم، وربما في المستقبل أيضا، هناكـ الإرهاب ؛ وأن ما يميز هذا الإرهاب هو كونه يستند إلى الدين، ليس إلى أي دين من الأديان اللتي يَعِجُّ بها العالم، وإنما هو إرهاب ديني يرتكز أساسا على الإسلام وينتشر فعليا بين المسلمين. وإذا علمنا أن المسلمين يمثلون في العالم اليوم مليارا ونصفا، وأنهم ينتشرون عبر القارات الخمس، حيث إنهم يمثلون في عدد من الدول أكثرية (أكثر من خمسين دولة عبر العالم) وفي بعضها أقلية قد تبلغ مئة مليون (كما في الهند) وحيث إنهم لا تكاد تخلو منهم دولة، فإن الأمر يزداد خطورة وشدة !
    هكذا صارت تلوح الصورة في أذهان كثير من الناس في العالم، بعدما تم عرضها وفرضها، بكل الأدوات المتوفرة والناجعة. ومن ثم، فإن الإرهاب الإسلامي قد أصبح هو الخطر الحقيقي اللذي يزعج النفوس اللتي كانت موضوعا لفعل وتأثير حملات الإنذار بالشر الجديد اللذي يهدد عالم البشرية الآن.     
    ولقد أعطت هجمات 11 سبتمبر 2001 كل ما كان يلزم من شرعية وقوة لما أصبحت تسميه القوى المهيمنة في العالم، بزعامة الولايات المتحدة، محاربة الإرهاب. فمنذئذ صارت كل حرب تخوضها تلك القوى (وهي هيئات جَمْعِية مُنَظمِيَّة ومُؤسَّسِية لا تنحصر في دول) تبرر بالنسبة إلى محاربة الإرهاب، بِما هي القضية الِاستعجالية الكبرى في العالم اليوم. وليس يخفى أن هذه القوى تعرض (وتفرض) مسألة محاربة الإرهاب بواسطة نَسق تبليغي وتدليلي يشكل خطابا كاملا ويبدو وقد ضُمِنت له كل مقومات الِاستمالة والِاستقطاب.
    ولعل من أشد ما تعانيه ﭐللغة ﭐلعربية أن تكون مَجْلًى لِما يَحْيَاهُ عموم مستعمليها، خَاصِّـيَّهمْ وعَامِّـيَّهم على سَوَاءٍ، من مُمارسات ﭐلتقليد، إما فِي ﭐتِّجاهِ مَاضٍ مَحلي مَجيد وإما فِي ﭐتِّجاهِ حاضرٍ أجنبِي باهر. فعلى ﭐلعكس من ﭐللغات ﭐلغالبة فِي ﭐلعالَم ﭐليوم، ﭐللَّتِي يَجتهد مستعملوها مَا وَسِعَهُمُ ﭐلْأمر فِي ﭐلبناء وﭐلْإبداع من خلَال ما تُـتِـيحُه لَهم، تظل ﭐلعربية مَوْقُوفَةً حَصْرًا لتكرار تراثٍ متفلت أو مُحاكاة تداول مَخصوص. وإننا لا نَحتاج أن نذهب بعيدا في البحث لنتبيَّن أن مستعملي ﭐلعربية ﭐلْمحدثيـن لَا يتورعون عن ﭐستعمالِها بشكل فاسد ومفسد، ﭐستعمال يَخرج، في غالب الأحيان، عن الشروط التصريفية والتركيبية والتداولية المحددة لها. وإن فُشُوّ استعمال لفظي إرهاب وإرهابي لَهُوَ وَاحِدٌ من الأدلة البينة على ذالكـ .
   لقد شاع ﭐستعمال لفظ ﭐلْإرهاب تَرْجَمة للمصطلح ﭐلْأجنبِي «terrorism/terrrorisme». ولفظ ﭐلْإرهاب -فِي ﭐلعربية- ﭐسمُ فِعْلٍ (هو اللذي شاعت تسميته، خطأ، بـﭐلْمصدر) مِنْ أَرْهَـبَـ(ـهُ)¬ يُرْهِـبُـ(ـهُ) بِمَعْنَى أخافَـ(ـهُ) وأَفْزَعَـ(ـهُ). ونَجدُ فِي ﭐلْمعجم ﭐلوسيط (بِما هو واحد من أهم ﭐلقواميس ﭐلْحديثة فِي ﭐلعربية) : ﭐلْإرهابيون وصفٌ يُطلق عَلَى ﭐلذِين يسلكون سبيل ﭐلعنف وﭐلْإرهاب لتحقيق أهدافهم ﭐلسياسية. ونفهم من هذا أن لفظي إرهابِي وإرهاب ﭐسْـتُـعِيـرَا، هنا، لِأداء ﭐلْمعنَى ﭐلْمتعلق باللفظيْن ﭐلْأجنبيَّـيْنِ : ﭐلصفة (terrorist/terroriste) وﭐلِاسم (terrorism/terrrorisme). لَاكِنَّ أولَائكـ ﭐللَّذِين ﭐستعاروا لفظي إرهاب وإرهابِي بِهَذَا ﭐلشكل أغفلوا مقتضى تداوليا يتحدد بالِاستعمال ﭐلقرآنِي لِلَّفظ، ﭐلوارد فِي ﭐلسياق ﭐلتالِي : «وَلَايَحْسَبَنَّ ﭐللَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا :إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ. وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا ﭐسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ ﭐلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ﭐللَّاهِ وَعَدُوَّكُم، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ، ﭐللَّاهُ يَعْلَمُهُمْ. وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ﭐللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ.» (ﭐلْأَنْفَالُ : 59-60)، حيث إن هَذَا ﭐلسياق يَجعل لفظ ترهبون يتحدد، نَحْوِيًّا، بأنه فِعْلٌ بِمعنَى تُخِيفُونَ ؛ و، من ثَم، فلفظ ﭐلْإرهاب ﭐسمُ فِعْلٍ يدل على معنى حصول أو تحصيل الرهبة لدى الغير بسبب لْخوف للَازِم، ﺑِﭑلضرورة،عن كل إعداد للقوة،أي أنه لَيْسَ ﭐستعمالًا معينا للقوة ؛ مِمَّا يَجعل فعل أرهب يقابل ما يعبِّر عنه ﭐلغربيون بـ «terrorize/terroriser»أَوْ «terrify/terrfier»، بِمَعْنَى خَوَّفَ/فَزَّعَ. ومن هنا، فإن الأمر الموجود في الآيتين السابقتين والمتعلق بدعوة المسلمين إلى إعداد القوة - مطلق ﭐلقوة (ما ﭐستطعتم من قوة)-، ثم شيء من ﭐلقوة ﭐلحربية (ومن رباط ﭐلخيل) دعوة إلَى ﭐلإرهاب (أي ﭐلْإخافة وﭐلتخويف)، بِما أن إعداد ﭐلقوة مطلوب لغاية تتحدد فِي إرهاب عدو ﭐللَّاهِ وعدوكم !
    وبناء على ذالكـ، أفلَا يكون صنيع أصحاب لْمعجم لوسيط (باختيارهم لفظي إرهاب وإرهابِي) تشريعا لغويا-دينيا لـﭐستعمال ﭐلعنف لتحقيق أغراض سياسية؟ ألَا يكون، إذًا، ﭐستعمال ﭐلعرب وﭐلْمستعربيـن ﭐلْآن للفظ إرهاب وإرهابِي ﭐستعمالًا يَجعل ﭐلْإسلَام دينا يُشَرِّع ﭐلْإرهاب (دين إرهاب ودينا إرهابيا) ويَجعل، من ثَم، ﭐلْمسلميـن إرهابييـن؟ ألا يكون هذا تبريرا لا غبار عليه للحرب العالمية ضد الإرهاب الإسلامي، الإرهاب الخاص بالمسلمين؟ ترى، إلَى أي حَدٍّ يقبل ﭐلْمسلمون أن يكونوا أصحاب دين يقوم على الدعوة إلى ﭐلإرهاب فِي ظل ﭐلتوجه ﭐلعالَمي إلَى ﭐستئصال ﭐلْإرهاب بِما هو عنف غيْر مشروع يهدد ﭐلسلَام ﭐلْمدنِي فِي مُجتمعات ﭐلعالَم ﭐلْمعاصر؟ 
    إن ﭐستعمال ﭐلقوة والعنف لتحقيق غرض سياسي معين قد أتى ذكره فِي ﭐلقرآن نفسه بشأن موسى مع سحرة فرعون : «وَجَاءَ ﭐلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ، قَالُوا : إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الْإسلَام بين التَّأَسْلُم والْإسلَامَانِيَّة

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 2 فبراير 2008 الساعة: 11:40 ص

«اعتبار الإسلام السبب المحدِّد أو المهـيمن في كل الظواهر الثقافية [المرتبطة بحياة المسلمين] أمر لا يَقِلُّ في تعسفه عن اعتبار الدين المعيش مجرد انعكاس للبنيات الاقتصادية والاجتماعية » (بيير بورديو، اجتماعيات الجزائر، ص. 96)
 
كان "الإسلام" ولا يزال (وسيبقى بالتأكيد) أحد المكونات الأساسية في صيرورة العالم، وذالكـ منذ أواسط القرن السابع بعد ميلاد المسيح. وإذا كان هناكـ بعض الناس، حتى بين المسلمين أنفسهم، ممن يجدون صعوبة في الاعتراف بهذا، فيكفي التذكير (والتذكر) بأن "الإسلام" ابتدأ دعوة دينية بأم القرى العربية (مكة) في نهاية العقد الأول من القرن السابع (610 م) وما لبث أن شمل شبه الجزيرة العربية كلها وأطل على حدود الصين شرقا وعلى حدود فرنسا غربا. وكل هذا تم بعد قرن واحد فقط من قيامه. وبقي "الإسلام" يتوسع ويترسخ على كل المستويات إلى أن صار "حضارة عالمية" (وفق تعبير مارشال هودسون) امتدت مهيمنة إلى حدود نهاية القرن السابع عشر الميلادي (حصار فيينا الثاني في 1683). ونتيجة لهذه القرون من التوسع والتجذر، صار "الإسلام" أحد أكبر الأديان الحضارية في العالم المعاصر، إذ يبلغ أتباعه اليوم أكثر من مليار ونصف، يتوزعون على كل القارات ويوجدون تقريبا في كل دول العالم المعاصر. ولهذا يكفي الآن، في بداية القرن الحادي والعشرين (بعد أربعة عشر قرنا)، أن تكتب كلمة "إسلام" (بالحروف اللاتينية « islam ») في محركـ البحث "ﮔُﻭﮔَﻝْ" على الشبكة العالمية للتواصل الحاسوبي لترى أنه يأتي في المرتبة الأولى (أكثر من مئة مليون تردد لـ"الإسلام" مقابل حوالي خمسين مليون تردد لـ"المسيحية") متقدما جدا على كل الديانات الكبرى (النصرانية، البرهمانية، البوذية، اليهودية).
لا شكـ أن هذا يمثل مصدر اعتزاز وفخر لدى كثير من المسلمين في العالم. لاكنه يعد، في الوقت نفسه، باعثا على القلق والانزعاج لدى غيرهم (من الخصوم والمنافسين والأعداء). وإنه لمن حق المسلمين في العالم أن يعتزوا بدينهم ويفخروا بتاريخهم الحضاري. ولاكن من حق غيرهم أن يقلق وينزعج من حضور "الإسلام" كقوة فاعلة ومؤثرة في العالم المعاصر، خصوصا حينما لا تكون دائما هذه القوة فاعلة ومؤثرة بشكل إيجابي (على الأقل بالنسبة للغير). تُرَى، كيف يُعْرَضُ (و، من ثم، يُفْرَضُ و، بالتالي، يعارض ويعترض) الْإسلَام ؟ وكيف ينبغي أن ينظر إليه، بعيدا عن الطرق الشائعة في العرض والتقديم (من اعتقادانية وثوقية وانتقادانية جذرية) ؟
إن من ﭐلْحِكَمِ ﭐلْجارية على الألسن والعالقة بالأذهان قولهم "إن من الشعر لَحكمة" (أو "إن من البيان لسحرا") و"إن الفتنة أشد من القتل". والمشتركـ الخفي بين هذه الحكم أن للكلام، في مقامات مخصوصة وضمن بعض الشروط، سطوةً وقوةً تجعله شديد النفاذ بالغ التأثيـر، إلى حد قد تكون مجرد التسمية سُمُوًّا يرقى بالدني مراتب ويُوجِد المعدوم اللذي لم يكن شيئا، وإلى حد قد يصير البيان سحرا مسلطا على المشاعر آخذا بزمام النفوس، وقد يصبح الوصف وَصْمًا جارحا وعارا لصيقا، فتكون بذالكـ فتنة الكلام أشد وأكبر من القتل نفسه. ومن أجل هذا يحق لِلِّسان العربي، وهو اللسان القرونِي سليل ألسنِ كُبْرَى الحضارات الإنسانية ﭐلْمُؤَسِّسَة، أن يكون جديرا باهتمام المتأمل وعناية الدارس لَمَّا يكون لفظ "الكلام" فيه دالا بأصله على "ﭐلْجَرْحِ وشدة التأثير المحسوس" ويسمى فيه "المجروح والمصاب" مَكْلُومًا (يقال "ﭐللِّسَانُ كَالِمٌ"، لِأنه جارحة من جوارح ﭐلْإنسان، وجرى قول الشاعر "وَجَرْحُ ﭐللسان كجرح ﭐليد" وقولُ آخَرَ "جِرَاحَاتُ ﭐلسِّنَانِ لَهَا ﭐلْتِئَامُ|وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ ﭐللِّسَانُ").
ولعل من أشد المفارقات، الآخذة في التفاحش منذ عقود، أن يصيـر "الإسلام" ولغته العربية ("الإعرابية"، أي المُبِينة) موضوعا للتلبيس العفوي حينًا والمقصود أحيانا أخرى. فـ"الإسلام"، القائم في أصله كاعتقاد إيماني وأخلاق عملية تحت شعار "التسليم" و"السلام"، قد صار متهما بالتشغيب وموصوما بالترهيب ومدعوا إلى الاستسلام. وأما العربية الفصحى، فقد أصبحت لغة جامعة للتعقيد، مليئة باللغو، بعيدة عن التبليغ. ومن ثم فإن اللذين يُسَمَّون، بل ينعتون، بـ"المسلمين" و"العرب" يُنظر إليهم كاستثناء نموذجي بين العالمين من حيث هم مثيرون للشغب، محرضون على العنف، مرتكبون لجرائم "الإرهاب"، عديمو الفهم، قليلو العمل، سيئو الأخلاق، راضون بالهوان، و وَلُوعُونَ بالتسلط والاستبداد. وإجمالا، فلا شيء له صلة بـ"الإسلام" و"المسلمين" أو بـ"العربية" و"العرب" إلا وهو موضوع للارتياب والتشهير والاتهام من طرف أناس- منهم المسلم والعربي، ومنهم اليهودي والنصراني، ومنهم الملحد والعدمي، ومنهم الهاوي المرتزق ومنهم المحترف المتخصص- صاروا يتعاطون، دوريا أو دوما، إنتاج الخطاب حول "منكرات" و"مثالب" و"تناقضات" الإسلام والمسلمين، والعربية والعرب ؛ وهو الخطاب اللذي يُجْتَهَدُ فِي ضمان مظاهر "الموضوعية" و"العقلانية" و"الشمولية" له. لَاكنه خطاب يبقى، في عمقه، نابعا من سوء نية أو طمع أو حسد، وقائما على السباب أو الهجاء أو السخرية. ومن النادر جدا أن تظفر، بهذا الخصوص، بخطاب تتوافر فيه ميزات النَّزاهة والتحقيق والدراية. 
فما هي تجليات هذا التلبيس والتدليس ؟ وما هي أسبابه ﭐلْمُحَدِّدَة ؟ وكيف يُمكن تفاديه ؟
يَدَّعِي بعض الناس أن "الإسلام"، بالنسبة إلى شروط تكوُّنه وأصوله الاعتقادية والأخلاقية، ليس أكثر من "دين" للعرب ولَهُم هم وحدهم. لاكن إرادة التوسع الاقتصادي وﭐلْهيمنة السياسية جعلته يتحول إلى عقيدة ودعوة سياسيتين محددتين دنيويا وقائمتين على الإكراه والغزو. وما الفتوحات الإسلامية إلا التجسيد العملي لهذا التوجه/الانحراف الدنيوي في الإسلام.
ويرى بعضهم أن الإسلام، كاليهودية والمسيحية، لا يخرج عن إطار التراث القديـم المرتبط بالحضارات العتيقة، بحيث لا يصير ذا قيمة مناسبة إلا إذا خضع لمقتضيات الحداثة، أي "كدين في حدود ما يسمح به العقل المجرد". وبالتالي فإن تحديث الإسلام، على إثر ما تَم مع ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

متاهات الترجمة العربية

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 27 يناير 2008 الساعة: 15:43 م

 
 
 
   « وَلَا بُدَّ لِلتَّرْجُمَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ فِي نَفْسِ ﭐلتَّرْجَمَةِ فِي وَزْنِ عِلْمِهِ فِي نَـفْسِ ﭐلْمَعْرِفَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ ﭐلنَّاسِ بِـﭑللُّغَةِ ﭐلْمَنْقُولَةِ وَﭐلْمَنْقُولِ إِليْهَا، حَتَّى يَكُونَ فِيهِمَا سَوَاءً وَغَايَةً » (ﭐلْجَاحِظُ، ﭐلْحَيَوَانُ، ج. I)
 
   يَـبْدُو ﭐلْحَدِيثُ عَنِ ﭐلتَّرْجَمَةِ –فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ- مَحْفُوفًا بِـﭑنْحِرَافَاتٍ كَثِيـرَةٍ، أَهَمُّهَا ﭐعْتِبَارُ عَمَلِ ﭐلتَّرْجَمَةِ مَوْضُوعًا لِإِنْشَاءِ ﭐلْخِطَابِ فِي ﭐلنَّظَرِيَّةِ وَﭐلْمَنْهَجِ ﭐلْوَاجِبَةِ مَعْرِفَتُهُمَا لِلْقِيَامِ بِـﭑلتَّرْجَمَةِ، ثُمَّ وُجُودُ نَوْعٍ مِنَ ﭐلْإِصْرَارِ، حَتَّى عِنْدَ كَثِيـرٍ مِنَ ﭐلْمُخْتَصِّيـنَ، عَلَى ﭐلْمُرَادَفَةِ بَيْنَ ﭐلتَّرْجَمَةِ وَﭐلتَّعْرِيبِ، بَلْ ﭐلْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمَا لِصَالِحِ ﭐلْأَخِيـرِ.
   إِنَّهُ لَمِنْ سُوءِ ﭐلْفَهْمِ ﭐلْوَاضِحِ أَنْ يَسْتَمِرَّ ﭐلْخَلْطُ بَيْنَ ﭐلتَّرْجَمَةِ وَﭐلتَّعْرِيبِ، لِأَنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ –بِمَا هِيَ نَقْلٌ لِمَا عُبِّرَ عَنْهُ فِي لِسَانٍ مَا إِلَى لِسَانٍ آخَرَ يَتَمَيَّزُ عَنْهُ بِهَذَا ﭐلْقَدْرِ أَوْ ذَاكَـ- لَا تَخُصُّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ وَحْدَهُ ؛ فِي حِيـنٍ أَنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ عَمَلٌ يَنْطَلِقُ مِنْ لِسَانِ ﭐلْعَرَبِ وَيَنْـتَهِي إِلَيْهِ، فُهَوَ عُمُومًا تَفْعِيلٌ عَلَى جِهَةِ تَوْسِيعِ وَتَعْمِيقِ ﭐسْتِعْمَالِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْقَوْمِيِّ، وَهُوَ أَيْضًا آلِيَّةٌ مِنْ آلِيَّاتِ تَفَاعُلِ هَذَا ﭐللِّسَانِ مَعَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأُخْرَى ؛ حَيْثُ إِنَّ تَعَذُّرَ ﭐلنَّقْلِ ﭐلتَّرْجَمِيِّ وَفْقَ بِنْيَاتِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ ﭐلِاشْتِقَاقِيَّةِ وَﭐلدَّلَالِيَّةِ يُوجِبُ ﭐلِاكْتِفَاءَ بِـﭐلتَّعْرِيبِ، أَيْ نَقْلَ ﭐلْكَلِمَاتِ ﭐلْأَعْجَمِيَّةِ بِصُورَتِهَا ﭐلصَّرْفِيَّةِ ﭐلْأَصْلِيَّةِ مَعَ نَوْعٍ مِنْ ﭐلْإِبْدَالِ فِيهَا يَكْفُلُ لَهَا ﭐلِانْدِمَاجَ فِي نَسَقِ ﭐللِّسَانِ وَأَدَاءِ ﭐلدَّلَالَةِ ﭐلْمَقْصُودَةِكَمَا هُوَ ﭐلْأَمْرُ فِي ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأُخْرَى. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ ﭐلْكُلِّيَّ أَعَمُّ مِنَ ﭐلتَّرْجَمَةِ، وَلَا شَيْءَ يَسْمَحُ بِتَذْوِيبِ عَمَلِ ﭐلتَّرْجَمَةِ فِي ﭐلتَّعْرِيبِ ﭐلْجُزْئِيِّ وَإِلَّا تَحَوَّلَ ﭐلتَّعْرِيبُ إِلَى تَعْجِيمٍ يُغَيِّرُ، مِنْ دُونِ وَعْيٍ، بِنْيَاتِ ﭐللِّسَانِ ﭐلصَّرْفِيَّةَ وَﭐلتَّرْكِيـبِيَّةَ وَﭐلدَّلَالِيَّةَ. وَقَدْ يَكُونُ مِنَ ﭐلْمُفِيدِ ﭐلِانْتِبَاهُ، مَثَلًا، إِلَى أَنَّ ﭐلتَّرْجَمَةَ عَمَلٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ عِنْدَ ﭐلْفَرَنْسِيِّيـنَ وَﭐلْإِ نْجليزِ، فَلَا أَحَدَ مِنْهُمْ يُسَمِّي ﭐلتَّرْجَمَةَ فَرْنَسَةً أَوْ ﮔـﻟـْـنَـزَةً، لِأَنَّهُ مِنَ ﭐلسُّخْفِ ﭐسْتِعْمَالُ ﭐللِّسَانِ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ لِلْمُسَاجَلَةِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ أَوِ ﭐلثَّقَافِيَّةِ أَوِ ﭐلسِّيَاسِيَّةِ بَدَلًا مِنَ ﭐلْخُضُوعِ لِلْمُقْتَضَيَاتِ ﭐلتَّرْجَمِيَّةِ فِي عَلَاقَتِهَا بِـﭑلشُّرُوطِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ ﭐللَّتِي تُقَوِّمُ ﭐسْتِعْمَالَ ﭐللُّغَةِ.
إِنَّ ﭐلْمُتَكَلِّمَ يُمَارِسُ فَنَّ ﭐلْقَوْلِ بِوَاسِطَةِ لِسَانٍ طَبِيعِيٍّ لِيُعَبِّرَ عَنْ مَقَاصِدِهِ ﭐلتَّخَاطُبِيَّةِ. وَفَنُّ ﭐلْقَوْلِ هَذَا هُوَ ﭐللَّذِي يُمَارِسُهُ ﭐلْكَاتِبُ فِي مُسْتَوًى آخَرَ هُوَ فَنُّ ﭐلْكِتَابَةِ. وَمِنَ ﭐلْمُسَلَّمِ أَنَّ تَعَدُّدَ ﭐلْأَلْسُنِ لَا يَدُلُّ فَقَطْ عَلَى أَنَّ ﭐللُّغَةَ ﭐصْطِلَاحٌ تَارِيـخِيٌّ لَا يَخْلُو مِنَ ﭐلِاعْتِبَاطِيَّةِ، بَلْ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَجْرِبَةَ ﭐلنَّاسِ ﭐلْمَعِيشَةَ مُتَوَزَّعَةٌ وُمُتَنَاقَلَةٌ عَبْرَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْمُخْتَلِفَةِ. وَمِنَ ﭐلْمُسَلَّمِ، كَذَالِكَـ، أَنَّ ﭐلْجَمَاعَاتِ ﭐلْبَشَرِيَّةَ تَـتَبَادَلُ وَتَـتَنَاقَلُ ﭐلْخَيْرَاتِ ﭐلْمَادِّيَّةَ وَﭐلثَّقَافِيَّةَ، مِمَّا يَضْطَرُّهَا إِلَى ﭐلتَّفَاعُلِ وَﭐلتَّعَارُفِ. وَمِنَ ﭐلْبَيِّنِ أَنَّهُ لَاشَيْءَ مِنْ هَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتِمَّ دُونَ ﭐلِاشْتِرَاكِـ فِي ﭐللُّغَةِ أَوْ إِمْكَانِ ﭐلنَّقْلِ مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ آخَرَ. وَمِنْ هُنَا تَبْدُو ﭐلتَّرْجَمَةُ ضَرُورَةً لَصِيقَةً بِـﭑلْوَاقِعِ ﭐلْبَشَرِيِّ نَفْسِهِ.
   وَكَوْنُ ﭐلتَّرْجَمَةِ تَتِمُّ مِنْ لِسَانٍ إِلَى آخَرَ يَجْعَلُهَا، بِـﭑلتَّالِي، نَقْلًا يُغَايِرُ ﭐلِاسْتِنْسَاخَ، لِأَنَّ ﭐلْأَلْسُنَ مُتَبَايِنَةٌ صَوْتِيًّا وَصَرْفِيَّا وَتَرْكِيبِيًّا وَمُعْجَمِيًّا لِتَبَايُنِ ظُرُوفِ نَشْأَتِهَا وَشُرُوطِ تَدَاوُلِهَا ﭐلتَّارِيـخِيَّةِ وَﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ. فَـﭑلتَّرْجَمَةُ -إِذًا- نَقْلٌ، وَﭐلنَّقْلُ تَحْوِيلٌ وَتَبْدِيلٌ وَتَغْيِيـرٌ. وَفِي هَذَا ﭐلْمَنْظُورِ، تَبْدُو ﭐلتَّرْجَمَةُ أَبْعَدَ تَمَامًا عَنِ ﭐلِاسْتِنْسَاخِ ﭐلْأَمِيـنِ لِمُعْطَيَاتٍ مُثْبَتَةٍ بِصُورَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ فِي لِسَانٍ مُعَيَّنٍ يُتَدَاوَلُ بِمُحِيطٍ ثَقَافِيٍّ مُعَيَّنٍ. ذَالِكَـ بِأَنَّ ﭐلْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ، أَسَاسًا، بِنَقْلِ مَضَامِيـنَ ثَقَافِيَّةٍ مِنْ مَجَالٍ تَدَاوُلِيٍّ إِلَى مَجَالٍ آخَرَ، وَلَيْسَ فَقَطْ نَقْلَ مَعَانٍ أَوْ فِكَرٍ مِنْ لِسَانٍ إِلَى آخَرَ. وَهَكَذَا فَإِنَّ تَبَايُنَ ﭐلْأَلْسُنِ وَﭐخْتِلَافَ شُرُوطِ ﭐلْإِنْتَاجِ وَﭐلتَّدَاوُلِ فِيهَا عَامِلَانِ رَئِيسَانِ يُحَدِّدَانِ ﭐلتَّرْجَمَةَ بِصِفَتِهَا نَقْلًا تَحْوِيلِيًّا يُغَايِرُ كُلِّيًّا ﭐلِاسْتِنْسَاخَ ﭐلتَّكْرِيرِيَّ ﭐللَّذِي يَسْتَعِيدُ،بِكُلِّ ثَمَنٍ، ﭐلصُّوَرَ وَﭐلْأَشْكَالَ عَلَى نَحْوٍ حَرْفِيٍّ فِي ﭐللِّسَانِ ﭐلنَّاقِلِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا أَمَانَةَ وَلَا حَرْفِيَّةَ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ مَا دَامَ ﭐلنَّقْلُ يُوجِبُ، عَلَى مُسْتَوى ﭐللُّغَةِ، تَحْوِيلًا تَرْتِيـبِيًّا لِلْعَنَاصِرِ ﭐللُّغَوِيَّةِ يَفْرِضُ، عَلَى مُسْتَوَى ﭐلتَّدَاوُلِ، تَبْدِيلًا تَرَاتُبِيًّا لِلْمَضَامِيـنِ ﭐلْفِكْرِيَّةِ. صَحِيحٌ أَنَّ ﭐلْأَوْهَامَ ﭐلْمُرْتَبِطَةَ بِـﭑلْأَمَانَةِ وَﭐلْحَرْفِيَّةِ لَزِجَةٌ إِلَى ﭐلْحَدِّ ﭐللَّذِي يَجْعَلُ نَفْيَ إِمْكَانِ ﭐلتَّرْجَمَةِ ﭐلْأَمِينَةِ وَﭐلْحَرْفِيَّةِ يُقَابَلُ بِـﭑلِاسْتِغْرَابِ مِنْ طَرَفِ كَثِيـرٍ مِنْ حُرَّاسِ ﭐلنَّهْجِ ﭐلْمُكَرَّسِ فِي ﭐلْعَمَلِ ﭐلتَّرْجَمِيِّ. وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ مِنْ سَبَبٍ يَقِفُ وَرَاءَ مِثْلِ هَذَا ﭐلِاسْتِغْرَابِ فَلَيْسَ سِوَى كَوْنِ ﭐلتَّرْجَمَةِ ظَلَّتْ مُرْتَبِطَةً، عَلَى مُسْتَوَى ﭐلتَّصَوُّرِ وَﭐلْإِجْرَاءِ، بِـﭑلنُّصُوصِ ﭐلْمُقَدَّسَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ ﭐلْمُؤْمِنِيـنَ يَرَوْنَ أَنَّ ﭐلنَّصَّ ﭐلْمُقَدَّسَ وَحْيٌ مُعْجِزٌ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ نَقْلُهُ وَتَرْجَمَتُهُ فِي لِسَانٍ آخَرَ غَيْرِ ﭐللِّسَانِ ﭐللَّذِي أُنْزِلَ بِهِ أَصْلًا. أَلَا تَرَى كَيْفَ أَنَّ ﭐلْمُسْلِمِيـنَ يَتَوَرَّعُونَ مِنَ ﭐلْحَدِيثِ عَنِ تَرْجَمَةِ ﭐلْقُرْآنِ وَيُفَضِّلُونَ، بِـﭑلتَّالِي، ﭐسْتِعْمَالَ عِبَارَةِ تَرْجَمَةِ مَعَانِي ﭐلْقُرْآنِ، كَأَنَّهُ فِي ﭐلْإِمْكَانِ أَصْلًا نَقْلُ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ ﭐلْمَعَانِي فِي عَمَلِ ﭐلتَّرْجَمَةِ ! وَلَوْ كَانَ هُنَاكَـ دَلِيلٌ أَقْوَى عَلَى عَدَمِ ﭐلتَّرْجَمَةِ ﭐلْحَرْفِيَّةِ لَمَا كَانَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا ﭐلْخُضُوعِ نَفْسِهِ لِمُقْتَضَيَاتٍ غَيْرِ تَرْجَمِيَّةٍ تُلْزِمُ ﭐلْعَامِلَ فِي مَجَالِ ﭐلتَّرْجَمَةِ بِطَلَبِ ﭐلْوَسَائِلِ ﭐللَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنْ إِعَادَةِ خَلْقِ ﭐلنَّصِّ خَلْقًا أَصِيلًا وَكَامِلًا. وَلَيْتَ ﭐللَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يُؤْمِنُونَ بِـﭑلْأَمَانَةِ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ يُدْرِكُونَ أَنَّ تَشَبُّثَهُمْ بِهَذَا ﭐلْوَهْمِ يَجْعَلُهُمْ أَدَلَّ عَلَى نَوْعِ ﭐلْعَقَبَاتِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ وَﭐلثَّقَافِيَّةِ ﭐللَّتِي تَقِفُ دُونَ إِعْمَالِ ﭐلتَّرْجَمَةِ كَمَا يَجِبُ.
   إِنَّ كَوْنَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلطَّبِيعِيَّةِ غَيْرَ مُتَشَاكِلَةٍ وَلَا مُتَنَاظِرَةٍ مِنَ ﭐلنَّوَاحِي ﭐلتَّصْرِيفِيَّةِ وَﭐلتَّرْكِيبِيَّةِ وَﭐلدَّلَالِيَّةِ لَا يَنْفِي تَسَاوِيَهَا وَتَكَافُؤَهَا مِنْ جِهَةِ إِمْكَانَاتِهَا فِي تَبْلِيغِ ﭐلْمَقَاصِدِ وَﭐلتَّوَسُّطِ فِي ﭐلتَّوْجِيهِ إِلَى ﭐلْفِعْلِ، كَمَا يَقْتَضِي ذَالِكَـ ﭐلتَّخَاطُبُ بَيْنَ مُسْتَعْمِلِيهَا وَضَرُورَةُ نَقْلِ ﭐلتَّجْرِبَةِ بَيْنَ ﭐلْمُتَكَلِّمِيـنَ فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ. وَمِنْ ثَمَّ، لَا يُوجَدُ، عَلَى مُسْتَوَى ﭐللُّغَةِ ﭐلطَّبِيعِيَّةِ، لِسَانٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَفْرِضَ سُلْطَانَهُ عَلَى ﭐلْمَجْمُوعَاتِ ﭐلْبَشَرِيَّةِ بِـﭑعْتِبَارِهِ ﭐللُّغَةَ ﭐلْأُمَّ أَوِ ﭐلْخَالِصَةَ أَوِ ﭐلْكَامِلَةَ. وَبِـﭑلتَّالِي، فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ، فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ، لِتَعْنِيفِ ﭐللِّسَانِ ﭐلنَّاقِلِ لِيَتَطَابَقَ مَعَ صِيَغِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْمَنْقُولِ.
   وَبِفِعْلِ ﭐخْتِلَافِ ﭐلتَّكَوُّنِ ﭐلتَّارِيـخِيِّ لِلْأَلْسُنِ وَتَبَايُنِ ﭐلشُّرُوطِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ ﭐلْمُحَدِّدَةِ لِبِنْيَاتِ وَوَظَائِفِ حُقُولِ ﭐلْإِنْتَاجِ ﭐلثَّقَافِيِّ ﭐلْمُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَإِنَّ عَمَلَ ﭐلتَّرْجَمَةِ يَتَحَوَّلُ مِنَ ﭐلنَّقْلِ إِلَى ﭐلتَّقْرِيبِ، بِـﭑعْتِبَارِ أَنَّ هُنَاكَـ مَجَالَاتٍ تَدَاوُلِيَّةً مُخْتَلِفَةً مِنْ حَيْثُ آلِيَّاتُهَا ﭐللُّغَوِيَّةُ وَبِنْيَاتُهَا ﭐلْمَعْرِفِيَّةُ وَمَبَادِئُهُا ﭐلْعَقَدِيَّةُ، عَلَى نَحْوٍ يَجْعَلُ ﭐلتَّرْجَمَةَ مِنْ لِسَانٍ مُعَيَّنٍ تَعْنِي نَقْلًا تَقْرِيـبِيًّا لِمَضَامِيـنَ فِكْرِيَّةٍ مِنْ مَجَالٍ تَدَاوُلِيٍّ إِلَى مَجَالٍ آخَرَ مُغَايِرٍلَهُ، بِهذا ﭐلْقَدْرِ أَوْ ذَاكَـ، فِي أَهَمِّ مُقَوِّمَاتِهِ [1].
   وَأَنْ تَكُونَ ﭐلتَّرْجَمَةُ، بِـﭑلْأَسَاسِ، تَقْرِيـبًا تَدَاوُلِيًّا يَتَنَاوَلُ مَضَامِيـنَ فِكْرِيَّةً وَيُـبَدِّلُ- بِهَذَا ﭐلْقَدْرِ أَوْذَاكَـ- ﭐلْمَنْقُولَاتِ ﭐلْأَجْنَبِيَّةَ بِـﭑلْمُقَارَنَةِ مَعَ أُصُولِهَا وَبِـﭑلنِّسْبَةِ إِلَى أُصُولِ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، فَهَذَا يَجْعَلُهَا مُضَادَّةً صَرَاحَةً لِلِاسْتِنْسَاخِ ﭐللَّذِي يُعِيدُ وَيُكَرِّرُمَضَامِيـنَ وَمَبَانِيَ ﭐلْمَنْقُولِ فِي طَبِيعَتِهَا ﭐلْأَصْلِيَّةِ وَثَبَاتِهَا ﭐلْجَوْهَرِيِّ، لِأَنَّ ﭐلنَّقْلَ يَتِمُّ عَبْرَ وَسَائِطَ لَيْسَتْ لُغَوِيَّةً مَحْضَةً وَيَخْضَعُ لِشُرُوطٍ لَا تُمَاثِلُ بِـﭑلضَّرُورَةِ تِلْكَـ ﭐللَّتِي تَحَكَّمَتْ فِي ﭐلْأَصْلِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَعْنَى ﭐلنَّقْلِ فِي ﭐلتَّرْجَمَةِ، كما أُكِّدَ سَابِقًا، يَصِيـرُ مُعَزَّزًا، بِـﭐلتَّصْحِيحِ، مِمَّا يَجْعَلُ ﭐلتَّرْجَمَةَ تَتَحَدَّدُ، فِي ﭐلنِّهَايَةِ، بِأَنَّهَا نَقْلٌ تَصْحِيحِيٌّ وَفْقَ مُقْتَضَيَاتِ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلنَّاقِلِ.
   إِنَّ تَأْكِيدَ ﭐلْشُّرُوطِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ لِلتَّرْجَمَةِ يَكْسِرُ ﭐلِانْغِلَاقَ ﭐللُّغَوِيَّ لِلنَّصِّ، وَلَا يَعُودُ-بِـﭑلتَّالِي- عَمَلُ ﭐلتَّرْجَمَةِ مُجَرَّدَ ﭐشْتِغَالٍ بِنَصٍّ، بَلْ يَصِيـرُ تَحْلِيلًا لِشُرُوطِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْأَصْلِيِّ وَمَدَى مُوَافَقَتِهَا لِشُرُوطِ مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْأَجْنَبِيِّ[2]. وَتَحَدُّدُ ﭐلتَّرْجَمَةِ –فِي هَذَا ﭐلْمُسْتَوَى- بِصِفَتِهَا نَقْلًا تَصْحِيحِيًّا يَجْعَلُهَا تَبْرُزُ كَـﭑخْـتِـبَارٍ لِلْمَعَانِي ﭐلْكُلِّيَّةِ ﭐلْمَصُوغَةِ فِي كُلِّ لِسَانٍ. ذَالِكَـ بَأَنَّ مَدَى قَابِلِيَّةِ نَقْلِ هَذِهِ ﭐلْمَعَانِي إِلَى لِسَانٍ آخَرَ، مُغَايِرٍ فِي شُرُوطِهِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ، يُعَدُّ مُحَدِّدًا لِطَمَعِهَا فِي ﭐلشُّمُولِ ﭐلْكُلِّيِّ.
   وَبِمَا أَنَّ ﭐللُّغَةَ أَصْلُهَا ﭐلتَّدَاوُلُ وَمَآلُهَا ﭐلتَّدَاوُلُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضُوعًا لِلنَّظَرِ ﭐلتَّأَمُّلِّيِّ إِلَّا فِي ﭐلْمَدَى ﭐللَّذِي تَكُونُ مُعْتَبَرَةً فِي طَبِيعَتِهَا ﭐلِاسْتِعْمَا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأخطاء اللتي نخطئ بها المعنى

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 26 يناير 2008 الساعة: 07:33 ص

  
لَقَدْ صِرْنَا نَشْهَدُ كُلَّ يَوْمٍ ﭐنْحِلَالَ عُرَى ﭐللِّسَانِ ﭐلْمُبِيـنِ أَمَامَ زَحْفِ ﭐللَّهَجَاتِ ﭐلْعَامِّيَّةِ ﭐللَّتِي نَبَزْنَاهَا بِـﭐلدَّارِجَةِ وَغَفَلْنَا عَنْ أَنَّ ﭐلدَّارِجَ صِفَةٌ لِـمَنْ/مَا مَاتَ أَوْ مَنْ/مَا كَانَ أَعْرَجَ، وَهَذِهِ ﭐللَّهَجَاتُ سَائِرَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى نَحْوٍ يَجْعَلُهَا فِي ﭐلْوَاقِعِ أَبْعَدَ عَنْ تِلْكَـ ﭐلْمَعَانِي ﭐلسَّلْبِيَّةِ. كَمَا نَشْهَدُ غَزْوَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأَجْنَبِيَّةِ لِلِسَانِنَا حَتَّى صَارَتْ تُعْمِلُ فِيهِ مَعَاوِلَ ﭐلتَّعْجِيمِ وَﭐلتَّعْقِيدِ. وَنُرِيدُ هُنَا أَنْ نَدُلَّ عَلَى غَيْضٍ مِنْ ذَالِكَـ ﭐلْفَيْضِ ﭐلْجَارِفِ، عَسَى أَنْ نُؤَكِّدَ مَعَ كَثِيـرِينَ أَنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ بَاتَ فِي خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ.
يُعْرَفُ ﭐللَّحْنُ أَوْ ﭐلْإِلْحَانُ بِأَنَّهُ ﭐلْخَطَأُ فِي ﭐلْإِعْرَابِ وَمُخَالَفَةُ وَجْهِ ﭐلصَّوَابِ فِي نَحْوِ ﭐللِّسَانِ. فَمِنَ ﭐللَّحْنِ إِسَاءَةُ ﭐلنُّطْقِ بِشَكْلِ ﭐلْكَلِمَاتِ وَنَصْبُ ﭐلْفَاعِلِ وَرَفْعُ ﭐلْمَفْعُولِ وَخَفْضُ مَا لَا يُخْفَضُ وَتَنْوِينُ مَا لَا يُنَوَّنُ وَعَدَمُ ضَبْطِ عَمَلِ ﭐلنَّوَاسِخِ مِثْلَ كَانَ وَإِنَّ وَأَدَوَاتِ ﭐلنَّصْبِ وَﭐلْجَزْمِ. وَإِنَّهُ لَمِنَ ﭐلْمُؤْسِفِ جِدَّا أَنَّ ﭐللَّحْنَ قَدْ فَشَا عِنْدَ مُسْتَعْمِلِي ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ إِلَى حَدِّ أَنَّ ﭐلْوُقُوفَ عَلَى أَصْنَافِهِ وَتَـتَـبُّعَ مَآتِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى ﭐلتَّذْكِيـرِ بِقَوَاعِدِ ﭐلنَّحْوِ وَإِيرَادِ ﭐلْأَمْثِلَةِ. وَهَذَا مَا لَا تَتَّسِعُ لَهُ سِوَى ﭐلْكُتُبِ ﭐلْمُتَخَصِّصَةِ.
  
   وَمِنْ أَكْثَرِ أَنْوَاعِ ﭐللَّحْنِ شُيُوعًا عَلَى ﭐلْأَلْسُنِ وَتَرَدُّدًا فِي ﭐلصَّحَائِفِ ذَاكَـ ﭐللَّذِي يُحَرِّفُ حَرَكَاتِ ﭐلشَّكْلِ فِي ﭐلْكَلِمَاتِ. وَهَذَا ﭐلنَّوْعُ أَقْبَحُ وَأَدَلُّ عَلَى جَهْلِ ﭐلْمُتَكَلِّمِيـنَ وَﭐلْكُتَّابِ وَتَهَاوُنِهِمْ فِي إِحْكَامِ نُطْقِ وَكِتَابَةِ لِسَانِهِمْ :
- ﭐلْفِعْلُ ﭐلثُّلَاثِيُّ ﭐلْمُتَعَدِّي لَا حَاجَةِ لِتَعْدِيَتِهِ بِـﭑلْهَمْزَةِ : لَفَتَ¬ يَلْفِتُ، ﭐسْمُ ﭐلْفَاعِلِ لَافِتٌ وَﭐسْمُ ﭐلْمَفْعُولِ مَلْفُوتٌ ؛ بَهَرَ¬ يَـبْهَرُ، ﭐلْفَاعِلُ بَاهِرٌ وَﭐلْمَفْعُولُ مَبْهُورٌ ؛ هَالَ¬ يَهُولُ، ﭐلْفَاعِلُ هَائِلٌ وَﭐلْمَفْعُولُ مَهُولٌ ؛ خَصَاهُ¬ يَخْصِيهِ (=أَزَالَ خُصْيَتَهُ)، خَصْيٌ/خِصَاءٌ، ﭐلْفَاعِلُ هُوَ ﭐلْخَاصِي/خَاصٍ وَﭐلْمَفْعُولُ مَخْصِيٌّ/خَصِيٌّ ؛ أَمَّا ﭐلْإِخْصَاءُ فَمِنْ أَخْصَى¬ يُخْصِي ﭐللَّازِمِ ﭐللَّذِي يَعْنِي تَعَلَّمَ عِلْمًا وَاحِدًا، أَيْ اِخْتَصَّ/تَخَصَّصَ (رَاجِعِ ﭐلْعَدْنَانِيَّ، مُعْجَمُ ﭐلْأَغْلَاطِ ﭐللُّغَوِيَّةِ ﭐلْمُعَاصِرَةِ، ﭐلْمَادَّة 565). 
- نَبَذَ (=تَرَكَـ)¬ يَنْبِذُ ؛ وَمِنَ ﭐللَّحْنِ ضَمُّ بَاءِ ﭐلْحَاضِرِ.
- عَجَّ (=ﭐمْتَلَأَ)¬يَعِجُّ ؛ وَمِنَ ﭐللَّحْنِ ضَمُّ عَيْنِ ﭐلْحَاضِرِ.
- أَغْفَلَ¬ يُغْفِلُ (مُتَعَدٍّ مُبَاشَرَةً : أَغْفَلَ ﭐلشَّيْءَ) ؛ غَفَلَ¬ يَغْفُلُ (مُتَعَدٍّ بِـعَنْ : غَفَلَ عَنْهُ).
- أَمَلَ¬ يَأْمُلُ (=رَجَا وَﭐرْتَقَبَ)، وَفَتْحُ مِيمِ ﭐلْحَاضِرِ لَحْنٌ ؛ وَأَمَّلَ¬ يُؤَمِّلُ بِـﭑلْمَعْنَى نَفْسِهِ. 
- ﭐلْأَمْرُ مِنَ ﭐلثُّلَاثِيِّ لَا تَلْحَقُهُ هَمْزَةُ ﭐلْقَطْعِ : نَظَرَ¬ اُنْظُرْ، أَمَرَ¬ اُمُرْ، قَالَ¬ قُلْ ؛
- ﭐلْفِعْلُ ﭐلرُّبَاعِيُّ ﭐلْمَهْمُوزِ أَوَّلَهُ هَمْزًا قَطْعِيًّا يَكُونُ ﭐلْأَمْرُ مِنْهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ : أَقْبَلَ¬ أَقْبِلْ، أَرْسَلَ¬ أَرْسِلْ، أَحْسَنَ¬ أَحْسِنْ، أَتْقَنَ¬ أَتْقِنْ، أَعْمَلَ¬ أَعْمِلْ، أَلْصَقَ¬ أَلْصِقْ، أَخْبَرَ¬ أَخْبِرْ ؛
- ﭐلْأَمْرُ مِنَ ﭐلْخُمَاسِيِّ وَﭐلسُّدَاسِيِّ لَا تَكُونُ هَمْزَتُهُ قَطْعِيَّةً، بَلْ وَصْلِيَّةً تَحْتِيَّةً فِي بَدْإِ ﭐلْكَلَامِ وَفَوْقِيَّةً فِي وَسَطِهِ : اِخْتَصَرَ¬ ﭐخْتَصِرْ، اِسْتَعْمَلَ¬ﭐسْتَعْمِلْ، (رَاجِعِ ﭐلْعَدْنَانِيُّ، مادة 2006).
- ﭐلْفِعْلُ ﭐلثُّلَاثِيُّ ﭐللَّذِي ثَالِثُهُ صَائِتٌ يَائِيٌّ، فِي ﭐلْمَاضِي يَكُونُ بِكَسْرَةٍ قَبْلَ ﭐلصَّائِتِ مَعَ ﭐلْكُلِّ إِلَّا مَعَ ﭐلْجَمْعِ ﭐلْمُذَكَّرِ : بَقِيَ¬بَقُوا، حَظِيَ¬ حَظُوا، رَضِيَ¬ رَضُوا، لَقِيَ¬ لَقُوا، نَسِيَ¬ نَسُوا ؛
- ﭐلْفِعْلُ ﭐلْخُمَاسِيُّ ﭐلْمُشَدَّدُ ﭐلْآخِرِ (اِسْتَمَرَّ، اِسْتَقَرَّ، اِسْتَقَلَّ، إِلَخِ) يُفَكُّـ إِدْغَامُ حَرْفِهِ فِي ﭐلْمَاضِي مَعَ ﭐلْمُتَكَلِّمِ وَﭐلْمُخَاطَبِ : اِسْتَمَرَّ، اِسْتَمْرَرْتُ، اِسْتَمْرَرْتَ، اِسْتَمْرَرْتِ، اِسْتَمْرَرْتُمَا، اِسْتَمْرَرْنَا، اسْتَمْرَرْتُمْ، اِسْتَمْرَرْنَ. وَمِنَ ﭐللَّحْنِ فَكُّـ ﭐلْإِدْغَامِ بـِﭐلْيَاءِ كَمُا هُوَ شَائِعٌ اِسْتَمَرَّ(يْـ)تَِ.
- اِضْطَرَّهُ (=أَحْوَجَهُ وَأَلْجَأَهُ إِلَى شَيْءٍ أَوْ إِلَى فِعْلٍ)، ﭐضْطُرَّ فُلَانٌ إِلَى كَذَا (=أُحْـوِجَ وَأُلْجِىءَ إِلَيْهِ)، كَمَا فِي ﭐلْقُرْآنِ فَمَنِ ﭐضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَـ غَفُورٌ رَحِيمٌ (ﭐلْأَنْعَامُ : 145).
- أُهْتِرَ وَﭐسْتُهْتِرَ فُلَانٌ بِكَذَا (=أُولِعَ وَفُتِنَ بِهِ غَيْرَ مُبَالٍ بِنَقْدٍ أَوْ مَوْعِظَةٍ)، يُقَالُ : ﭐسْتُهْتِرَ بِـﭑلشَّرَابِ أَوْ بِـﭑمْرَأَةٍ، وَﭐسْتُهْتِرَ فُلَانٌ : ذَهَبَ عَقْلُهُ وَخَرِفَ مِن كِبَرٍ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ مُسْتَهْتَرٌ (وَلَيْسَ مُسْتَهْتِرٌ كَمَا هُوَ شَائِعٌ)، وَمِنْ هُنَا فَـﭐلِاسْتِهْتَارُ لَا يَعْنِي ﭐلِاسْتِخْفَافَ أَوِ ﭐلِاسْتِهَانَةَ أَوِ ﭐللَّامُبَالَاةَ كَمَا هُوَ شَائِعٌ.
- عَمَّرَ ﭐللَّاهُ فُلَانًا (=أَطَالَ عُمُرَهُ)، فَـﭑللَّاهُ مُعَمِّرٌ وَﭐلشَّخْصُ مُعَمَّرٌ، يُقَالُ : فِئَةُ ﭐلْمُعَمَّرِينَ (=ﭐلْمُسِنِّيـنَ) ؛ عُمِّرَ فُلَانٌ : طَالَ عُمُرُهُ (رَاجِعِ ﭐلْعَدْنَانِيَّ، ﭐلْمَادَّةَ 1344).
- تَوَفَّى ﭐللَّاهُ فُلَانًا (=قَبَضَهُ إِلَيْهِ)، ﭐلْفَاعِلُ مُتَوَفٍّ وَﭐلْمَفْعُولُ مُتَوَفًّى ؛ تُوُفِيَّ فُلَانٌ (=قُبِضَتْ رُوحُهُ).
- أَوْلَعَهُ بِـﭑلشَّيْءِ وَوَلَّعَهُ بِهِ (=أَغْرَاهُ بِهِ) ؛ أُولِعَ فُلَانٌ بِـﭑلشَيْءِ (=عَلِقَ بِهِ شَدِيدًا).
- اِمْتَقَعَ ﭐلْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ (=شَرِبَهُ كُلَّهُ) ؛ ﭐمْتُقِعَ لَوْنُهُ (=تَغَيَّر مِنْ حُزْنٍ أَوْ فَزَعٍ أَوْ مَرَضٍ).
- نَزَفَ ﭐلشَّيْءُ¬ يَنْزِفُ¬ نَزْفٌ (=نَفِدَ وَفَنِيَ)، نَزَفَهُ ﭐلْفَزَعُ وَنَحْوُهُ (=أَزَالَ عَقْلَهُ)، نَزَفَهُ ﭐلدَّمُ (=أَضْعَفَهُ بِكَثْرَةِ خُرُوجِهِ)، نَزَفَ ﭐلدَّمْعَ أَوِ ﭐلْمَالَ أَوْ نَحْوَهُمَا (=أَفْنَاهُ)، يُقَالُ : بَكَى حَتَّى نَزَفَ دَمْعَهُ (=أَفْنَاهُ)، نُزِفَ فُلَانٌ نَزْفًا (=سَالَ دَمْعُهُ مِنْ جُرْحٍ أَوْ عِلَّةٍ حَتَّى ضَعُفَ)، يُقَالُ: نُزِفَ عَقْلُهُ (=ذَهَبَ بِسُكْرٍ وَنَحْوِهِ)، فَهُوَ مَنْزُوفٌ وَنَزِيفٌ؛ أَمَّا مَا جَاءَ فِي ﭐلْمُعْجَمِ ﭐلْوَسِيطِ مِنْ أَنَّ خُرُوجَ ﭐلدَّمِ غَزِيرًا مِنَ ﭐلْأَنْفِ أَوِ ﭐلْفَمِ أَوْ نَحْوِهِمَا لِعِلَّةٍ أَوْ جُرْحٍ يُسَمَّى ﭐلنَّزِيفَ فَغَلَطٌ، لِأَنَّ ﭐسْمَ ﭐلْفِعْلِ مِنْ نَزَفَ وَنُزِفَ هُوَ ﭐلنَّزْفُ (رَاجِعِ ﭐلْعَدْنَانِيَّ، ﭐلْمَادَّةَ 1895)].
- عَنَاهُ ﭐلْأَمْرُ¬ يَعْنِيهِ وَيَعْنُوهُ¬ عِنَايَةٌ/عَنَايَةٌ/عُنِيٌّ (=أَهَمَّهُ) ؛ عُنِيَ بِهِ¬ يُعْنَى (=ﭐهْتَمَّ بِهِ) ؛ وَعَنِيَ بِهِ¬ يَعْنَى¬ عَنَاءٌ (=ﭐهْتَمَّ) ؛ (رَاجِعِ ﭐلْعَدْنَانِيَّ، ﭐلْمَادَّةَ 1358).
- اِحْـتَضَرَ فُلَانٌ ﭐلْمَجْلِسَ أَوِ ﭐلْمَكَانَ (=حَضَرَهُ وَنَزَلَ بِهِ) فَهُوَ مُحْـتَضِرٌ  ؛ ﭐحْـتُضِرَ فُلَانٌ (=حَضَرَهُ ﭐلْمَوْتُ)، فَهُوَ مُحْتَضَرٌ.
- اِسْـتَشْهَدَ(=طَلَبَ ﭐلشَّهَادَةَ)، فَهُوَ مُسْـتَشْهِدٌ ؛ ﭐسْـتُشْهِدَ فُلَانٌ (=رُزِقَ ﭐلشَّهَادَةَ)، فَهُوَ شَهِيدٌ وَمُسْتَشْهَدٌ.
 وَكَمَا يَلْحَقُ ﭐللَّحْنُ ﭐلْفِعْلَ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ ﭐلِاسْمَ فَيَصِيـرُ ٱسْمًا مَلْحُونًا. وَقَدْ يَتِمُّ ذَالِكَـ بِـﭑلْخَطَإِ فِي نُطْقِهِ أَوْ بِصَوْغِهِ عَلَى نَحْوٍ مَغْلُوطٍ أَوْ بِكِتَابَتِهِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَضْبُوطٍ. وَمِنَ ﭐلْمَعْلُومِ أَنَّ ﭐللَّفْظَ ﭐلْوَاحِدَ قَدْ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ بِتَغْيِيـرِ حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكَاتِ شَكْلِهِ أَوْ بِتَبْدِيلِ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ. وَلِهَذَا نَجِدُ عَشَرَاتٍ مِنَ ﭐلْأَسْمَاءِ ﭐللَّتِي تَتَعَرَّضُ لِلَّحْنِ، لَعَلَّ أهَمَّهَا يَتَمَثَّلُ فِي ﭐلتَّالِي :
- لَفْظُ ٱلِاسْمِ هَمْزَتُهُ وَصْلِيَّةٌ نُطْقًا وَكِتَابَةً، وَقَطْعُهَا لَحْنٌ لَا تُـبَرِّرُهُ ضَرُورَةٌ شِعْرِيَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا.
- اِسْمُ ﭐلْفِعْلِ مِنَ ﭐلْفِعْلِ ﭐلْخُمَاسِيِّ وَﭐلسُّدَاسِيِّ هَمْزَتُهُ وَصْلِيَّةٌ : اِقْتَصَدَ¬ ٱقْتِصَادٌ/ﭐلِاقْتِصَادُ، اِنْتَصَرَ¬ ٱنْتِصَارٌ/ﭐلِانْتِصَارُ، اِجْتَمَعَ¬ ﭐجْتِمَاعٌ/ﭐلِاجْتِمَاعُ ؛ اِسْتَقْبَلَ¬ ٱسْتِقْبَالٌ/ﭐلِاسْتِقْبَالُ، اِسْتَعْمَلَ¬ ٱسْتِعْمَالٌ/ﭐلِاسْتِعْمَالُ، اِسْتَحْسَنَ¬ ﭐسْتِحْسَانٌ/ﭐلِاسْتِحْسَانُ، إِلَخِ.
- يَمْنَةً (=عَلَى ﭐلْيَمِيـنِ) ؛ يَسْرَة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تعليم لا يُعَلِّم

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 21 يناير 2008 الساعة: 22:44 م

   لَيْسَ مِنَ ﭐلسَّهْلِ تَنَاوُلُ ﭐلْمَسْأَلَةِ ﭐلْمُتَعَلِّقَةِ بِـﭑكْتِسَابِ ﭐلْإِنْسَانِ أَهَمَّ ﭐلْمَهَارَاتِ ﭐلْعَمَلِيَّةِ وَطُرُقِ ﭐلْعَيْشِ ﭐلْمُقَوِّمَةِ لِصِيَغِ ﭐلنَّظَرِ وَﭐلْإِدْرَاكِـ وَﭐلتَّقْيِيمِ وَﭐلْفِعْلِ ﭐللَّتِي يُعْمِلُهَا ﭐلْفَاعِلُ ﭐلِاجْتِمَاعِيُّ فِي هَذَا ﭐلْعَالَمِ. ذَالِكَـ بِأَنَّ جِهَاتِ ﭐلْفَاعِليَّةِ وَﭐلْمَفْعُولِيَّةِ فِي هَذَا ﭐلْمَجَالِ مُتَدَاخِلَةٌ وَمُتَشَابِكَةٌ إِلَى ﭐلْحَدِّ ﭐللَّذِي لَا يَسْمَحُ بِتَبَيُّنِ إِمْكَانَاتِ ﭐلتَّمَايُزِ أَوْ جَوَانِبِ ﭐلتَّكَامُلِ بِسُهُولَةٍ. وَعِنْدَمَا يُتَحَدَّثُ عَنِ ﭐلتَّعْلِيمِ/ﭐلتَّعَلُّمِ فَإِنَّ ذَالِكَـ لَا يُمْكِنُ مِنْ دُونِ تَوْسِيعِ فِعْلِ ﭐلتَّلَقِّي وَﭐلِاكْتِسَابِ إِلَى دَرَجَةِ ﭐلْفِعْلِ ﭐلْكَامِلِ مِنْ طَرَفِ ﭐلْفَاعِلِ ﭐلْمَعْنِيِّ (ﭐلْمُتَعَلِّمُ) أَوْ تَقْلِيصِ هَذَا ﭐلْفِعْلِ إِلَى مُسْتَوَى يَجْعَلُهُ ﭐنْفِعَالًا تَامًّا لِعَوَامِلَ أَوْ فَوَاعِلَ تَبْلُغُ هَذَا ﭐلْقَدْرَ أَوْ ذَاكَـ مِن ﭐلتَّعَيُّنِ (ﭐلْمُعَلِّمُ/ﭐلْمَدْرَسَةُ).
   إِنَّ ﭐلرُّؤْيَةَ ﭐلسَّائِدَةَ حَوْلَ هَذِهِ ﭐلْمَسْأَلَةِ صَارَتْ مُقَيَّدَةً، إِلَى هَذَا ﭐلْحَدِّ أَوْ ذَاكَـ، بِـﭑلْمَجَالِ حَيْثُ لَمْ يَعُدْ يُتَصَوَّرُ أَيُّ إِمْكَانٍ لِلتَّعَلُّمِ/ﭐلتَّعْلِيمِ : فَمِنْ دُونِ ﭐلْمُؤَسَّسَةِ ﭐلْمَدْرَسِيَّةِ (بِمَعْنَى ﭐلتَّأْسِيسِ/ﭐلتَّرْسِيخِ ﭐلْمُنْفَكِّـ عَنْ ضَرُورَاتِ ﭐلْمُمَارَسَةِ ﭐلْمُبْتَذَلَةِ) لَا يَكُونُ ﭐلْأَمْرُ سِوَى تَوَارُثٍ فِطْرِيٍّ أَوْ ﭐسْتِخْلَافٍ سِحْرِيٍّ لِمُجْمَلِ مَا يُمْكِنُ تَنَاقُلُهُ مِنَ ﭐلْمَهَارَاتِ وَﭐلْخِبْرَاتِ فِي مَجَالٍ ﭐجْتِمَاعِيٍّ مُعَيَّنٍ. وَهَكَذَا لَمْ يَعُدْ يُسْتَطَاعُ، فِي ظِلِّ سَيْطَرَةِ ﭐلْمَدْرَسَانِيَّة (كَنَزْعَةٍ نَحْوَ جَعْلِ ﭐلتَّفَرُّغِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ وَسِيلةَ وَغَايَةَ ﭐلِانْعِكَاسِ ﭐلتَّفَكُّرِيِّ فِيمَا هُوَ أَصْلًا مُمَارسَةٌ وعَمَلٌ)، ﭐلنَّظَرُ إِلَى سَيْرُورَةِ ﭐلتَّكَوُّنِ ﭐلْفَرْدِيِّ وَﭐلْجَمْعِيِّ مِنْ خِلَالِ مَجْمُوعِ إِجْرَاآتِ وَآلِيَّاتِ ﭐلتَّنْشِئَةِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ ﭐللَّتِي تُرَكِّزُ نَوْعًا مِنْ ﭐلْحِسِّ ﭐلْعَمَلِيِّ فِي ﭐلْفَاعِلِيَّةِ ﭐلْبَشَرِيَّةِ ﭐلْمُتَعَلِّقَةِ بِـﭑكْتِسَابِ ﭐلْمَلَكَاتِ وَتَحْصِيلِ ﭐلْمَطَالِبِ ﭐللَّتِي يَقْتَضِيهَا ﭐلْوُجُودُ ﭐلنَّوْعِيُّ لِلْإِنْسَانِ – مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَالِكَـ – فِي هَذَا ﭐلْعَالَمِ بِكُلِّ شُرُوطِهِ وَإِكْرَاهَاتِهِ.
   وَمِنْ دُونِ إِمْكَانِ بَسْطِ ﭐلْمَوْضُوعِ هُنَا بَسْطًا كَافِيًا، تَجْدُرُ ﭐلْإِشَارَةُ فَقَطْ إِلَى أَبْرَزِ ﭐلْجَوَانِبِ ﭐلْمُتَعَلِّقَةِ بِـﭑلْمَسْأَلَةِ ﭐلْمَعْنِيَّةِ. فَإِذَا كَانَتِ ﭐلْمُؤَسَّسَةُ ﭐلْمَدْرَسِيَّةُ (بِكُلِّ فَضَاآتِهَا وَرِهَانَاتِهَا) قَدِ ﭐسْتَوْلَتِ ﭐلْآنَ- فِي مُعْظَمِ ﭐلْمُجْتَمَعَاتِ ﭐلْإِنْسَانِيَّةِ، بِفَضْلِ ﭐلتَّفْوِيضِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ مِنْ لَدُنِ ﭐلدَّوْلَةِ - عَلَى مَجَالِ نَقْلِ وَتَرْسِيخِ آلِيَّاتِ حِفْظِ أَوْ إِعَادِةِ إِنْتَاجِ ﭐلنُّظُم ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ وَﭐلثَّقَافِيَّةِ فِي كُلِّ عَالَمٍ ﭐجْتِمَاعِيٍّ عَلَى مُسْتَوَى ﭐلْوَطَنِ أَوِ ﭐلْأُمَّةِ، فَإِنَّ ﭐلضَّرُورَةَ ﭐلْبَحْثِيَّةَ تَحْتِمُ أَنْ لَا تَتِمَّ إِعَادَةُ ﭐلتَّفْكِيـرِ فِي هَذَا ﭐلْأَمْرِ إِلَّا مِِنْ خِلَالِ ﭐلْمَنَافِذِ وَﭐلْمَسَالِكِـ ﭐللَّتِي يُمْكِنُ تَبَيُّنُهَا فِي سَيْرُورَةِ ﭐلتَّعْلِيمِ/ﭐلتَّعَلُّمِ كَمَا تُشَاهَدُ وَتُعَاشُ فِي فَضَاءِ فِعْلِ ﭐلْمُؤَسَّسَةِ ﭐلْمَدْرَسِيَّةِ نَفْسِهَا. وَلِذَا يَبْدُو أَنَّ تَنَاوُلَ مَوْضُوعِ ﭐكْتِسَابِ ﭐسْتِعْمَالَاتِ ﭐللَُّغَةِ ﭐلْوَجِيهَةِ فِي ﭐلْوَسَطِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ سَيَكُونُ أَفْضَلَ إِمْكَانٍ مُتَاحٍ فِي هَذَا ﭐلْمَجَالِ. 
  إِنَّ ﭐكْتِسَابَ وَﭐسْتِعْمَالَ ﭐللُّغَةِ أَمْرَانِ مُنْدَرِجَانِ، ﭐبْتِدَاءً، فِي سِيَاقِ ﭐلتَّنْشِئَةِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ لِأَعْضَاءِ كُلِّ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ؛ مِمَّا يَجْعَلُ تَلَقِّيَ ﭐلْكَيْفِيَّاتِ ﭐلْمَشْرُوعَةَ لِلْكَلَامِ يَتِمُّ مِنْ خِلَالِ ﭐلتَّكَوٌّنِ ﭐلْفَرْدِيِّ-ﭐلْجَمْعِيِّ حَسَبَ ﭐلْفَضَاآتِ ﭐلْمُخْتَلِفَةِ ﭐللَّتِي يَتَقَلَّبُ فِيهَا ﭐلْمَرْءُ عَلَى ﭐمْتِدَادِ مَسَارَاتِهِ ﭐلْمُتَعَدِّدَةِ فِي ﭐلْحَيَاةِ وَﭐلْوُجُودِ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ ﭐكْتِسَابَ ﭐللُّغَةِ ﭐلْمَشْرُوعَةِ لَا يَخْضَعُ لِنَمَطِ ﭐلْمُحَاكَاةِ ﭐلْآلِيَّةِ أَوْ ﭐلْعَادِيَّةِ، كَمَا أَنَّ ﭐسْتِعْمَالَهَا تَتَحَكَّمُ فِيهِ شُرُوطٌ عَمَلِيَّةٌ تَتَجَاوَزُ مُقْتَضَيَاتِ ﭐلتَّفَاعُلِ إِلَى تَحْدِيدَاتِ ﭐلتَّشْرِيطِ ﭐلْبِنْيَوِيِّ لِلْفَاعِلِيَّةِ ﭐللُّغَوِيَّةِ لِلْمُتَكَلِّمِ. وَكُلُّ هَذَا يَجْعَلُ تَعَلُّمَ ﭐللُّغَةِ وَتَعْلِيمَهَا يَدْخُلَانِ فِي إِطَارِ سَيْرُورَةٍ ﭐجْتِمَاعِيَّةٍ وَتَدَاوُلِيَّةٍ تَتَعَالَى عَلَى مَا هُوَ مُقَدَّرٌ لِلْمُؤَسَّسَةِ ﭐلْمَدْرَسِيَّةِ (وَكَذَا نَظَائِرِهَا مِنَ ﭐلْمُؤَسَّسَاتِ ﭐلرَّسْمِيَّةِ لِلْإِنْتَاجِ ﭐلرَّمْزِيِّ كَـﭑلْإِذَاعَةِ وَﭐلتَّلْفَزَةِ وَﭐلْمَسْجِدِ وَﭐلْمَسْرَحِ وَﭐلسِّينِمَا) مِنْ ﭐسْتِثْمَارَاتٍ لَا تَكَادُ تَمْتَدُّ، فِي أَحْسَنِ ﭐلْأَحْوَالِ، إِلَى أَبْعَدَ مِنْ إِعَادَةِ إِنْتَاجِ تَرَاتُبَاتِ وَﭐنْتِظَامَاتِ ﭐلنِّظَامِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ ﭐلْقَائِمِ. بِصِيغَةٍ أُخْرَى، مَا دَامَ ﭐلتَّعْلِيمُ ﭐللُّغَوِيُّ يَتِمُّ وَفْقَ شُرُوطِ ﭐلْحَقْلِ ﭐلْإِدَارِيِّ وَﭐلسِّيَاسِيِّ (أَلْعَابُ وَرِهَانَاتُ مُؤَسَّسَاتُ ﭐلدَّوْلَةِ) فَإِنَّ ﭐلدُّرُوسَ ﭐللَّتِي يَزْخَرُ بِهَا ﭐلْجِسْمُ ﭐلِاجْتِمَاعِيُّ (مِنْ خِلَالِ فَضَاآتٍ مَفْتُوحَةٍ نِسْبِي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تعريب أعجمي

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 6 يناير 2008 الساعة: 20:19 م

    قَدْ يَبْدُو لِكَثِيـرِينَ أَنَّنَا بِمَا نَحْنُ عَرَبٌ فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْنَا مِنْ دُونِ أَيِّ إِشْكَالٍ. لَاكِنَّ مَسْأَلَةَ ﭐلتَّعْرِيبَ لَا يُمْكِنُ، فِي ﭐلْوَاقِعِ، أَنْ تَمُرَّ دُونَ أَنْ تُـثِـيـرَ إِشْكَالَاتٍ. وَهَذَا مَا يَجْعَلُ تَنَاوُلَ ﭐلتَّعْرِيبِ مَوْضُوعًا لِلْأَخْذِ وَﭐلرَّدِ بَيْنَ ﭐلْأَنْصَارِ وَﭐلْخُصُومِ. وَلِذَا، أَيْضًا، لَا يَزَالُ ﭐلتَّعْرِيبُ، فِي مُعْظَمِ ﭐلْبُلْدَانِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ، مُتَعَثِّرًا وَسَطْحِيًّا.
 
    لَقَدِ ﭐرْتَبَطَ ﭐلتَّعْرِيبُ فِي أَذْهَانِ ﭐلنَّاسِ بِجَعْلِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ لِسَانَ ﭐلتَّعْلِيمِ وَﭐلْإِدَارَةِ بَدَلَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐللَّتِي بَوَّأَتْهَا ﭐلسَّيْطَرَةُ ﭐلِاسْتِيطَانِيَّةُ لِلْأُرُوبِّـيِّيـنَ ﭐلْمَكَانَةَ ﭐللَّتِي كَانَ يَحْتَلُّهَا مِنْ قَبْلُ هَذَا ﭐللِّسَانُ. وَعَلَى ﭐلرَّغْمِ مِنْ رُسُوخِ هَذَا ﭐلْمَعْنَى وَسِيَادَتِهِ، فَإِنَّه لَا يَشْمَلُ، فِي ﭐلْوَاقِعِ، سِوَى أَحَدِ أَبْعَادِ ﭐلتَّعْرِيبِ(لِأَنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ بِمَا هُوَ ﭐللِّسَانُ ﭐلْقَوْمِيُّ لِلْعَرَبِ فَإِنَّهُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ ﭐللِّسَانَ ﭐلْمُسْتَعْمَلَ فِي ﭐلتَّعْلِيمِ وَﭐلْإِدَارَةِ). غَيْرَ أَنَّ هَذَيْنِ ﭐلْمَجَالَيْنِ (ﭐلْمَدْرَسَةَ وَﭐلْإِدَارَةَ) لَا يُكَرِّسَانِ مِنَ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ سِوَى جَانِبَيْهِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ وَﭐلرَّسْمِيِّ ؛ وَتَبْقَى ﭐلْحَيَاةُ ﭐلْعَامَّةُ -مَعَ ذَالِكَـ- خَارِجَ إِطَارِ ﭐلتَّعْرِيبِ كَسَيْرُورَةٍ قَائِمَةٍ أَسَاسًا عَلَى ﭐلتَّفْصِيحِ وَﭐلتَّهْذِيبِ وَﭐلتَّنْشِيطِ. وَلَا أَدَلَّ عَلَى هَذَا مِنْ أَنَّ عَامَّةَ ﭐلْعَرَبِ مَا زَالَتْ لَا تَعْرِفُ مِنَ ﭐللُّغَتَيْنِ ﭐلْمَدْرَسِيَّةِ وَﭐلْإِدَارِيَّةِ إِلَّا ﭐلِاسْمَ. طَبْعًا إِنَّ سُلْطَتَهُمَا، بِصِفَتِهِمَا لُغَتَيْنِ تَتَّسِمَانِ بِمَشْرُوعِيَّةٍ تَضْمَنُهَا ﭐلدَّوْلَةُ، تَسْرِي عَلَى ﭐلْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ ﭐلدَّوْلَةَ كَانَتْ وَمَا زَالَتْ لَا تَرَى مَعْنًى لِلتَّعْرِيبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ﭐللِّسَانُ ﭐلعَرَبِيُّ- فِي صِيغَتِهِ ﭐلصُّورِيَّةِ/ﭐلشَّكْلِيَّةِ- ﭐللُّغَةَ ﭐلرَّسْمِيَّةَ لِلْبَلَدِ. وَلِكَيْ تَضْمَنَ هَذَا ﭐلْأَمْرَ كَانَ لَابُدَّ أَنْ تَجْعَلَهُ، خُصُوصًا فِي ﭐلْمُسْتَوى قَبْلَ ﭐلْجَامِعِيِّ، لُغَةَ ﭐلتَّعْلِيمِ وَتَخْرِيجِ ﭐلْأُطُرِ. فَلَا عَجَبَ، إِذًا، أَنْ يَبْقَى ﭐللِّسَانُ ﭐلْعَرَبِيُّ رَمْزًا قَوْمِيًّا أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ أَدَاةٌ ﭐجْتِمَاعِيَّةٌ لِلْإِنْتَاجِ ﭐلثَّقَافِيِّ وَﭐلْبِنَاءِ ﭐلْحَضَارِيِّ. وَﭐلسَّبَبُ، ﭐللَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، هُوَ أَنَّ ﭐلسَّوَادَ ﭐلْأَعْظَمَ مِنَ ﭐلشُّعُوبِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ لَا يَعْرِفُ مِنَ ﭐللُّغَةِ سِوَى أَنَّهَا وَسِيلَةٌ مُبْتَذَلَةٌ لِقَضَاءِ أَغْرَاضِ ﭐلْمَعَاشِ ﭐلْيَوْمِيِّ ﭐلْخَاضِعِ لِلْمَدَى ﭐلزَّمَنِيِّ ﭐلْقَرِيبِ وَﭐلْمُنْقَطِعِ عَنِ ﭐلْقَصْدِيَّةِ ﭐلِانْعِكَاسِيَّةِ.
  
    وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ ﭐللَّذِي كَانَ يَقِفُ فِي ﭐلْمَاضِي ضِدَّ ﭐلْمَوْجَاتِ ﭐلشُّعُوبِيَّةِ ﭐلطَّاعِنَةِ فِي هُوِّيَّةِ ﭐلْعَرَبِ وَﭐلرَّامِيَّةِ إِلَى إِقْصَائِهِمْ مِنْ مَسَارَاتِ ﭐلْحَضَارَةِ ﭐلْبَشَرِيَّةِ قَدْ ضَاعَ أَوَّلًا فِي زَحْمَةِ ﭐلثَّوَرَاتِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ لِتَحْرِيرِ ﭐلْوَطَنِ وَإِنْشَاءِ ﭐلدَّوْلَةِ ﭐلْمُسْتَقِلَّةِ، ثُمَّ طُمِسَ طَمْسًا بَعْدَ ذَالِكَـ فِي طُوبَـيَاتِ ﭐلِاشْتِرَاكِيَّةِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ أَوِ ﭐلِانْفِتَاحِيَّةِ ﭐلْمُتَرَسْمِلَةِ ﭐللَّتَيْنِ لَمْ تَكُونَا تَعْرِفَانِ سِوَى تَحْقِيقِ ﭐلتَّنْمِيَةِ وَﭐلْعَدَالَةِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ وَلَوْ تَمَّ ذَالِكَـ بِأَكْوَامٍ مِنَ ﭐلْمَوَادِّ ﭐلْبَشَرِيَّةِ ﭐللَّتِي لَا تَنْطِقُ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهَا وَإِذَا نَطَقَتْ فَلَا تَمْلِكُـ أَنْ تُخَالِفَ أَمْرًا. وَهَكَذَا ضَيَّعَ ﭐلْعَرَبُ أَسْنَحَ فُرْصَةٍ فِي ﭐلْقِيَامِ بِـتَعْرِيبٍ ﭐجْتِمَاعِيٍّ شَامِلٍ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ ﭐلْمَدْرَسَةِ وَﭐلْحَيَاةِ ﭐلْعَامَّةِ وَلَا بَيْنَ ﭐلْمَجَالِ ﭐلرَّسْمِيِّ وَﭐلْفَضَاءِ ﭐلْعُمُومِيِّ، تَعْرِيبٌ يَبْدَأُ بِتَعْلِيمِ ﭐلنَّاسِ أَنَّهُمْ عَرَبٌ أَصْحَابُ تَارِيـخٍ وَرِسَالَةٍ فِي مَوْكِبِ ﭐلْإِنْسَانِيَّةِ وَلَيْسَ ﭐلهَاءَهُمْ بِـعُرُوبَةٍ تَهْوِي هُوِيَّةً عَصَبِيَّةً وَنَخْوَةً شِعْرِيةً وَتَرْتَكِسُ أَمَامَ مَنْ يَصْنَعُ مِنْ مَحْضِ أَوْهَامِهِ تَارِيـخًا وَيَـبْنِي بِفَضْلِ نَعَرَاتِ ﭐلْعَرَبِ ﭐلْقَوْمَانِيَّةِ دَوْلَةً وَأُمَّةً.
  
    إِنَّ ﭐلْعَرَبَ وَهِمُوا طَوِيلًا وَكَثِيـرًا وَلَمَّا يَقِفُوا عَلَى أَصْلِ ﭐلْبَلَاءِ ﭐللَّذِي مَا ﭐنْفَكُّوا يَصْطَلُونَ بِشَدَائِدِهِ : لَمْ يَنْهَزِمُوا فِي مَعَارِكِـ ﭐلتَّارِيخِ ﭐلْحَدِيثِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَقَلَّ رُجُولَةً أَوْ لِأَنَّهُمْ يَجْهَلُونَ لِسَانَ ﭐلْأَجْدَادِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ ظَلُّوا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ﭐلْحُلْمِ كَرَمْزٍ لِإِرَادَةٍ حَيَّةٍ وَفَاعِلَةٍ وَﭐلْحُلْمِ كَدُوَّامَةٍ مِنَ ﭐلِانْتِشَاءِ ﭐلدَّائِمِ بِأَسَاطِيـرِ ﭐلْعَجَائِزِ وَأَفَانِيـنِ ﭐلْحُكَاةِ. وَلِذَا فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ لَمْ يُنْظَرْ إِليْهِ إِلَّا بِكَوْنِهِ عَمَلًا عَلَى ﭐسْتِرْدَادِ حَقِّ لِسَانِنَا ﭐلسَّلِيبِ وَجَعْلِهِ يَنْبَعِثُ عَلَى أَلْسِنَةِ ﭐلشُّعَرَاءِ وَﭐلْخُطَبَاءِ لِيَهِيمَ ﭐلنَّاسُ فِي وِدْ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الوهم اللغوي لا يصنع حقيقة الفلسفة

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 1 يناير 2008 الساعة: 18:04 م

  
    هُوَ كَلِمَةٌ تَتَحَدَّدُ نَحْوِيًّا بِأَنَّهَا ضَمِيـرٌ مُنْفَصِلٌ يَدُلُّ عَلَى ٱلْمُفْرَدِ ٱلْمُذَكَّرِ ٱلْغَائِبِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ هِيَ ضَمِيـرٌ مِثْلُهُ يَدُلُّ عَلَى ٱلْمُفْرَدِ ٱلْمُؤَنَّثِ ٱلْغَائِبِ، وَيَصِيـرَانِ فِي ٱلْمُثَنَّى هُمَا وَفِي ٱلْجَمْعِ ٱلْمُذَكَّرِ هُمْ وَفِي ٱلْجَمْعِ ٱلْمُؤَنَّثِ هُنَّ. وَيُسْتَعْمَلُ لَفْظُ هُوَ فِي حَالَتَيْنِ : أَنْ يَكُونَ ضَمِيـرًا مُنْفَصِلًا يَدُلُّ عَلَى ٱلْغَائِبِ، كَقَوْلِكَـ هُوَ كَاتِبٌ، أَوْ أَنْ يَكُونَ ضَمِيـرَ عِمَادٍ وَفَصْلٍ يُسْتَعْمَلُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، كَقَوْلِكَـ زَيْدٌ هُوَ ٱلْكَاتِبُ (زَيْدٌ ٱسْمُ عَلَمٍ مَعْرِفَةٌ وَٱلْكَاتِبُ صِفَةٌ/نَعْتٌ مَعْرِفَةٌ). وَفِي هَذِهِ ٱلْحَالَةِ ٱلْأَخِيـرَةِ تَجِبُ ٱلْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ ٱلطَّرَفَيْنِ ٱللَّذَيْنِ يَفْصِلُ، بَلْ يَصِلُ بَيْنَهُمَا ضَمِيـرُ هُوَ (فِي ٱلْمِثَالِ ٱلسَّالِفِ زَيْدٌ وَٱلْكَاتِبُ مُتَمَاثِلَانِ، يَدُلَّانِ عَلَى ٱلشَّخْصِ عَيْنِهِ). أَمَّا فِي حَالَةِ ٱلْمُبْتَدَإِ وَٱلْخَبَرِ فَلَا مَحَلَّ لَهُ، كَقَوْلِكَـ زَيْدٌ كَاتبٌ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ زَيْدٌ [هُوَ] كَاتِبٌ، وَإِلَّا لَصِرْتَ إِلَى أَحَدِ ٱلْقَوْلَيْنِ ٱلسَّابِقَيْنِ ٱلْمُخْتَلِفَيْنِ تَرْكِيبًا وَمَعْنًى : هُوَ كَاتِبٌ أَوْ زَيْدٌ هُوَ ٱلْكَاتِبُ (اُنْظُرْ : عَبَّاسٌ حَسَنٌ، ٱلنحو ٱلوافِي، ج1، ص.242-250. وَٱنْظُرْ أَيْضًا : عَبْدُ ٱلرَّحْمَانِ طَهَ، ٱللُّغَةُ وَٱلْفَلْسَفَةُ، بالفرنسية، مَطْبَعَةُ فُضَالَةَ، 1979، ص.22-27).
   إِنَّ كَلِمَةَ هُوَ لَا تُطَابِقُ ﭐلْبَتَّةَ ٱلرَّابِطَ ٱلْإِسْنَادِيَّ كَمَا يُوجَدُ فِي ٱلْأَلْسُنِ ٱلْأُرُوبِّـيَّة : مَثَلًا فِي ٱلْإِنْجليزيَّةِ  «to be» وَفِي ٱلْفَرَنْسِيَّةِ «l’auxillaire être»، فَقَوْلُ ﭐلْإِنْجليزيِّ «John is sick» أَوْ قَوْلُ ٱلْفَرَنْسِيِّ «Jean est malade» يُقَابِلُهُ ﭐلْعَرَبِيُّ بِقَوْلِهِ يَحْيَى مَرِيضٌ، وَلَا يَصِحُّ إِيرَادُ هُوَ إِلَّا فِي مُقَابِلِ «He is sick» أَوْ «Il est malade » بِقَوْلِكَـ هُوَ مَرِيضٌ، بَلْ قَدْ يُؤَدَّى ٱلْمَعْنَى نَفْسُهُ بِقَوْلِكَـ إِنَّهُ مَرِيضٌ ؛ أَوْ فِي مُقَابِلِ « It is it the invalid » أَوْ  «c’est lui le malade» بِقَوْلِكَـ هُوَ ﭐلْمَرِيضُ (وَلَيْسَ غَيْرُهُ). أَمَّا قَوْلُهُمْ هُوَ [هُوَ] كَمَا فِي تعبيـرِ ٱلْمَنَاطِقَةِ عَنِ ٱلْمُمَاثَلَةِ أَو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مَنْ لَمْ يَغُشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 14:43 م

 
"مَنْ لَمْ يَغُشَّـنَا، فَلَيْسَ مِنَّا !"
 
   اِبتداءً، لَا يتعلق ﭐلْأمر، هُنَا، بِخطإٍ فِي قراءة ﭐلْحديث ﭐلنبوي ﭐلْمعروف ("ليس مِنَّا مَنْ غَشَّنَا" أو "مَنْ غَشَّنَا فليس مِنَّا")، على ﭐلرغم من أن ﭐلْأمر، فِي هذا ﭐلْمقال، يتعلق بـ"حديثٍ"، "حديث" يدور ﭐلْآن على ألْسُنِ ﭐلناس، بل يكاد يَجري على ألسن كل ﭐلناس، بِما فيهم ﭐللذين ﭐتَّخذوا "ﭐلغش" أسلوبَ حياةٍ حَتَّى أصبحوا لَا يَجِدون فِي أنفسهم أدْنَى تَرَدُّدٍ عن إتيانه فِي كلِّ فِعْلٍ من أفعالِهم، إما بِمقتضى ﭐلتَعَوُّد وإما بفعل ﭐلِاضطرار. فَمَا دَلَالَةُ "ﭐلْغِش" فِي حياة ﭐلناس ؟ وما ﭐلْموقف ﭐللَّذي ينبغي أن يُتَّخذَ إزاءه ؟
   هذه فَتْرة ﭐلِاختبارات (ﭐللَّتِي يُصِرُّ ﭐلناسُ عِنْدنا على تسميتها بـ"ﭐلِامتحانات" حِرْصًا على ربطها بـ"ﭐلْمِحْنَة"، إما غفلةً عن ﭐلْإيـحاء ﭐلسَّلْبِي لِلَّفظ وإما تكريسًا غيْرَ وَاعٍ للواقع ﭐلفعلي ﭐللَّذِي لَا يرى طريقةً لِـ"ﭐخـتِـبَارِ" ﭐلْمرشحيـن إِلَّا بـ"إِتعابِهم" و"إعناتِهم") فِي كثيـرٍ من بُلدان ﭐلعالَم، كما هي فترة لِلِانتخابات فِي بعضها. وبَيْن "ﭐلِاختبار" و"ﭐلِانتخاب" مُجَانَسَةٌ من ﭐلناحية ﭐلصورية (ﭐلرمزية-ﭐللغوية) ومن ﭐلناحية ﭐلْمادية (ﭐلْمضمون ﭐلتداولِي وﭐلوظيفة ﭐلِاجتماعية). ويكفي أن ندركـ أن ﭐلْأمر، فيهما معًا، يتعلق بـ"عمل على تبَيُّن مدى خِبْرة ﭐلْمرشحيـن لِيَكُونُوا أهلًا لِمَا ينتظره منهم مُجتمعهم من مَهَامَّ أو خدمات". لَاكِنَّهُمَا يشتركان، أيضا، فِي كونِهما يَعْرِفَانِ مُمَارسةً لِـ"ﭐلغش" ﭐللَّذي نَحْنُ بصدد ﭐلْحديث عنه.
   قد يرى بعض ﭐلناس أن ﭐلْأهَمِية ﭐللَّتِي يَحظى بِها، فِي ﭐلْمجتمعات ﭐلْمعاصرة، مَجال ﭐلتعليم ومَجال ﭐلسياسة تكفي لِجعل موضوع "ﭐلغش" يكتسي، بدوره، أهَمية كُبْرى. غيْر أن ما يُعطي، فِي ﭐلْحقيقة، هذا ﭐلْموضوع جدارته هو أنه يقودنا إلَى ﭐلنظر فِي كيفية ﭐلِاشتغال ﭐلِاجتماعي لِأنْماط ﭐلْمُلَاحقة ﭐللَّتِي يَطْلُب من خِلَالِها ﭐلنَّاسُ تَحقيق أغراضهم وﭐلوُصُول إلَى أهدافهم بصدد كل ما يُشَكِّلُ، فِي مُجتمعاتِهم ﭐلْخاصة، "أشياءً قَيِّمَةً" أو "رِهَانًا" (يتعلق ﭐلْأمرُ بـ"ﭐقتصادٍ" كاملٍ لَا يصح أن يُخْتَزَل، كما يُفْعَلُ عادَةً، فِي "ﭐلِاقتصاد" بِـﭑلْمعنَى ﭐلْخاص، وكونُ ﭐلْأمر بِهذا ﭐلعمق هو ما يَجعل ﭐلتركيز على "ﭐلغش" فِي ﭐلتعليم وﭐلسياسة يُخْفِي "ﭐلغش" ﭐلْحقيقي ﭐلقائم فِي أصل كل أنواع "ﭐلغش" ﭐلْأخرى). ولِهذا فإنَّ ﭐلسؤالَ ﭐللَّذِي يتعيَّنُ وضعُه وﭐلْجَوَابُ عنه إنَّما هو : مَا هي ﭐلْأسبابُ ﭐلْمُحَدِّدةُ (بَلِ ﭐلْعِلَلُ ﭐلْمُبَرِّرَةُ) ﭐللَّتِي تَجْعَلُ لبعض ﭐلناس مصلحةً فِي مُمارسة "ﭐلغش" بِمجتمعاتِهم ﭐلْخاصة ؟ وتتمثل أهَميةُ هذا ﭐلسؤال فِي أن ﭐلْإجابة عنه يُمكنها أن تُسْهِم فِي معرفة ﭐلضرورة ﭐللَّتِي يَخضع لَها "ﭐلغَشَّاشُ" و، من ثَمَّ، معرفة إمكان تَهييء ﭐلظروف ﭐللَّتِي تَجعلُ له مصلحة فِي عدم إتيانه، أي تَجعله يتحرر من ﭐلضرورة ﭐللَّتِي تستعبده.
   لَعَلَّ أوَّلَ ما نصادِفُه، بصدد موضوع "ﭐلغش"، أَمْرَانِ : غيابُ ﭐلتحديد ﭐلدقيق للممارسة ﭐللَّتِي تُسَمى "غِشًّا"، ثُمَّ غَلَبَةُ ﭐلِاستنكار وشُيُوع ﭐلْإدانة لدى ﭐلناس، حَتَّى بَيْن ﭐلغَشَّاشِيـنَ منهم. ومن هنا يأتِي، فِي ﭐلغالب، ما يستشري من وَعْظٍ أخْلَاقي-إِرَادَانِيٍّ وﭐستعراضٍ غَوْغَائِي-شَعْبَانِيٍّ بَيْنَ ﭐلْمتدخليـن من مُحْتَرِفِي ﭐلْخطاب، سواءٌ أَكَانُوا سَاسَةً مُتَقَاعِسيـن أم مُثقفيـن مُتَكَاسِليـن. وكِلْتَا ﭐلطريقتيْن فِي تناول "ﭐلغش" تُعَدُّ "مَغْشُوشَةً"، أي "غيْر خالصة" و"غيْر مُخَلِّصَة"، من حيث إن ﭐلوعظَ ﭐلْأخلَاقيَّ-ﭐلْإِرَادَانِيَّ (بِما هو حديث عما يَجِبُ أن يكون عليه ﭐلسلوكـ ﭐلْمِثالِي ﭐلنابع من واجب ﭐلْإرادة ﭐلْخَيِّرة) لَا قُدرة له على تغييـر ﭐلطِّبَاعِ ﭐللَّتِي تَخضعُ لشروطٍ مُحَدِّدَة فِي ﭐلواقع ﭐلْعيْنِي، ولَا يستطيعُ ﭐلِاستعراض ﭐلغوغائيُّ-ﭐلشَّعْبَانِيُّ (بِما هو طلبٌ للمُثِيـرِ وﭐلعجيب من ﭐلْأخبار وإخراجها فِي خِطَابِ "تَسْلِيَةٍ" بقصدٍ ظاهرٍ لِـ"ﭐلتَّوْعِيَةِ" يُخْفِي إغراءَ/إكراهَ "ﭐلتَّلْهِيَةِ" ﭐلْمسيطر) إلَّا أن يَسْتَثِيـرَ مَشَاعِرَ هي نفسها ﭐلْمشاعرُ ﭐللَّتِي تُـمَكِّنُ، فِي ﭐلواقع، لِمُمَارسة "ﭐلغش" بِـﭑبتذاله وتَطْبِيعه. ولِهذا فإن أيَّ تناوُلٍ جَادٍّ لـ"ﭐلغش" يقتضي، بِـﭑلضرورة، تَجاوُز تَيْنِكـ ﭐلطريقتيْن ﭐللَّتَيْنِ صارَتَا سائدتيْنِ بِـﭑعتبارهِما، على ﭐلْأقل بِـﭑلنسبة لِكُسَالَى ﭐلفكر، أفضل ما هو مُمكنٌ منهجيا (أو "لَامنهجيا" لِأن ﭐلْأمر يتعلق، فِي ﭐلواقع، بِنَزْعةٍ تَدَّعِي إمكان بناء ﭐلْحقيقة ضد "ﭐلْمنهج" ﭐلعلمي بِـﭑلتحديد) فِي معالَجة ﭐلْمشكلَات ﭐلقائمة.
   لَا شَكَّـ فِي أنَّ ما يُسَمَّى "ﭐلغش" قد صار شائعا فِي كل قطاعات ﭐلْمجتمع (بِما فيها تلكـ ﭐللَّتِي تَختص بِـﭑستنكاره وتَحريـمه، مثل قطاع ﭐلدين وقطاع ﭐلتعليم وقطاع ﭐلقضاء)، إلَى ﭐلْحَدِّ ﭐللَّذِي أصبح يفرض نفسه على ﭐلْإنسان ﭐلعادي، بل يكاد يكون ﭐلْمعيار ﭐللَّذِي يُقَاسُ بِهِ مدى "نباهة" و"نَجاح" ﭐلْمرء فِي مُجتمعٍ هذا شأنه. وإذا كان ﭐلْمشتغلون بِـﭑلتربية وﭐلتعليم يظنون، فِي غالب ﭐلْأحيان، أنَّهم هُمْ أول مَعْنِيٍّ ومُعَانٍ لـ"ﭐلغش"، فَرُبَّما لِأنَّهم لَا يزالون يتوهَّمُون أنَّهم ﭐلْمَعْنِيِّيـن، فِي ﭐلْمقام ﭐلْأول، بصناعة ﭐلْإنسان "ﭐلصالِح" فِي ﭐلْمجتمع، ﭐلْإنسان ﭐللَّذي يعرف "مصلحته" ويعرف ﭐلطريق "ﭐلصالِح" لِبُلُوغها على ﭐلنحو ﭐللَّذِي يَكْفُل "صلَاح" ﭐلْمجتمع نفسه. لَاكِنْ من ﭐلْمُفَارَقة أنَّ ميدان ﭐلتربية وﭐلتعليم لَا يَمتاز، إذا كان بِـﭑلفعل يَمتاز بشيء، إلَّا بكونه ميدانًا لِصَقْلِ وتَهذيب ﭐلسلوكـ "ﭐلغشاش" ﭐللَّذِي يُبْنَى خارجَه وقَـبْلَهُ (خارج وقبل تَدَخُّلِه)، إلَى ﭐلْحد ﭐللَّذي يُجِيزُ ﭐلْحديث عن "فُنُونِ وتقنيات ﭐلغش" لدى ﭐلْمتعلميـن، بل إلَى ﭐلْحد ﭐللَّذِي يَجعل كثيـرًا من ﭐلْمُرَبِّيـن وﭐلْمُعَلِّمِيـن أساتذةً "فِي ﭐلغش" و"بِـﭑلغش"، ولو بِطُرقٍ غـيْر مباشرة. وهل من ﭐلْممكن، فِي ﭐلواقع، أن يكون ﭐلْمرءُ غشاشا من دون أن يكون وراءه مُرَبٍّ أو مُعَلِّمٌ مُقْتَدِرٌ لَقَّنَهُ ﭐلغش ؟ تُرَى، إذا تَجاوزنا ﭐلتوجهَ ﭐلعامِّيَّ نَحو تَحْمِيل ﭐلْمسؤولية لِلْأفراد أو ﭐلْأشخاص، هل يبقى هناكـ مِنْ رَاعٍ لِـ"ﭐلغش" فِي ﭐلواقع غيْر ﭐلْمجتمع نفسه بِما هو "نظام من ﭐلِاتفاقات" بواسطته تُنْتِجُ جَماعاتُ ﭐلناسِ حاجاتِ وأغراضَ معاشها فِي هذا ﭐلعالَم بشروطه ﭐلْمعلومة ؟
    يُمكن أن نُحَدِّدَ "ﭐلغش" بأنه يَشْمَلُ "مَجموع ﭐلْأفعال ﭐللَّتِي تُخَالِفُ، بِهَذَ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي