Yahoo!

ﭐلكذبُ سياسةً وﭐلسِّياسةُ كذبًا!

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 15 مارس 2012 الساعة: 20:22 م

«إيّاكم والكذبَ، فإنّ الكذبَ يَهدِي إلى الفُجور، وإنّ الفجورَ يَهدِي إلى النّار! وإنّ الرَّجُلَ لَيَكذِبُ ويَتحرّى الكذبَ حتّى يُكتَبَ عند اللّه كذّابًا. وعليكم بالصدق، فإنّ الصدق يَهدِي إلى البِرّ، وإنّ البِرّ يَهدِي إلى الجنّة! وإنّ الرَّجُل ليَصدُق ويَتحرّى الصدقَ حتّى يُكتبَ عند اللّه صدِّيقًا.» (حديث نبوي مُتّفق عليه، واللفظ لأبي داود)

«لم يُكذَبْ قطُّ كما يُكذَبُ في أيّامنا، ولم يُكذَبْ بلا حياء وعلى نحوٍ منهجيٍّ ودائمٍ كما يُكذَبُ الآن.» (ألكسندر كُوارِي)

«ما كان الصدقُ قطُّ في عِدَاد الفضائل السياسيّة، ولطالما ٱتُّخِذَ الكذبُ وسيلةً مُبرَّرةً تماما في الشؤون السياسيّة. ومن تَجشَّمَ عناءَ التّفكير بهذا الصدد، فلا يُمكنه إلا أنْ يَندهش من رُؤيةِ إلى أيِّ حدٍّ أَهمل فكرُنا السياسيّ والفلسفيّ التقليديّ أن يَهتمّ، من جهة، بطبيعة العمل و، من جهة أخرى، باستعدادنا، بواسطة الفكر والكلام، لتشويه كلِّ ما يَظهر بوُضوح كواقع حقيقيّ.» (حنّا أرندت)

    قد غدا ٱلنّاسُ، في مُعظمهم، يَكْذِبُون كما يَتنفّسون ويَكذِبُون إلى حدٍّ يُجيزُ القولَ بأنّه لم يَعُدْ ثمّةَ خُلُقٌ أجدرُ بالإنسان من "ﭐلكذب" ٱفتراءً وتخرُّصًا. وإنّهم لا يَفعلون ذلك فقط لأنّ "ٱلكذبَ" ٱزدادت أهميّتُه كسلاحٍ ناجعٍ في مَعارِك "ﭐلكَسْب" و"ﭐلبقاء"، وإنّما يَفعلونه أيضا لأنّه صار جُزءًا لا يَتجزّأ من "ٱلفضيلة ٱلمدنيّة" المُتعلِّقة ب"تدبير شُؤون ﭐلمَعاش"، حيث نجد أنّ من أشدِّ النّاس كذبًا أولئك الذين يَتعاطون "ٱلسياسة". ولهذا، إذا كان "ٱلكذبُ" في العادة يُمثِّل نوعًا من "ٱلسِّياسة/ٱلكِياسة" لدى عامّة النّاس (يَأتون "ٱلكذبَ" سياسةً)، فإنّه يُعدّ أساسَ المُمارَسة اليوميّة لدى مُحترفِي "ٱلسِّياسة" (يجعلون "ٱلسِّياسةَ" كذبًا).
    ومن حيث إنّ "ٱلكذبَ" خداعٌ وتغليطٌ بصدد "ٱلواقِع" (الذي يُنظَر إليه كموضوع للحقيقة)، فإنّ تعوُّدَه إلى حدِّ تبريره أخلاقيًّا وٱستغلاله عَمليًّا (خصوصا في مجال "ﭐلتّدبير ﭐلسياسيّ" للشُّؤون العُموميّة) يَبرُز كإحدى أشدِّ آفاتِ الإنسانيّة في الفترة المُعاصرة. ذلك بأنّ إخفاءَ "ٱلواقِع" أو تحريفَه بواسطة "ٱلكذب" قد صار مرغوبًا ومُبرَّرًا خصوصا في "ﭐلعمل ﭐلسياسيّ" (ورَديفه "ﭐلعمل ﭐلإعلاميّ")، على النّحو الذي جعله "فعلا إنجازيًّا" يَحظى بالأولويّة في خضّم ٱلنّزاع حول ٱستمالة "ٱلشّعب" وتسخيره بكل وسائلِ "ٱلتّمْنِيَة" و"ٱلتّلْهيَة".
    ومن المُلاحَظ، بهذا الصدد، أنّ بعض "أنصاف ٱلدُّهاة" كثيرًا ما يأخُذُهم الزّهْوُ حينما يُردِّدون القول الشّائع بأنَّ «ٱلسِّياسة فنُّ ٱلمُمكِن»، كأنّ الواحدَ منهم بمجرد النُّطق بهذه العبارة يكون قد أمسك بلطيفةٍ من الحقائق أو بديعةٍ من الفضائل. والحال أنّ ذلك القول ليس سوى أثَرٍ لِلرّأي الذي ٱستقرّ لدى كثيرين والذي يُفيد أنّ "ٱلسياسةَ" تُعدّ، على غرار "ٱلعِلْم"، مُمارَسةً لا أخلاق فيها: إذْ من الشّائع أنّه كما أنّ "ٱلعِلْمَ" بحثٌ يُلاحِقُ "ٱلمُمكِنَات" لاستجلائها وٱستخراجها، فإنّ "ٱلسياسةَ" بذلُ قُصارى الجُهد في تنزيل تلك "ٱلمُمكِنات" حتّى لو تعلَّق الأمرُ بالفعل قولا كاذبًا أو فِكْرًا باطلا أو عملا فاسدًا ؛ كأنّ المبدأ الذي يجب العمل به في المُمارستين العلميّة والسياسيّة كلتيهما هو «كل ما أمكن تصوُّره بالعقل وبَدت فائدتُه الإجرائيّة، وَجب إعماله وإنْ خالف أجلى المبادئ الخُلقيّة وأرسخ المُعتقدات الإيمانيّة» و، من ثَمّ، فإنّ فحوى ذلك القول الشّائع هي أنّ «ﭐلسِّياسة فنُّ ﭐلكذب»!
    لكنّ ما يجب تبيُّنه هو أنّ "ٱلسياسةَ" تتحدَّد، بالأساس، ك"فضيلة مَدنيّة" ؛ ممّا يَجعلُها مُرتبطةً لا فقط ب«ٱلقُدرة على تدبير الشّأن العامّ بالمدينة/ٱلمُجتمع»، وإنّما أيضا ب«كيفيّة ٱلسُّلُوك وٱلمُعامَلة بين ٱلنّاس» (وهي كيفيّةٌ قائمةٌ على ما لا يُحصى من "ٱلمُعتقدات ٱلمُضمَرة" التي لولاها لما أمكن النُّهوض إلى العمل). ومن المعروف أنّ «ٱلكيفيّةَ ٱلعَمليّة في ٱلسُّلُوك» هي التي تُسمّى "ٱلخُلُق" أو "ٱلأخلاق". وبالتّالي، لا تكون ٱلسياسةُ "فضيلةً مَدنيّةً" إلا بالقدر الذي تَتحدَّد في أصلها ك"فضيلة خُلُقيّة" تُوجب أنْ يكون "ﭐلعملُ ﭐلسياسيُّ" - إذا أردنا حِفْظَ التّعريف الشّائع- «فنّ ٱلمُمكن بحثًا عن ٱلأحسن/ٱلأصلح وعملا به». فكيف يَصِحّ، إذًا، أنْ تكونَ "ٱلسياسةُ" كذبًا؟ بل كيف صارت "ٱلسياسةُ" غيرَ مُمكنةٍ إلا ككذبٍ يُتعمَّدُ تَعمُّدًا ويُرتَّب ترتيبًا؟
   لعلّ ما يَنبغي الوُقوف عنده، هُنا، أنّ المُشكلةَ الأساسيّةَ تتعلّق بأنّ "ٱلكذبَ" - بما هو ضدّ "ٱلصِّدْق"- عملٌ بشريٌّ يَتّخذ "ٱلواقعَ" موضوعا له سواء أكان "ٱلمُخبَر عنه" مُتعلِّقًا ب"ٱلواقع ٱلخارجيّ" (ٱلظاهر) أمْ ب"ٱلواقع ٱلدّاخليّ" ("ٱلباطن" أو "ٱلضمير") ؛ إذْ أنّ الإنسانَ حينما يَكذِبُ إنّما يَعمل، بواسطة الفكر والخطاب، على التّصرُّف في مُعطيَات "ٱلواقع" الثّابتة خارجه أو المُدرَكة داخل نفسه إمّا بتزييفها وتحريفها وإمّا بإخفائها وتلبيسها.
   ولذالك، فإنّ "ٱلكذبَ" لا يَتحدّدُ ك«إخفاء للحقيقة» إلا بما هو «تصرُّفٌ قصديٌّ في "ٱلواقِع"»، أيْ أنّه ضربٌ من "ٱلفِعْل" الذي يَأتيه المرءُ عن قصد والذي يُثبِتُ ما يَملِكه الإنسان من "ٱلقُدرة ﭐلذاتيّة" تُجاه "ٱلواقِع ﭐلموضوعيّ" الذي لا يَعُود، بالتالي، مُجرَّدَ موضوع ل"ٱلتّمثيل/ٱلتّمثُّل"، بل يَصير مَسرحًا لتنازُع "ٱلإرادات" ليس فقط بفعل تناقُض المَصالح وٱختلاف الأغراض، وإنّما أيضا بسبب تفاوُت ٱلأوضاع وتبايُن الشُّروط المُحدِّدة ٱجتماعيًّا وموضوعيًّا لعمل الإنسان في هذا العالَم.
   إنّ "ٱلكذبَ" يُعَدّ، في "ٱلإسلام/ٱلدِّين"، أُولَى شُعَب "ٱلنِّفاق" («[...]، وٱللّهُ يَشهد إنّ المُنافِقين لكاذبون.» [المُنافقون: 01]). ذلك بأنّ «إتيانَ ٱلكذب في ٱلحديث» مَدْعاةٌ للدُّخول في غيره من شُعَبِ "ٱلنِّفاق" من "إخلاف ٱلوعد" و"خيانة ٱلأمانة" و"فُجورٍ في ٱلخِصام". ولذا، فإنّ "ٱلنِّفاقَ" ليس سوى "كَذبٍ مُضاعَفٍ"، بل إنّه أشدّ أنواع "ﭐلكذب" خفاءً وأذًى على النّحو الذي يَكُون به "ٱلنِّفاق" ٱحترافًا للكذب، ممّا يجعل "ﭐلكذب" بحق "أُمَّ ﭐلرّذائل"!
    ذلك بأنّه لا خُلُق يَستقيمُ مع وُجود "ﭐلكذب" الذي ما دخل في شيء من عمل الإنسان إلا أفسده بخلاف "ﭐلصِّدْق" تماما الذي هو شرط صلاح كل فعلٍ (فإخلاص النيّة عينُ الصدق). وعلى الرغم من أنّ "ٱلكذبَ" يبدو كما لو كان سُلوكًا بسيطًا وجليًّا (يُقال إنّ ثمّةَ كذبًا أبيض!)، فإنّ تأمُّل واقع المُمارَسة الإنسانيّة يكشف أنّ "ﭐلكذبَ" أنواعٌ عدّة ومَراتبُ مُتباينةٌ بالشكل الذي يُؤكِّد أنّ الأمر يَتعلّق بواقع شديدِ التّعقُّد.
   ومن اللافِت للنّظر، بهذا الخصوص، أنّ "ٱللِّسانَ ٱلعربيّ" يَحتوي ألفاظا كثيرةً ("ٱفتراء"، "ٱختلاق"، "بُهتان"، "إفكٌ"، "تخرُّص"، "إرجافٌ"، "زُورٌ") تَدُلّ على "ٱلكذب"، ممّا قد يُمكِّن من الإمساكِ بدقائقه ويُساعدُ على تمييز أنواعه ومَراتبه. ف"ٱلكذبُ"، عموما، «إخبارٌ عن ٱلشيء بخلاف ما هو عليه في ٱلواقع»، أيْ أنّ "فِعْلَ ٱلكذب" يَتناول "ٱلواقع" ويَعمل على التّصرُّف فيه بإخفاءِ حقيقته التي يُفترَض أنّها معروفةٌ أو مُدرَكةٌ سَلفًا من قِبَل ٱلكاذِب. وبما أنّ المعرفة بالواقع لا تكون دائما مُتحقِّقة أو تامّة، فإنّ "فعل ٱلكذب" قد يكون بأنْ يُظهِرَ الكاذبُ معرفته بواقع مجهول له فيُخبرُ عنه على الرغم من ذلك. ولهذا فإنّ «ٱلقَطْع بالكذب توجُّهًا وتعمُّدًا» يُسمّى "ٱلِافتراء" («إنّما يَفتري الكذبَ الذين لا يُؤمنون بآيات ٱللّه.» [النّحل: 105] ؛ «ولكنّ الذين كفروا يَفترُون على ٱللّه الكذبَ.» [المائدة: 103])، في حينٍ أنّ «ٱلكذب بتقدير ٱلواقع ٱختراعًا وتخريقًا» يُسمّى "ٱلِاختلاق" بصفته ميلا إلى تخيُّلِ أو توهُّم أشياء لا حقيقة لها (أيْ "باطلة") كأنّ ٱلكاذب في هذه الحالة "يَخترِعُ" أو "يُنْشِئُ" أو "يَصطنع" موضوعا (يُوصَف، لهذا السبب، بأنّه "باطل") فيَعرِضه من خلال الكلام كما لو كان مُتحقِّقًا بالفعل. و"ٱلكذب" في هذا المستوى ليس مجرد تصرُّف في "تمثيل ﭐلواقع"، بل هو تصرُّفٌ فيه بٱشتقاقه خياليًّا وتقطيعه فكريًّا ولُغويًّا بما يُحقِّق أغراض الكاذِب. ولأنّ مُمارَسةَ "ٱلكذب" ك"ٱفتراء" تتجاوَزُ "ٱلواقع" نحو "ٱلباطل"، فإنّ وَقْعَها على السّامِع يكون شديدًا على النّحو الذي يُدْهشه ويُحيِّره، ممّا يجعل هذا النّوع من "ٱلكذب" يُسمى "ٱلبُهتان". وحينما يَتعلّق الأمر ب«صَرْف ٱلشيء عن وَجْهه الذي يَحِقُّ له أنْ يكون عليه إلى وجهٍ يَجعلُه أفحش وأشنع» (صرفه من "ٱلحقِّ" إلى "ٱلباطل" أو من "ٱلصدق" إلى "ٱلكذب" أو من "ٱلحُسن" إلى "ٱلقُبح")، فإنّ هذا "ٱلكذب" يُسمّى "ٱلإِفْك". و«كل قول أُخبِر به عن ظنٍّ وتخمينٍ»، فإنّه يُسمّى "ٱلتّخرُّص" سواء أكان المَقُول مُطابِقا للمُخبَر عنه أمْ لم يَكُنْ. ويُسمّى «"ٱلكذب" ٱلمُحدِث للاضطراب ٱلشّديد أو المُثير للفتنة» ب"ٱلإرجاف" (يُقال «ٱلأراجيف مَلاقيح ٱلفِتَن!»). وأمّا "ﭐلكذب" «حينما يُسوَّى ويُحسَّن كشهادة»، فيُسمّى "ٱلزُّور".
    وبِناءً على ذالك، يَظهر أنّ "ﭐلكذبَ" درجاتٌ أدناها «ﭐلإخبار عن ﭐلواقع بخلاف ما هو عليه»، وأعلاها "ﭐلِافتراء" الذي يُمثِّل - بما هو "ﭐختلاقٌ" و"تخريقٌ"- أساسَ كُلٍّ من "ﭐلإفْك" (صَرْف الواقع إلى نقيضه تقبيحا له) و"ﭐلزُّور" (تزيين ﭐلكذب حتّى يبدو كالشّهادة بالحقِّ). لكنّ "ﭐلكذب"، باختلاف درجاته ومَراتبه، يبقى نُزوعا قَصديًّا نحو التّصرُّف في "ﭐلواقع" بتحريفه وتلبيسه طلبا لأغراض شتّى تتراوح بين الخداع والتغليط وإيذاء الغير حرصا على حفظ هذه المنفعة أو تلك التي لا يَرى الكاذِب أنّ تحقيقَها يُمكن أن يتمّ من دون التّصرُّف فيما يبدو "حقيقةَ ﭐلواقع".
    و"ﭐلكذبُ"، بما هو كذلك، لا يَخفى أنّه "رذيلةٌ كُبرى" لا يَستحسنها إلا من فسدت طباعُه أو ﭐشتدّت مَطامعُه، بل إنّ حكمَه الشرعيّ والأخلاقيّ لا يَقلّ عن تحريمه والتّغليظ فيه. ف"ﭐلكذب"، في الأساس، إنّما هو خُلُقُ وعملُ الذين لا يُؤمنون باللّه («إنّما يَفتري الكذب الذين لا يُؤمنون بآيات اللّه.» [النّحل: 105] ؛ «ولكنّ الذين كفروا يَفترُون على ٱللّه الكذب.» [المائدة: 103]). وأكثر من هذا، ف«إنّ الذين يفترون على ٱللّه الكذب لا يُفلحون.» ([النّحل: 116])، وبالتّالي ف«لا خيرَ في ٱلكذب» (موطأ مالك، سنن الترمذي)، أيْ أنّه مُحبِط للعمل أو أنّ عمل الكاذب في خُسر. ولذا، أتى النّهي عنه صريحًا: «إيّاكُم وٱلكذبَ وٱلفُجورَ!» (مُسلم: بِرّ، 103-105)، بل فُرِّق بينه وبين الإيمان: «يُطبَع المُؤمن على الخِلال كلها إلا الخيانة والكذب» (أحمد 5 و252) و«سُئل رسول ٱللّه: أيَكُون المؤمن كذّابا؟ قال: "لا!"» (الموطأ، كلام 19). فلا عجب، إذًا، أنْ يكون «ٱلكذب عملَ ٱلنّار» (أحمد، 2 و176) وأنْ يُعدّ من "ٱلهَرْج" و"صِنْوَ ٱلقتل" (أحمد، 4 و406).
    وعلى الرغم من أنّ "ﭐلكذب" - من النّاحية المبدئيّة وبشكل عامٍّ- حرامٌ شرعًا ومذموم خُلقًا إلى حدِّ أنّه «ما كان خُلُقٌ أبغضُ إلى رسول ٱللّه، صلّى ٱللّه عليه وسلم، من ٱلكذب» (الترمذي: بِرّ ؛ أبو داود: أدب) وأنّ «من قال لصبيٍّ تعال هاكَ، ثُمّ لم يُعطه فهي كذبة.» (أحمد، 2 و452)، فإنّ هناك ﭐستثناءً يُبيح "ﭐلكذب" إصلاحا بين المُتخاصمين أو مُخادَعةً للعدُوِّ في الحرب أو تطييبًا من ﭐلزّوج لزوجه («ليس الكذّاب الذي يُصلِح بين النّاس، فيَنْمِي خيرا أو يقول خيرا»، متفق عليه) ؛ «ليس بالكاذب من أصلح بين النّاس» أو «لا أعدُّه كاذبا الرجل يُصلح بين النّاس» (أبو داود: أدب ؛ الترمذي: بِرّ) ؛ «كل الكذب يُكتَب على ٱبن آدم لا مَحالة إلا أن يَكذِب الرجل في الحرب خُدعةً أو يكون بين رجل شحناء فيُصلح بينهما أو يُحدِّث ٱمرأته يُرضيها.» (أحمد: 6، 459، 461). ولأنّ ما أُبيحَ ﭐستثناءً يُعدّ ضرورةً تُقَدّر بقدرها، فإنّه لا مجال هنا مُطلقًا لأنْ يُسوَّغ "ﭐلكذب" عموما كذريعةٍ لجَلْب مصلحةٍ راجحة أو لدفع مَضرّة أكيدة. ذلك بأنّ القاعدة هي أنّ إتيانَ "ﭐلكذب" طلبًا للكَسْب أمر غيرُ مُباحٍ («[...]، ومن ﭐدّعى دَعْوًى كاذبةً ليَتكثّ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اِنفتاحُ “ٱلشّريعة” هُدًى وٱنغلاقُ “ٱلعقل” ٱبتلاءً

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 21 فبراير 2012 الساعة: 11:10 ص

 « إنّما بُعثت لأُتمِّم مَكارِم [أو صالِح] الأخلاق.» (حديث نبوي، عند البخاري في كتاب "الأدب"، والسيوطي في "الجامع الصغير")

« وأمّا تَتِمّة مَكارم الأخلاق، فهي تعريتُها ممّا نُسب إليها من السَّفْسفة ؛ فإنّ سَفْساف الأخلاق أمرٌ عَرَضيٌّ، ومَكارم الأخلاق أمر ذاتيّ ؛ لأنّ السَّفْساف ليس له مُستنَد إلهيّ، فهو نِسبةٌ عَرَضيّةٌ مَبناها الأغراض النفسيّة ؛ ومَكارم الأخلاق لها مُستنَد إلهيّ، وهو الأخلاق الإلهيّة. فتَتِمّة النبي (صلى اللّـه عليه وسلم) مكارم الأخلاق ظهر في تَبيينه مَصارِفَها، فعيَّن لها مَصارِف تكون بها مكارمَ أخلاق وتَعْرَى بذلك عن مَلابس سَفْساف الأخلاق. فما في الكون إلا شريعةٌ.» (محيي الدين ٱبن عربي، الفُتوحات، الباب 262)

«في النقاش الفلسفيّ الأُوروبيّ، كلمة "شريعة/قانون" (loi)، كما تُفكِّر فيها الفلسفة السياسيّة، لا تأتي فقط من الفلاسفة الإغريق - "أفلاطون"، "أرسطو"، "الرواقيين"، "شيشرون"- والقانونيِّين الرومان، بل لها أيضا مصدر في "الكتاب المقدس" الذي هو موضوع للتفكير بالنِّسبة للاهوتيِّين مثل القديس "أُوغسطين" والقديس "تُوما الأكوينيّ". وهو أيضا موضوع للتفكير بالنِّسبة إلى الفلاسفة، منذ مشروع "ماكيافيل" المتعلق بالقيام بقراءة "معقولة" لـ"الكتاب المقدس"، [مُرورًا بِـ] "هُوبز" و"إسپينوزا" و[انتهاء بِـ] "كنط". ففكرة "الشريعة/القانون" أتت إلى أُوروبا الحديثة من ترجمة "الكتاب المقدس" في الألمانية (Gesetz) من قبل "لُوثر" ومن ترجمته الإنجليزية (law) في "الرِّواية المشروعة"، اللتين تَقعان ضمن أُفقٍ مطبوعٍ سلفًا بالتّرجمة الإغريقيّة (nomos) في "الرِّواية السبعينيّة"، ثُمّ في "الرِّواية العاميّة" باللاتينيّة، حيث يَتعلّق السياقُ العامُّ في الأغلب بمُناقشةِ قيمة "الشريعة/القانون" في رسائل "پول".» ("ريمي براغ")[1]

في الوقت نفسه الذي تُعدّ "ٱلشّريعةُ" أحدَ مَعالِم التّوجُّه والسّعي في حياة المُسلِمين، نجد أنّها قد صارت مَثارًا للتّوجُّس وٱلِارتياب لدى غيرهم ممّن يَرتبط ذكرُ لفظ "ٱلشّريعة" عنده بالإحالة إلى "ٱلِانغلاق" و/أو "ٱلتّشدُّد" و/أو "ٱلرَّجْعيّة" و/أو "ٱلهَمجيّة"، خصوصا أنّها لم تَعُدْ تَدُلُّ إلا في ٱتِّصالها بسُلوكاتِ تلكـ "ٱلحركات" التي تُسمِّي نفسها بـ"ٱلإسلاميّة" ويَصِمُها خصومُها بـ"ٱلمُتطرِّفة". فـ"ٱلشّريعةُ"، بهذا الخصوص، أصبحت مَردُودةً إلى ظاهرِ "ٱلحُدود" المعروفة من «قَطْع يدِ ٱلسّارق» و«جَلْد ٱلزّاني و/أو رَجْمه» و«قتل ٱلمُرتدّ» و«إعطاء ٱلأُنثى نصف ما يَرِث ٱلذَّكر» و«ٱلسّماح للرِّجال بتعدُّد ٱلزّوجات».

ومن ثَمّ، تَرى "ٱلمُبْطِلين" يَستخفّون أيّما ٱستخفافٍ بـ"ٱلشّريعة" ليس فقط باختزالها في تلكـ "ٱلحُدود" المعدودة والمُجتزَأة، وإنّما أيضا لرُسوخ الظّنِّ لديهم بأنّ كونَها تتّخذُ أساسَها في "ٱلوحي" (ٱلإلاهيّ) يَستنزِلُها دون "ٱلقانون" (ٱلبشريّ) الذي يَجد، حَسَب زعمهم، مُستنَدهُ في "ٱلعقل" (ٱلعُموميّ) وحده ؛ وكأنّ القول بالِانفصال بين "ٱلوحي" و"ٱلعقل" كافٍ لتأسيس هذا الأخير في حُدود ما هو بشريّ ومن دون الإحالة إلى ما يَتجاوزه، بل كأنّ معياريّةَ "ٱلقانون" لا تقتضي أنْ يكون "ٱلعقلُ" - حتّى في تَنزُّله الطبيعيّ والبشريّ- وَحْيًا مُتنكِّرًا وأمْرًا مُتعالِيًا!

وينبغي ألا يَخفى أنّ ٱستخفافَ "ٱلمُبْطلِين" ذاكـ إنّما يَجعلُهم يَدُلّون على مدى جهلهم بحقيقةِ "ٱلشّريعة" في صلتها بـ"ٱلوحي" و"ٱلعقل" كليهما، بل بـ"ٱلقانون" نفسه في صلته، من جهةٍ، بواقعِ وتاريخِ مُختلِف "ٱلأديان" و، من جهة أخرى، بالتّعالِي التّاريخيّ وٱلِاجتماعيّ عُمومًا. وبالتّالي، فإنّ ميلَهم إلى التّهويل أو التّشنيع بشأن "ٱلشّريعة" يَفضحُ كونَهم يَقُومون بدَوْرٍ مُزدوِجٍ: إنّهم، أوّلا، يَتعاطون "ٱلتّضليل" فيَحرِصون على عَرْض "ٱلشّريعة" كما لو كانت تتعارض مُطلقًا مع "ٱلعقل" و"ٱلحريّة" و"ٱلتّقدُّم" على النّحو الذي يَقتضي أنّها بالتّحديد "لاإنسانيّة" ؛ ثُمّ إنّهم، ثانيًا، يَعملون على مُناهَضةِ حقِّ ٱلمُسلِمين (وٱلإسلاميِّين خصوصا) لا فقط في ٱستلهام "ٱلإسلام" على الأقل كمَرجعيّة دينيّة وأخلاقيّة، بل أيضا حقّهم في المُطالبةِ "باسم ٱلشّريعة" بما هو من صميمِ "حُقوق ٱلإنسان" التي تَكفُل - بما هي "قِيَمٌ كُليّةٌ" أو "مَكارِمُ أخلاق" تجد جُذورَها في "ٱلتُّراث ٱلدّينيّ" للبَشريّة جمعاء- ٱلحقَّ في ٱلِاختلاف ٱعتقادًا وتعبُّدًا!

وإجمالا، فإنّ العاقلَ لن يَجد سبيلا يُمكِّنُه من أنْ يَستكثرَ على ٱللّـه - ربّ ٱلعالَمين- أنْ يكونَ قَيُّومَ السّماوات والأرض من دون أنْ يكون "أحْكَمَ ٱلحاكِمين" و"مَلِكَـ ٱلنّاس". فاللّـهُ، سبحانه وتعالى، قد شَرَع في الكون سُنَنًا لا يَملِكُـ الإنسانُ نفسُه - بصفته أحدَ مخلوقاته- أنْ يَحيدَ عنها إلا ضلالا أو عُدوانًا. فلا يَستقيمُ، إذًا، الإيمانُ باللّـه ربًّا وإلاهًا من دون ٱلتّسليم بأنّ الأمرَ كُلَّه يَرجِعُ إليه قضاءً وقدرًا وإنعامًا وٱبتلاءً، لأنّه مالِكُـ "سُنَنِ ٱلطبيعة" خَلْقا وتقديرًا وجاعِلُ "سُنَن ٱلشّريعة" تكليفًا وتخليقًا. وإذَا كان ٱلنّاسُ لا يَملِكُون أمام "سُنن ٱلطّبيعة" إلا أنْ يَخضعوا لها كَرْهًا وتسييرًا، فإنّ ٱلعبادَ قد تُرِكَـ لهم أنْ يَأتُوا "سُنن ٱلشّريعة" طوْعاً وتخييراً.

إنّ "ٱلشّريعةَ"، ٱبتداءً، كلمةٌ عربيّةٌ بصيغةِ "فَعِيلة" مِنْ فِعْلِ "شَرَعَ" (اللازم بمعنى «تَناوَل الماءَ بفِيهِ» أو «دخل في الماء»، أو المُتعدِّي بمعنى «أوردَ الإبلَ شريعةَ الماء فشَرِبت ولم يَستقِ لها» و، من ثَمّ، "أَدْخَل" و"فَتَح" و"أَظْهَر/بَيَّن/أَوْضَح" و"رَفَع/أقام" و"سَنّ/وَضَع") ؛ فهي (مَثُلها كمَثَل لفظ "شِرَاع" و"مَشْرعة" و"شِرْعة") بمعنى «ٱلمَوْضع/ٱلمَدخل ٱلهَيِّن الذي يُنْحدَرُ منه إلى الماء» أو «المَوْرِد الظّاهر الماء الذي يَشْرَعُ (أيْ يُدخِلُ) النّاسُ إليه إِبلَهم». ولا يُسمّى ٱلمَورِدُ "شريعةً" «حتّى يكون الماءُ عِدًّا لا ٱنقطاع له، ويكونَ ظاهرًا مَعِيناً لا يُسقى بالرِّشاء» (ٱبن منظور).

لكنّ كلمةَ "شريعة" تَحمِلُ، بصيغتها الصرفيّة، معنًى مُزدوِجًا ومُشدَّدًا: إنّها "شارِعةٌ" (مُدْخِلَةٌ، مُورِدةٌ، مُقيمةٌ، فاتِحةٌ، مُبيِّنةٌ، رافِعةٌ [و"ٱلشّارِع" هو «الطريق الأعظم الذي يَشرَع فيه النّاسُ عامّةً» ؛ "دارٌ شارِعةٌ" (أو "مَنْزلٌ شارعٌ") بمعنى «مفتوحٌ بابُها إلى الطريق» أو «قريبة ودانيةٌ منه ومُشرِفةٌ عليه»]) و"مَشْرُوعة" (مُورَدةٌ، مُقامةٌ، مَفْتوحةٌ، مُبيَّنةٌ، مَرفُوعةٌ). إنّها تَدُلّ، من ثَمّ، على «ٱلطريق "ٱلفاتِح" و"ٱلمفتوح"». ومن هنا، فإنّ "ٱلشّريعةَ" ليست مجرد «طريق بيِّن»، بل إنّها «طريقٌ مُوصِلٌ إلى ٱلماء»، أيْ أنّها «طريقٌ نحو ٱلحياة»، ممّا يَجعلُها مفهوما يَجمَعُ - في تحديد السعي القاصِد للمُؤمِن- بين معاني "ٱلوُضوح" و"ٱلحياة" و"ٱلنِّعمة".

"ٱلشّريعةَ"، إذًا، طريقٌ مفتوحٌ وهادٍ، مفتوحٌ بلا عِوَجٍ ولا حَرجٍ، وهادٍ إلى التي هي أحسن. إنّها "ٱلنّهْجُ" طريقًا بيِّنًا، و"ٱلمِنْهاجُ" سُنّةً مُوَطَّأةً تُورِدُ سالِكَها "حياةً طيِّبةً" وتَفتحُ له من "طيِّباتِ ٱلحياة". ذلكـ بأنّ ٱللّـهَ، عزّ وجل، قد تَعهّد بأنْ يُؤْتِيَ عبادَه "ٱلهُدى" ليَتّبِعُوه حتّى لا يَضِلُّوا («فإمّا يَأْتيَنَّكُم مِنِّي هُدًى، فمن تَبِع هُدايَ فلا يَضِلُّ ولا يَشقى» [طه: 123] ؛ «هو الذي أرسل رسولَه بالهُدى ودين ٱلحقّ ليُظهرَه على ٱلدِّين كُلِّه.» [التوبة: 33] و[الفتح: 28]). فـ"ٱلشّريعةُ" من "ٱلدِّين" و"ٱلوحي" («شَرَع لكم من ٱلدِّين ما وصّى به نُوحًا والذي أوحينا إليكـ.» [الشُّورى: 13])، و"ٱلدِّين" من "أَمْرِ ٱللّـه" ((«ثُمّ جعلناكـ على شريعةٍ من ٱلأمر، فـﭑتَّبِعْها.» [الجاثية: 18]) و، بالتّالي، فكل "ٱلدِّين" (دين ٱلحقّ) إنّما هو من "شَرْع ٱللّـه" (« شَرَع لكم من ٱلدِّين ما وصّى به نُوحًا والذي أوحينا إليكـ.» [الشُّورى: 13] ؛ «[...]، لكُلٍّ جعلنا منكم شِرْعةً ومِنْهاجًا.» [المائدة: 48]) الذي يَتميّز عن شَرْعِ غيرِه («شَرَعوا لهم من ٱلدِّين ما لم يَأذَنْ به ٱللّـه.» [الشُّورى: 21]).

ولأنّ "ٱلشّريعةَ"، في معناها الأساسيّ والعامّ، هي «كُلُّ ما سنّه ٱللّـهُ لعباده من "أُمور ٱلدِّين" ومن "أعمال ٱلبِرِّ"» (توحيد، صلاة، صوم، زكاة، حجّ، طهارة، إحسان، أمر بالمعروف ونهي عن المُنْكر، حُسن الخُلُق، القِسْط، إلخ.)، فهي واجبةُ ٱلِاتِّباع («ثُمّ جعلناكـ على شريعةٍ من الأمر، فـﭑتَّبِعْها.» [الجاثية: 18]). فـ"ٱلشريعة"، أساسًا، هي «كل ما شَرَع ٱللّـهُ لعباده من أَمْرِ ٱلدِّين»، إنّها "سبيل ٱللّـه" الذي لا سبيل غيرُه يَهدِي إلى الصّلاح والخلاص دُنيا وآخرةً. وفي هذا المستوى، تَتحدَّد "ٱلشريعةُ" بكونها «ٱلطريق المُبين الدّال على مَكارِم الأخلاق»، أيْ أنّها «ٱلإطار ٱلعَقَديّ وٱلخُلُقيّ» لفِعْل المُؤمن تعبُّداً وتخلُّقاً. وبِما أنّ الأمرَ يَتعلّق بـ«إطارٍ عَقَديٍّ وخُلُقيٍّ» مُبَيَّنٍ وَحْياً ومُفصَّلٍ سُنّةً، فـ"ٱلشّريعة" تتعيّنُ كـ"مِنْهاج" يُحدِّدُ «كيفيّةَ ٱلفِعْل/ٱلسُّلوكـ وَفْق أُصول ٱلشَّرْع»، كيفيّةً للنّهج نحو "ٱلحياة ٱلخيِّرة/ٱلطيِّبة"، أيْ أنّها "شِرْعةٌ" أيضًا.

وهكذا، فـ"ٱلشّريعةُ" أُصولٌ دالّةٌ ومُثُلٌ هاد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“جاهليّةٌ” في رِداء “الحداثة”

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 14 فبراير 2012 الساعة: 17:09 م

« إنّ بين يديْ الساعة لأيّامًا يَنْزِل فيها الجهل، ويُرفَع فيها العلم، ويَكثُر فيها الهَرْج.» (حديث نبوي، "البخاري" و"مسلم" و"الترمذي" و"ابن ماجه" و"أحمد")


« ليس خُلُقيًّا أن تكون مُتفاخرًا، أو أن تسعى إلى لَفْتِ الأنظار [...] باستعراض معرفتك. فأنتَ لستَ أكثر من إنسانٍ جَهُولٍ. وإنّه لمن الممكن أن يختلف بعضُنا عن بعض في القليل من الأشياء التي نعرف. لكنّنا نبقى، في مُواجهة جهلنا ﭐللَّانهائيّ، سواسيّةً.» (كارل ﭙوﭙر)

   من الشّائِع أنّ "ٱلجاهليّةَ" تدلّ على «حالِ ٱلفَتْرة قبل ٱلإسلام». لكنّ كونَ الأمر في "ٱلجاهليّة" يَتعلّق ب«"فاعليّةِ ٱلجَهْل" في نفس "ٱلجاهِل"» يُوجبُ تحديدَها، بالأساس، بصفتها «حالَ ٱلفَتْرة "عن" ٱلإسلام بما هو دعوة إلى "ٱلرُّشد"»، أيْ أنّها «حال كل ٱمرئٍ حينما لا يَتبِّع إلا "ٱلظّنّ" أو "ٱلهوى" فلا يُذْعن لأمرِ "ٱلإسلام" رُشْدًا وحُكْمًا». وبهذا المعنى، فإنّ "ٱلجاهليّةَ" الآن أصدقُ ٱنطباقا على ما يَأتيه "ٱلمُتحادِثون" بيننا في زعمهم لُزومَ "ٱلإحداث" ٱنقطاعًا جذريًّا عن كل تقليدٍ أو ٱتِّباعٍ، وٱنقطاعًا كُليًّا إلى "مُحدثَاتِ ٱلعصر ٱلحاليّ" لكونها في نظرهم قائمةً على "ٱلتّجديد" تشكيكًا وتفكيكًا. فلا عَجب، إذًا، ألّا يكون ٱدّعاؤُهم هذا ل"ٱلحَداثة" سوى تعبيرٍ عن "جاهليّةٍ" تتنكّر في رداءِ "ٱلحَداثة" تلبُّسا بمَكاسبها وتجمُّلا بامتيازاتها!
   وأكيدٌ أنّ "سِرَاعَ ٱلفِكْر" سيَتلقَّوْن ٱستجهالَ "ٱلحَداثة" هذا (أيْ ٱعتبارها، على الأقلّ في جزء منها، "جاهليّةً") كما لو كان دالًّا على نوعٍ من الفُسولة الفكريّة التي تُعدّ في ظنِّهم حِكْرًا على "ٱلرَّجْعيّة ٱلإسلاميّة"، على الرغم من أنّ لفظ "ٱلجاهليّة" قد ٱطُّرِح حتّى لدى كثير من أدعياء "ٱلفكر ٱلإسلاميّ" الذين لم يَعُودوا يرون فيه إلا ٱنزياحًا خاصًّا بدُعاةِ "ٱلتّطرُّف ٱلإسلاميّ" الذين ٱنقادوا - بين الستينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي- إلى الحديث عن "جاهليّةِ ٱلعَصْر" بمعنى "ٱلكُفْر" المُطْبِق على الفترة الحديثة بما فيها المجتمعات الإسلاميّة نفسها.
   غير أنّ ذلك ٱلِاستغراب (وٱلِاتِّهام المُترتِّب عليه) ليس مُهمّا جدّا، وإنّما الأهمّ أنّه يَستند إلى كونِ مبادئ "ٱلإسلام" وقِيَمه قد صارت عموما عُرضةً للتّهوين والطّمْس والتّشنيع، إلى حدِّ أنَّ مفاهيمَ مثل "جاهليّة" و"ٱستعمار" و"جِهاد" و"شريعة" أُخِذ في تحريف دلالتها بإخراجها عن سياق ٱستعمالها قُرآنيًّا وحديثيًّا لكي تَقبل أداءَ مَعانٍ أُخرى كل غايتها أنْ تُظهِر "ٱلإسلام" كما لو كان دينَ "جهلٍ" و"تخلُّفٍ" و"عُنفٍ"، أيْ دينًا لا يَعرف سوى "ٱلإذعان/ٱلإكراه" و"ٱلغُلوّ/"ٱلتّزمُّت" بعيدا عن كل تَسامُح أو ٱنفتاح.
   وفي خِضمّ هذا الزّحف على "ٱلإسلام"، فإنّ لفظَ "جاهليّة" - الذي يُنسَى أنّه، قبل كل شيء، مُصطلحٌ قرآنيّ وحديثيّ- قد خضع للتّحريف حتّى بين أيدي من يُسمَّوْن "إسلاميِّين"، إذْ لم يَعُدْ يدُلّ لديهم إلا على «حالةِ العرب قبل مجيء "ٱلإسلام" بصفتهم كانوا في شِرْكٍ وضلال وتجبُّرٍ وكِبْرٍ» أو على «إرادةٍ وتصوُّر يَقُومانِ على قياسٍ مغلوطٍ تُشبَّه فيه حالُ العصر الحديث بعصرٍ ماضٍ عفّاهُ الزمانُ إلى غيرِ رَجْعةٍ».
   فلا غَرْوَ، إذًا، أنْ يَنْسى (أو يَتناسى) كثيرون أنّ "ٱلإسلامَ" يُمثِّل، بالأساس، رسالةَ تنويرٍ وتحريرٍ، رسالةً تُعرَض على العالَمين طَوْعًا ورحمةً ولا تُفرَض عليهم كَرْهًا ورَهْبةً. ذلك بأنّ "ٱلإسلامَ" ليس سوى "ٱلإذعان ٱلطّوْعيّ" لأمرِ ربِّ العالَمين بصفته الخالِقَ المُنْعِمَ الذي له الحمد وعليه التّوكُّل وإليه المصير. وبهذا فإنّ "ٱلإسلام" يَتحدّد بصفته "راشديّةٌ" تَقتضي أنْ يُتَبيَّن أنّه لا ٱنفكاك للإنسان عن "ٱلغيّ" و"ٱلذِّلّة" إلا بالخُروج من "وصاية ٱلأرباب من دون ٱللّه"، خروجًا يُمثِّل "ٱلرُّشدَ" تمييزًا وٱستقلالا ويُؤسِّس "ٱلتّكليفَ" أمانةً وشهادةً. و"راشديّةُ ٱلإسلام" هذه هي التي تَجعلُه بالأساس مُناهَضةً فعليّةً للجاهليّة بما هي ٱستعلاءٌ يَتجاوزُ "ٱلجهل ٱلمعرفيّ" فيَزدوِج ب"ٱلجَهالة ٱلخُلُقيّة".
   ولأنّ لفظَ "جاهليّة" مُصطلَحٌ قرآنيّ وحديثيّ، فإنّ تحديدَه لا يَصِحّ إلا بالرُّجوع إلى مُختلِف سياقاتِ وُروده في "ٱلقرآن ٱلكريم" و"ٱلحديث ٱلشريف"، وهو الأمر الذي يَغفُل عنه كثيرون ممّن لا يَتردّدون في ٱطِّراح لفظ "جاهليّة" وٱختزاله في الدّلالة على "ٱلكُفْر" (كضدٍّ ل"ٱلإسلام" في شموله لِ"ٱلإيمان") أو على "ٱلجَهْل" (ك"خُلوٍّ من ٱلمعرفة"). ومن هنا، فإنّ أوّل ما يَجدُر إدراكه أنَّ لفظَ "جاهليّة" في العربيّة ٱسمٌ مُولَّد من صفةِ "جاهِليّ" التي هي نَسَبٌ إلى صفة "جاهِل"، ممّا يُوجِبُ مُراعاةَ أنّ خصوصيّةَ "ٱلمَبْنى" تَقتضي "خصوصيّةً" في "ٱلمَعْنى" تمامًا كما عَمِلت على تِبيانه جُملةٌ من الآيات القرآنيّة: ف"ٱلجاهليّة"، أولاً، هي «حالةُ ٱلجاهِل باللّه في ظنِّه به غير الحقّ وٱعتماده ٱلظنَّ تشكيكاً وتَشَهِّياً» («ثُمّ أَنزل عليكم من بعد الغَمِّ أَمَنَةً نُعاسا يَغْشَى طائفةً منكم، وطائفةٌ قد أهَمَّتْهُم أنفسُهم يَظُنّون باللّه غير الحقّ ظنَّ الجاهليّة.» [آل عمران: 154]) ؛ وهي، ثانياً، «ٱتِّباعُ الأهواء حُكْماً بها وتحكيماً لها» («فﭑحْكُمْ بينهم بما أنزل ٱللّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهواءَهم عمّا جاءَك من الحقِّ. لكُلٍّ جعلنا منكُم شرعةً ومِنْهاجاً. ولو شاء ٱللّهُ، لجعلكم أُمّةً واحدةً ؛ ولكنْ لِيَبْلُوَكم فيما آتاكم ؛ فﭑسْتَبِقُوا الخيرات. إلى ٱللّه مَرجعُكم جميعا، فيُنَبِّؤُكم بما كُنْتُم فيه تختلفون. وأَنِ ٱحْكُم بينهم بما أنزل ٱللّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهواءَهم، وٱحْذَرْهُم أنْ يَفْتِنوك عن بعض ما أنزل ٱللّهُ إليكَ. فإنْ تَوَلَّوْا، فﭑعْلَمْ أنّما يُريد ٱللّهُ أنْ يُصيبَهم ببعضِ ذُنوبهم. وإنّ كثيرا من النّاس لفاسقون. أفَحُكْمَ الجاهليّة يَبْغُون؟! ومَنْ أحسنُ من ٱللّهِ حُكْماً لقومٍ يُوقِنُون؟!» [المائدة: 48-50]) ؛ ثُمّ هي، ثالثاً، "حَمِيّةُ ٱلعَصبيّة" («إذْ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحَمِيّةَ، حَمِيّة الجاهليّة.» [الفتح: 26]) ؛ وأخيرا، فهي تَبَرُّجٌ يُعْجَبُ فيه المرءُ بنفسه إظهارا لها وظُهورا بها كما هو معروف بالخصوص لدى النِّساء («يا نساء النبيِّ لَسْتُنَّ كأحدٍ من النِّساء إنْ ٱتَّقَيْتُنَّ. فلا تخضعن بالقول فيَطمع الذي في قلبه مرض، وقُلْنَ قولا معروفا، وقَرْنَ في بُيوتكنَّ، ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهليّة الأُولى.» [الأحزاب: 32-33]).
   وهكذا، إذَا كان "ٱلجهلُ" يَتحدّد بصفته «ٱلخُلُوّ من ٱلمعرفة»، فهو - إذًا- نقيضُ "ٱلعِلْم". وبما أنّ "فِقْدان ٱلمعرفة" يَحمِلُ على "ٱلخطإ في ٱلحُكْم"، فإنّ "ٱلجهلَ" يَصيرُ أيضًا «مُخالَفةَ وجه ٱلصواب» ظنًّا أو شُبْهةً، وهو الأمر الذي من شأنه أنْ يُورِث "سُوءَ ٱلخُلُق" غضبًا أو حَميّةً بمُوجبهما يكون "ٱلجهلُ" سَفَهًا وعُجْبًا، أيْ نقيضَ "ٱلرِّفْق/ٱلحِلْم" تواضُعًا وتأدُّبًا. ولا يَخفى أنّ "ٱلخطأ في ٱلحُكْم" لا يَقُود فقط إلى "مُخالَفة ٱلصواب"، بل يقود أيضا إلى "مُجاوَزةِ ٱلحقّ" على النّحو الذي يَجعلُ "ٱلجهلَ" يَؤُول إلى "ٱلظُّلْم". ولهذا، فإنّ "ٱلجاهليّة"، في ٱلِاصطلاح القرآنيّ والحديثيّ، مفهومٌ لا يدُلّ فقط على «زمنِ الفترة ولا إسلام» (ٱبن منظور)، وإنّما يَدُلّ بالأساس على ذلك النّوع من "ٱلجهل" الذي يَجعل المرءَ «خِلْوًا من ٱلمعرفة الحيّة باللّه» باعتبار أنّ "ٱلسَّفَهَ" و"ٱلْعُجْبَ" و"ٱلعُنْجُهيّةَ" ليست سوى آثارٍ خُلُقيّة مُترتِّبة معرفيًّا على كون الإنسان جاهلا باللّه ربّ ٱلعالَمين. وبالتالي، فإنّ "ٱلجاهليّةَ" بالنِّسبة إلى "ٱلإسلام" تصير «فَتْرةً [عن] ٱلإسلام»، أيْ فُتورا عنه لنقصٍ في الإيمان، وفُتورًا له في نفس مُسلِمٍ يَنتمي بظاهره إلى "أُمّة ٱلإسلام" وينْفكُّ بباطنه عن "رُوح ٱلإسلام" كما تَتمثّل في "ٱلرّاشديّة" تصديقًا مُتدبِّرا وتخليقًا مُتعقِّلا.
   ولذلك، فإنّ "ٱلجاهليّةَ" لا تتحدّد كما لو كانت عصرًا بلا عِلْمٍ أو قليلِ ٱلعِلْم، وإنّما هي حالُ الإنسان بما أنّه لا يكاد يَنْفكّ عن "ٱلجَهْل" و"ٱلظُّلْم" («وحَمَلها الإنسان، إنّه كان ظَلُوماً جَهُولاً.» [الأحزاب:72]). فهي، إذًا، ٱرتهانُ الإنسان لِـ"ٱلجَهْل" وٱستسلامه له إلى الحدِّ الذي يَصير معه نزّاعًا إلى "ٱلظُّلْم" وغارقا في ظُلُمات "ٱلباطل". وهذا ما يُراد الإمساك به من خلال صفة "ظُلْمانيّ/ظَلاميّ" (نقيض "نُورانيّ"). ولذا، لا يَصِحّ ترجمة لفظ "جاهليّة" باعتباره يدل على "عَصر ٱلجَهْ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خطاب “ٱلحَداثة/ٱلخَباثة” وتهافُت “ٱلمُتحادِثين”

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 3 يناير 2012 الساعة: 12:22 م

   قد لا يُدرَكُ، في بادئِ ٱلرأي، أنَّ كُلَّ "ما هو حديثٌ" لا يَتحدَّدُ ك"شيءٍ جديد" فقط بما هو "حَادِثٌ" كُتِب له أن يَقع ويَطرأ في هذا العالَم بشُروطه المُحدِّدة طبيعيًّا وٱجتماعيًّا وتاريخيًّا، بل بما هو "بِدْعٌ مُحدَثٌ" يُخالِف تمامًا ما سبقه من "حوادث" إلى الحدِّ الذي قد يبدو فيه خارِقًا. ولهذا فإنّ "ٱلحَداثةَ/ٱلجِدَّةَ" لا ترتبطُ بمجرد فِعْلِ "ٱلحُدُوث/ٱلإحداث" إمكانًا وتَحقُّقًا كما لو كان هذا يَكفي لإثبات أصالةِ وجدارةِ "ٱلحديث" بالنِّسبة إلى ما يُضادُّه ممّا يُوصَمُ عادةً ب"ٱلقديم" أو "ٱلتّقليديّ" أو "ٱلماضويّ" (وحتّى "ٱلرَّجْعيّ" أو "ٱلمُحافِظ")، وكما لو أنّ الأمرَ كلَّه قائمٌ في مدى ثُبوت "ٱلحُضور ٱلآنِيِّ" (أو، إنْ شئتَ، "ٱلحَاضِريّة" التي يُسمِّيها بعض كُتّابنا "ٱلرّاهنيّة"!).
    ويَتّضح، من ثَمّ، أنّ "ٱلحديثَ/ٱلجديدَ" لا يَتعلّق بكل "حَدثٍ" سواءٌ أكان واقعًا مُتقلِّبًا أمْ فِكْرًا مُتبدِّلًا أمْ كلامًا مُتحوِّلا. ذلك بأنّ من "ٱلحَدث" في حياةِ "ٱلإنسان/ٱلبَشر" ما هو لَصيقٌ بما يَعتريه باستمرار من حاجةٍ إمّا إلى ٱلتَّخلُّص من فَضَلات جسمه بإلقائها "خَبَثًا" يَحْدُث في اليوم مرّةً أو أكثر (خصوصا عند "ٱلأحداث" من ٱلوِلْدان وٱلصِّبْيان) وإمّا إلى مُسايَرةِ ما تُوسوِس به له نفسُه الأمّارةُ بالسوء "خُبْثًا"! فهل يَصِحّ، إذًا، أنْ يُنظَر إلى حوادثِ وأحداثِ "ٱلعصر ٱلحديث" من دون ٱستحضارِ خَبائِث النُّفوس وأخباث الأعمال كما تتجلّى أفكارًا في "ٱلحَداثة/ٱلخَباثة"؟
   يَحسُن، ٱبتداءً، ٱلِانتباهُ إلى أنّ كونَ "ٱلحَداثة" لا تَقبل واقعيًّا أن تُفصل عن "حَدَثان ٱلدَّهر" (أيْ عن مجموع "ٱلنّوائب" و"ٱلحوادث" التي تَتخلّل حياة النّاس فتجعلُها مُراوَحةً بين "ٱلجِدّة" و"ٱلقِدَم" لصُعوبة ٱلمُزايَلة بين "ٱلحاضر" و"ٱلماضي") يُوجب الوقوفَ على تجذُّرها في ٱلمَعيش ٱلبشريِّ كما تُحدِّده شروطُ الوُجود والفعل بهذا ٱلعالَم، ممّا يقتضي - في جميع الأحوال- ألا يُنظرَ إليها إلا بصفتها ٱجتهادًا بَشريًّا مشروطًا، بهذا القدر أو ذاك، في ٱلِانفكاك عن مجموع ٱلإكراهات التي تتعلّق بأحداث الحياة في تعبيرها عن الإنسان بما هو ذاتٌ فاعلةٌ - حَسَب ما يظهر- بوعيٍ نافذٍ وإرادةٍ حُرّةٍ وعزيمةٍ لا تَفتُر.
   وإنّ كونَ "ٱلحَداثة" يُراد لها أن تُحيلَ، في آن واحد، إلى كُلٍّ من "ٱلعقل" (كفكر قائمٍ على مُمارَسة المُساءَلة النّقديّة تمحيصًا وتعليلا) و"ٱلحُريّة" (كرُشْدٍ بلا وصايةٍ وٱستقلال دون تبعيّة) و"ٱلتّقدُّم" (كصَيْرورةٍ دائمةٍ من النُّمو وٱلِازدهار والتّوسُّع) يَجعلُها من المَواضيع التي تَحظى، عند أكثر النّاس، بامتياز لا يَكاد يُضاهى. وبالتّالي، لا يَعود خافيًا أنّه ليس ثمّة ما هو أهمّ وأحسن، في خضم التّنازُع حول مُختلِف ٱلِامتيازات، من أنْ يُبديَ ٱلمرءُ ٱهتمامَه بـ"ٱلحَداثة"، بل أنْ يُركِّز عليها عملَه وقولَه حتّى لا يَفُوته شيءٌ من أفضالها وخيراتها. وهذا ما يُمكن أنْ يُلاحَظ غالبًا في كُلّ ما يَميل إليه الذين يَحرِصُون على ٱدِّعاء "ٱلحَداثة" تعاقُلا و/أو تحرُّرًا و/أو تقدُّمًا.
    ومن أجل ذلك، فإنّ أخذَ "ٱلحَداثة" بدلالتها على «مجموع مَكاسب الفعل البشريِّ في هذا العصر الحاضر كإنجازٍ عقليّ مُتحرِّر ومُتقدِّم» لا يَجعلُها تُمثِّل "حُضورَ" أو "حاضريّةَ" الإنسان بما هو فاعليّة قائمة بالأساس على "ٱلعقل" و"ٱلحُريّة" و"ٱلتّقدُّم" إلا في المدى الذي يَثبُت أنّ كُلّ (أو، على الأقل، جُلّ) مَكاسب الفعل البشريّ الحديث كانت خيرَ تمثيلٍ للإنسان بصفته ذاتًا لا تَنْفكّ عن "ٱلعقل" و"ٱلحُريّة" و"ٱلتّقدُّم". وٱلحال أنّ الفكر المعاصر، منذ أكثر من قرن، لم يُمْعِنْ في نَقْضِ شيء بقدر ما أمعن في نقض "ٱلذّات" بكل صفاتِها تلك، حيث لم يَعُدْ مُمكنًا تصوُّر "ٱلحَداثة" خارج كونها ٱجتهادًا - مُحدَّدًا ومحدودًا- في إنجازِ "مشروع يُستكمَل باستمرار"، بل لقد أُعيدَتْ أكثر من مرة مُراجَعةُ مفاهيم "ٱلعقل" و"ٱلحريّة" و"ٱلتّقدُّم" بما يَنأى بها عن أساطير "ٱلتّنويريِّين" في تفاؤُلهم ٱلسّاذج ويُحيطها بكثير من الحذر والتّواضُع. ولذا، فكل إصرار على رَبط "ٱلحداثة" بفُتوحاتِ عقلٍ مُتحرِّرٍ أصلا ومُتقدِّم دَوْمًا ليس سوى تضليلٍ يَأبى إلا أنْ يَتعاطى "ٱلحَداثة" تَكالُبًا وتَواقُحًا بالشكل الذي يَستنزل مَطلَبَ "ٱلِاجتهاد" إلى دَرَكاتِ "ٱلخَباثة" فلا يَعودُ إلا تَعالُمًا بلا تحقيق و/أو تَحادُثًا بلا تجديد!
     حقًّا، ما أكثر وأعظم مُنجزَات "ٱلعصر ٱلحديث" التي تُعدّ - على مُستوى تجليّات "ٱلعقل" و"ٱلحريّة" و"ٱلتّقدُّم"- بُنْيانًا يَعِزُّ نظيرُه في كل عصور الماضي. غير أنّ الأمر لا يَستقيم، بهذا الصدد، إلا باستحضار جُملةِ الإخفاقات والمَفاسد التي تُلازِم جوهريًّا تلك المُنجزات ويَصعُب فعليًّا إدراجُها في خانةِ الآثار العَرَضيّة أو ٱلتّبِعات الهامشيّة. وحَسْبُ المرء، هنا، أنْ يَذكُر أنّ الوُجودَ والفعلَ الإنسانيِّين لا يَصِحُّ ٱختزالُهما في حَداثةٍ لا تُفعِّل "ٱلعقل" إلا تألُّهًا مُتنزِّلا أو تَعالِيًا وَسيليًّا، ولا ترى في "ٱلحُريّة" إلا تَسيُّبًا إباحيًّا أو تَوحُّدًا فَرْدانيًّا، ولا تَتصوّر "ٱلتّقدُّم" إلا إنتاجيّةً ٱستغلاليّةً أو نُموًّا ٱستهلاكيًّا. وإلا، فإنّ مَآل "ٱلحَداثة" بعد قرون من التوسُّع الهيمنيِّ وٱلِاستغلاليِّ إلى "ٱلعولمة" في ٱتِّجاه "ٱلتّنميط ٱلأُحاديّ" المُشتغل بآليّة "ٱلفوضى الخلاقة" لا يُعبِّر عن "ٱلوضع ٱلبشريّ ٱلحديث" إلا بما هو إحدى بقايا "ٱلماضي" المُنفلتة من إِسار "ٱلتّنوير" عقلا تشارُكيًّا و"ٱلتّحرير" تقدُّمًا تضامُنيًّا!
    وأكثر من ذلك، نجد أنّ "ٱلحَداثةَ" - بمُقتضى أنّ كل النّاس الموجودين خلال فترةٍ ما يَطمحون إلى أنْ يَعيشوا وُجودَهم في حداثته (أو كحداثةٍ)- ما فتئت تُعرَض (وتُفرَض) في الغالِب بصفتها مُتعارِضةً مع "ٱلماضي"، ليس "ٱلماضي" فقط في دلالته على «مجموع مَكاسب الفعل البشريّ بما هي مُنجزَات تُعبِّر عمّا كان وٱنقضى»، وإنّما أيضا ذاك "ٱلماضي" في دلالته على «رُسوخ ٱلتّقليد وفُشوِّ ٱلِاتِّباع». ولهذا، فإنّ تصوُّر "ٱلحَداثةَ" بما هي "ٱلجِدّة" كما تتمثّل في "ٱلمُحدَثات/ٱلمُستجدّات" التي تختلف - بهذا القدر أو ذاك- عن "ٱلمَورُوثات ٱلقديمة" يَمنع من إدراكِ أنّ كلّ ٱلنّاس في فترة ما لا يَشتركون في هذه "ٱلحَداثة" بنفس الكيفيّة والقَدْر. ذلك أنّ "ٱلأحداث/ٱلصِّغار" لا يَخلُفون فقط "ٱلقُدامى/ٱلكبار" أو يَختلفون بما هم "أخْلاف/لاحقون" عن "ٱلأسلاف/ٱلسّابقين"، بل أيضا يَختلفون فيما بينهم على النّحو الذي يُؤكِّد تنازُعَهم وتفاوُتَهم في إنجاز حداثتهم بما يُوجب تَبيُّن أن "ٱلحَداثةَ" لا تنفكّ مُطلقًا عن "ٱلتّعدُّد" و"ٱلتّناقُض" و"ٱلتّفاوُت".
     فالنّظر، إذًا، إلى "ٱلحَداثة" بصفتها مُناهَضةً للموقف القائم على "حِفْظ ٱلماضي" (كتقليد مُتّبَع أو تقاليد مَرْعيّة) يُقيمها في صورة مُلاحَقةٍ ل"ٱلحديث/ٱلجديد". لكنّ ما ينبغي ٱلِانتباه إليه هو أنّه ليس كل جديد مُفيدًا، ولا كل قديم خِلْوًا من الفائدة، وإنّما المُعتبَر دائما أنّ "ٱلقِيَم ٱلنّافعة" - بما هي ضالّة العاقل- ليست حِكْرًا لفترةٍ تاريخيّة أو فئة بشريّة بعينها سواء أكانت مَاضيةً أمْ حاضرةً. وإذا كان ليس من الصعب قَبُول أنّ الماضي لا يخلو البتّة من "ٱلقيم" التي تقبل أنْ تُستحضر، فإنّ ما قد يَصعُب قَبُوله أنّ ذلك الأمر يَقتضي تأكيد أنّه، من جهة، لا "حديثَ/جديدَ" من دون قديم يُوجد كأصلٍ أو سبَبٍ له و، من جهة ثانية، لا "حديثَ/جديدَ" إلا ويصير قديمًا. ومن هنا، فإنّ "ٱلحَداثة" أبعد من أن تكون بلا "أُصول" مُؤسِّسة سواءٌ أَنُظر إليها كأسباب أمْ كقِيَم أمْ كشُروط.
    وإذا كان من الشّائع أنْ تُحدَّد "ٱلحَداثة" بما هي "إِحداثٌ"، فإنّ ما يَغيب (أو يُغيَّب) مع ذلك هو أنّ شُروط "ٱلوضع ٱلبشريّ" في ضرورتها وتداخُلها تجعل فاعليّةَ الإنسان غير مُمكنةٍ إلا بالنِّسبة إلى ٱلتّأسيس ٱلِاجتماعيّ وٱ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أُصول “التّطرُّف المُتعالِم” وفُصول “التّخشُّب المُتحادِث”

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 19 ديسمبر 2011 الساعة: 12:16 م

 

    قد يَجِدُ الوَلِعُون بالتّبسيط، في ما أورده الأُستاذ "محمد العُمري" بمقاله "الأُصوليّة المتطرفة بالخُشَيبات"، فصلَ المقال بخصوص ما يُسمّى "ٱلأُصوليّة" من حيث إنّه مقالٌ حَرَص صاحبُه - من مُنطلَق ما سمّاه "الاجتهاد في مُلاءَمة المصطلحات مع مُعطيَات البيئة حيث تُوظَّف"- على تحديد "ٱلأُصوليّة" بصفتها «الدّعوة إلى العودة إلى الأُصول وتحكيمها في صياغة الواقع الراهن والتخطيط للمستقبل المرتقب، درجات من التحكيم ؛ تصلُ عند المتطرفين إلى حدّ التحكُّم.» و، من ثَمّ، على تمييز ثلاثة منها (أُصوليّة دينيّة، أُصوليّة عرقيّة، أُصوليّة ٱجتماعيّة-ريعيّة) تُعدّ مُستكرَهةً ومُستهجَنةً إلى أبعد حدٍّ وبلا مُشاحّة.
    لكنْ يبقى أنّ أيَّ قراءة مُتمعِّنة في خطاب الأستاذ "العُمري" من شأنها أن تكشفَ أنّ الأمر لا يعدو أن يكون ضربًا من التّبسيط الذي يبدو أنّه، رغم كونه أراد أن يقول كل شيء عن "ٱلأُصوليّة، يَمِيلُ إلى إخفاء نوع أشدّ من "ٱلأُصوليّة" قد يُسمّى - إذا قَبِلنا هذا المُصطلَح- ب"ٱلأُصوليّة ٱلحَداثيّة"، وإلا فيَحسُن أن يُسمّى بما يُحقِّق تعيينَه، أيْ بما هو ضربٌ من "ٱلتّطرُّف ٱلمُتعالِم" (خصوصا أنّ الأستاذ "العمري" قد حَسم في ضرورة كَسْرِ عين "عِلْمانيّة" كأنّه يُسلِّم تسليمًا بأنّ المُراد من المصطلح المنقول إنّما هو تأكيد التّعارُض بين "ٱلعِلْم" و"ٱلدِّين"، بل تَنافِيهما وسُمّو الأول على الثاني!). وبالتالي، يُمكن أنْ يُحدَّد هذا "ٱلتّطرُّف ٱلمُتعالِم" بصفته «ٱدِّعاء ٱستحالة العودة إلى أُصولٍ مُعيّنة يُمكن تحكيمُها في صياغة الواقع الراهن والتخطيط للمستقبل المُرتقَب.»، وهو التّطرُّف الذي لا يَملِكُ إلا أنْ يَفضحَ تَخشُّبًا فكريًّا لدى كثير من أدعياء "ٱلحداثة" بيننا (أيْ من "ٱلمُتحادِثين") لإطباقهم على الظنّ بأنّ "ٱلعِلْمَ" (المعاصر بالخصوص) يقوم كصيرورة ٱنقطاعيّة يُطرَّح فيها ٱطِّراحًا كل "أصلٍ سابق" على النّحو الذي يجعل "ٱلمعرفة ٱلعلميّة" تتحدّد كتعبير عن "ٱلحداثة" بما هي "أصالةٌ" قائمةٌ بنفسها وليس أبدًا بالنِّسبة إلى "أُصول ٱلماضي" ؛ إنّها، إذًا، إبداعٌ مُستقلٌّ لا يَفتأ يُنْشِئ أُصولَه إنشاءً ويَبني ٱمتيازه كأمرٍ واقع يجب أخذُه بصفة "ٱلكُلّيّ" الذي يفرض نفسه ولا يَقبل إلا الإذعان وٱلِامتثال!
    ولعّل مُنطلَق الإشكال يَكمُن في الحرص على ٱلِاستسهال في مَقامٍ لا يُجدي فيه إلا بالغ ٱلِاجتهاد لإقامة البيان تفكيرًا وتعبيرًا. ذلك بأنّ ٱلِاستسلام للَفظ "أُصوليّ/أُصوليّة" في ترجمة ٱللّفظ الأجنبيّ « fundamentalism/fondamentalisme » لا مُبرِّر له، في هذا المجال، سوى طلب السهل من ٱلذّرائع وٱلأَدلّة. يَظهر هذا، أولا، في الغَفْلة عن سرّ الجَمْع في اللّفظ العربيّ ("أُصول" بدلا من "أَصْل" أو "أُصوليّ" بدلا من "أَصْلِيّ"، تمامًا بخلاف المُقابِل الأجنبيّ!) ؛ و، ثانيا، في خَرْق مُشترَكٍ تداوُليٍّ يَقْضي بأنّ صفةَ "أُصوليّ/أُصوليّة" في العربيّة تَنْسُب الموصوفَ إلى "علم أُصول ٱلفقه" أو إلى "علم أُصول ٱلدّين" ؛ و، ثالثا، في أنّ قَبُولَه لم يَمنع من إسناده بصفةِ "مُتطرِّفة" (كما في عنوان المقال المعنيّ: "أُصوليّة متطرفة"!).
    وإذا أُخذ ذلك كلُّه بالحُسبان، فإنّ ترجمةَ المصطلح الأجنبي لا يُمكن أن تتمّ إلا باستحضار ألفاظٍ مُتداوَلة لدينا مثل "سَلَفيّ/سَلفيّة" أو "تطرُّف" أو "تعصُّب"، وأيضا باعتبار أنّ ما يَنقُله اللفظ الأجنبي « fundamentalism/fondamentalisme » ليس سوى تخصيص للَّفظ الآخر « extremism/extrémisme » حينما يُراد تعيين "ٱلتّطرف ٱلدينيّ" الذي تَخصُّه الفرنسيّة بلفظِ « intégrisme » والذي هو عين ما يَدُلّ عليه لفظ "ٱلسَّلَفيّة" بما هي "تشدُّدٌ" و"غُلُوّ"، مِمّا يُوجب نقل المعنى ب"ٱلتّطرُّف ٱلدينيّ" أو "ٱلتّطرُّف ٱلإسلاميّ" تمييزًا له عن أنواع التّطرُّف الأخرى (التطرُّف العرقيّ أو القوميّ، التّطرُّف السياسيّ، التّطرّف الثقافيّ، إلخ). وإلا، فإنّ أيَّ ترجمة حقيقيّة تُعدّ غير مُمكنة إلا من خلال العمل على صبِّ المعنى ٱلِاصطلاحيّ للَّفظ الأجنبيّ (بمعنى «ٱلنّزعة ٱلحَرْفيّة في تصوُّر "ٱلأُصول/ٱلمصادر ٱلدينيّة" والعمل بها») في صيغةٍ صرفيّة تَكفُل تقريبَ المعنى من دون كثيرِ تحريفٍ أو بالِغ تَلْبيس. وبهذا الخصوص، فإنّه لا مناص من ٱلِاكتفاء بعبارةٍ شارِحةٍ مثل "ٱلتّطرُّف ٱلدينيّ" (كتقليد حَرْفيّ) أو تطويع النّقل ٱلاستعاريّ كما في "سَلَفيّ/سَلَفيّة" (خصوصا أنّ المعنى الأجنبيّ يَدُلّ على «ٱلمُمارَسة التي تَتّبع بدّقةٍ القواعدَ والتّعاليمَ الأساسيّة في أيِّ دين») أو ٱلِانتقال إلى نَحْتِ لفظٍ جديدٍ كما في "أَصْلانيّ/أَصْلانيّة" بمعنى «ٱدِّعاء إمكان حفظ "ٱلأصل" في كماله وصفائه والرُّجوع إليه بما هو كذلك».
    وهكذا، فإنّ كونَ الأمر يَتعلّق بإرادةِ تعيين وتمحيص "حركاتٍ" أو "نزعاتٍ" يَدّعي أصحابُها أنّ "ٱلدِّين" لا يُؤخذ إلا بما هو "أَصلٌ" أو "أُصول" كما أخذه "ٱلسّلَف ٱلصالِح" يَقتضي الحديث عن "ٱلسَّلَفيّة" بما هي "تطرُّف" في تصوُّر شيء ما والعمل به، بحيث يَصِحّ الحديث عن "سَلَفيّة دينيّة" و"سلفيّة أدبيّة" و"سلفيّة فلسفيّة" و"سلفيّة سياسيّة" و"سلفيّة علميّة" أو عن "ٱلسَّلفيّة ٱلإسلاميّة" في مُقابل غيرها من السلفيّات (مسيحيّة، يهوديّة، بوذيّة، إلخ.). وقد يجوز القياس على لفظ "ٱلتّطرُّف" نفسه وتخريج لفظ "ٱلسلفيّة" على صورته الصرفيّة فيُقال "تسلُّف".
    ولا يخفى أنّ أنواعَ "ٱلتّطرُّف" المقصودة بواسطة مُصطلح "سَلَفيّة" تتحدّد، أساسًا، بكونها تَقُوم على "ٱلتّقليد" و"ٱلمُحافَظة" في مقابل "ٱلِاجتهاد" و"ٱلتّجديد". وإذا كان نُقّاد "ٱلسّلفيّة ٱلدِّينيّة" يَحرِصُون على الظهور ك"حَداثيِّين"، فإنّ كونَهم لا يَستطيعون في الغالب أنْ يُبرهنوا - بمقتضى إعمال مبادئ "ٱلِاجتهاد" و"ٱلتّجديد"- على ٱنقطاعهم الفعليّ عن "أُصول ٱلحداثة" لدى غيرهم يَجعلُهم لا فقط "مُتحادِثين" يَدّعون "ٱلحداثة" بالتّمنّي وٱلتّشهّي، بل يَضعُهم أيضا بين زُمَر "ٱلمُقلِّدين" و"ٱلمُتسلِّفين" من الذين يَتفانون في ترديد شعارات لم يَخترعوها وفي تطبيق مَأثُورات يَكتفون بالنّسج على منوالها من دون ٱلِاقتدار على تجاوُزها ومُضاهاتها بما يُخالِفها.
   ومن ثَمّ، فإنّ تمييزَ "ٱلتّطرف" و"ٱلتّسلُّف" عمّا سواهما لا يَستقيم إلا بتحديد معايير مُحدّدة تُتيح "ٱلحُكْم" و"ٱلفَصْل"، ممّا يجعل الرُّكون إلى لفظ "أُصوليّة" يقود إلى أمرين مردودين كليهما: كون "ٱلسّلفيّة" مجرّد حِفْظ ل"ٱلأَصْل الكامل والخالِص" ؛ وكون غيرها يقوم كاطِّراح تامٍّ ومُراجَعة لكل "أصل سابق". وما يجعل هذين الأمرين مردودين إنّما هو ٱمتناع الحِفْظ بمعنى «ٱلت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ثُمّ أُتِيَ به ليكون حزبًا مُنظِّفًا!

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 29 نوفمبر 2011 الساعة: 12:27 م

    أيُّ قراءة جادّة للانتخابات الأخيرة بالمغرب مُطالَبةٌ باطِّراح موقفين: موقف من يَبتهج لها تواطُؤًا أو ٱنتهازًا، وموقف من يَتعاطى الهجاءَ المُتسايِس أو المُتخالِق. ذلك بأنّ الموقفَ الأوّل لا يعدو أن يكونَ ٱستسهالا يَأتيه من صار لا يَملِك إلا أن يُصدِّق ما يُقال له على كل حال ؛ في حين أنّ الموقف الآخر يُعدّ موقفَ من يميل إلى أن يُصدِّق نفسه تَكاسُلا. وبعيدًا عن كلا الموقفين، ينبغي النّظر في هذه ٱلِانتخابات التّشريعيّة إعمالا للمُساءَلة النقديّة.
    يَجدُر، ٱبتداءً، ٱلِانتباه إلى أمرين: أوّلهما أنّ هذه ٱلِانتخابات إنّما هي مفعولٌ يَدِينُ بالكثير لمدِّ "ٱلرّبيع ٱلعربيّ" الذي مكّن من إسقاط بعض أنظمة "ٱلِاستبداد" و"ٱلفساد" بالبلاد العربيّة والذي جعل حركة "20 فبراير" بالمغرب تنخرط في "حَراكٍ شعبيّ" مُطالِبٍ ب"ٱلحريّة" و"ٱلكرامة" و"ٱلعدالة" ؛ وثانيهما أنّ الرهانَ الأساسيَّ لإجرائها كان "نسبةَ المُشارَكة" إلى الحدّ الذي جعل "ٱلنّظامَ" بأجهزته و"ٱلأحزابَ" بمُرشَّحيها يَحرِصون على حثِّ النّاخبين للتوجُّه نحو صناديق ٱلِاقتراع كيفما ٱتّفق، باعتبار أنّ زيادة "نسبة المُشارَكة" ذريعةٌ لانتزاع المشروعيّة من "20 فبراير" (وكل القُوى المنضوية في إطارها).
    لكنْ يبدو أنّ الذين أَخرجوا حيلةَ "تعديل الدّستور" ٱستفتاءً هُم أنفسهم الذين أرادوا مُواصلةَ ٱلِاحتيال بإخراج "ٱنتخابات تشريعيّةٍ" خِدْمةً لاستمرار "ٱلنِّظام". وبهذا الصدد، يجب تأكيد أنّ الأمر لا يَتعلّق - في نهاية المطاف- إلا بمُناوَرتين مفضوحتين الغرض منهما الحدّ من آثار "ٱلحَراك ٱلشعبيّ" المرتبط ب"20 فبراير" و، من ثَمّ، الالتفاف على مَطالِبه المُتمثِّلة أساسًا في إرساء آليّات ٱنتقالٍ دِمُقراطيّ حقيقيّ بدءًا بإعداد دُستور يُعبِّر عن "سيادة الأمة" الكاملة وٱنتهاءً بإجراء ٱنتخابات سليمة ونزيهة تُفرِز من يُمثِّل المُواطنين تمثيلا يكون موضوعا للمُراقَبة المدنيّة والمُحاسَبة القانونيّة.
    وهكذا، حينما نأتي إلى فوز "ٱلعدالة وٱلتنمية" أخيرًا بنحو رُبع مقاعد "مجلس النُّواب" (107 من أصل 395 مقعدا)، فإنّه لا يُمثِّل في العمق سوى فوزٍ "مَصنوعٍ" و"مُصطنَعٍ": أولا، لأنّه خُطِّط له لكي يُغطيَ عُيوبَ وفضائح "النّظام" ؛ وثانيا، لأنّه يُخفِي أنّ نسبةَ المُشارَكة لم تكن فقط ضعيفة (45٪ ليست هي نفسها 72٪ كما في استفتاء الدستور!)، بل إنّها ليست تمثيليّةً على الإطلاق، اللهم إلا بمُحاوَلة إنكار البداهة الصارخة (55٪ أكبر من 45٪ بعشر نقط!)، وبالخصوص إذا أُضيفت إليها نسبة الأصوات المُلغاة (نحو 20٪) وأكثر من سبعة ملايين لغير المُسجَّلين في اللاوائح! وحتّى لو صدّقنا الأمر برُمّته (وهذا، طبعا، بإغفال كل المسكوت عنه رسميًّا بخصوص مُختلِف الخُروقات والمُخالفات!)، فإنّ حصةَ هذا الحزب لا تُعطيه من المشروعيّة إلا بقدر ما تُمثِّل كحِصّة بالنِّسبة إلى "الكُتلة الناخِبة الأصليّة"، وباعتبار وُجود أطراف مُعارِضة دَعت فعلا إلى المُقاطعة. وفضلا عن ذلك، فإنّ "ٱلعدالة وٱلتنمية" بهذه الحصّة إنّما ٱستردّت في الواقع ما مُنِعت منه سابقا (في 1997 ٱكتفت بتسعة مقاعد، وفي 2002 أُعطيت 42 مقعدا، وفي 2007 حصلت على 47 مقعدا)!
    ولهذا كلّه، فليس من التّبصُّر في شيء أنْ يُسوَّقَ فوزُ "ٱلعدالة وٱلتنمية" كما لو كان نُقلةً نوعيّةً في "الِانتقال الدِّمُقراطيّ" المطلوب. وإلّا، فكَمْ يُمثِّل حقيقةً هذا الحزب من أصوات "الشعب المغربيّ"، إذا كانت الانتخاباتُ كلُّها لم يُشاركْ فيها سوى رُبع "الكُتلة النّاخبة"؟ أليس الأمر تلاعُبًا يَمسّ جوهر المُمارَسة الدِّمُقراطيّة التي ليس في صالح "ٱلنّظام" وأحزابه الدّخول الجادّ فيها، على الأقل ح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نظام “الشّر العبثيّ” وٱنفضاح علاقات “المُماتَعة”!

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 23 نوفمبر 2011 الساعة: 11:48 ص

« له لسانُ مُدَّعٍ،
يَصولُ في شوارعِ الشَّامِ كسيفِ عنترهْ
يكادُ يلتَّفُ على الجولانِ والقنيطرهْ
مُقاومٌ لم يرفعِ السِّلاحَ
لَمْ يُرسلْ إلى جولانهِ دبّابةً أو طائرهْ
لم يُطلقِ النّار على العدوِّ،
لكنْ حينما تكلَّمَ الشّعبُ
صحا من نومهِ
وصاحَ في رجاله:
مُؤامَرهْ!
مُؤامَرهْ!
وأعلنَ الحربَ على الشَّعبِ
وكانَ ردُّهُ على الكلامِ
مَجزرهْ!» (أحمد مطر، "مُقاوم بالثرثرة… مُمانع بالثرثرة")

   حقيقة "النّظام الحاكم" بسوريا لا يَجهلُها أو يَتجاهلُها إلا من سَفِه نفسَه أو فَقَد عقلَه أو كان ممّن يَعبُد هواه. وكل من كانت هذه حالَه، فإنّه لا يُبالي بأن يكون ممّن تأخُذه العزّة بالإثم دفاعًا عن نظام ليس في كِفّتي ميزانه سوى أكوام من أعمال "التّقتيل" و"التّعذيب" و"التّنكيل" و"التّحقير" و"التّهجير" على ٱمتداد أربعين سنة من "التّحكُّم الطُّغيانيّ" بزعامةٍ "عَلويّة-نُصيريّة" فاسدة ومُفسدة.
   إنّ الأمرَ يَتعلّق، في الواقع، بنظام يرفع شعارات "البعث الِاشتراكيّ" و"الوحدة القوميّة" و"مُقاوَمة الِاحتلال" ويعمل فعليًّا بأضدادها "عبثًا ٱستفراديّا" و"تفريقًا طائفيّا" و"مُهادَنةً للاحتلال" على النّحو الذي يَجعلُه نظامًا مُوغِلا في "الجبروت الِاستبداديّ" و"التّسلُّط الإفساديّ" بالقدر نفسه الذي يتعاطى "التّضليل" و"التّعتيم" و"التّزييف".
   وممّا يُؤكّد أنّ "النّظام السوريّ" ليس سوى نظام من "الشّر العبثيّ" كونُه بادر، منذ ٱندلاع "الثورة الشعبيّة"، إلى التّلويح باتِّهامات مُلفّقة تُلقِي باللائمة على "خوارجَ مُسلَّحين ومُنْدسِّين" وعلى "عُملاء لدُول ٱلِاستكبار الغربيّ" كلهم غير مرئيين وغير معروفين إلا لديه وحده. ولأنّه لم يُصدِّق قيام "الشعب السوريّ" ضدّه، فقد ٱستنفر جُيوشه زحفًا على الناس والمدن وأرسل ألسنته أقاويلَ عن مُؤامَرةٍ مُزدوجةٍ تُفصِّلها الدول الغربيّة الراعية لإسرائيل، وتَخِيطها "دُول ٱلِاعتدال العربيّ" المُصطفّة معها خُنوعًا وٱرتزاقًا.
   وعلى كل حال، فإنّ نظامَ "الشر العبثيّ" بسوريا لا يَملك من الشرعيّة أكثر من أيِّ نظام عربيّ آخر. فهو "جُمْهَلكيّةٌ" سُوِّيتْ في آخر لحظة بعد هلاك "حافظ الأسد" (2000) الذي ٱستمر الرئيس الأوحد ل"سُوريا" طوال ثلاثة عقود (1971-2000). وبهذا الخصوص، فإنّ ٱبنَه "بشّار" الذي أُتِي به مُنقذًا قد أكمل دورتين رئاسيتين بلا ٱنتخاب، ممّا يُفقده أيّ مصداقيّة وهو الذي يطمع أن يبقى رئيسًا لدولةٍ نظامُ الحكم فيها جُمهوريّ رئاسيّ!
   وإذا ثَبَت أنّ "النّظام الحاكم" بسوريا لا يَفضُل - من تلك النّاحية- غيرَه من الأنظمة بباقي الدُّول العربيّة، فإنّ مشروعيّةَ الثورة السوريّة لا يُمكن أنْ يُماريَ فيها إلا من عَمِيَ قلبُه طمعًا أو رَهبًا. ذلك بأنّ تقديمَ "النّظام السوريّ" كما لو كان يُمثِّل "ٱلمُمانَعة" و"قلبَ ٱلعُروبة" ٱدِّعاءٌ لا يَصمُد هُنيهةً أمام مَطالب "الحرية" و"الكرامة" و"العدالة" التي خرج يَنشُدها ويُنْشِدُها الشعب السوريّ، على الأقل في جزء منه كما ٱعترف النِّظام نفسُه مُكرَهًا وراغِمًا!
   إنّ نظام "الشر العبثيّ" بسُوريا قد ظلّ، منذ حرب أكتوبر 1973، يَعيش في "مُماتَعةٍ" ("مُتعة مُشترَكة" أو "ٱشتراك في المُتعة"!) مع دُويلة الصهاينة. وبالتالي، فإنّ ٱحتجاجَه برعاية المُقاومة ضدّ "ٱلِاحتلال الإسرائيليّ" وتعزيزَ الصمود في وجه مُؤامرات "ٱلِاستكبار العالميّ" حول "الشرق الأوسط" (كقلب للعالم العربيّ/الإسلاميّ) ليس سوى مُخادَعة تضليليّة لا تكاد تختلف عن تلك التي لَعبتْ وتلاعبت بها أنظمةُ ٱلِاستبداد العربيّة منذ 1948 بخصوص "فلسطين" كقضيّة مركزيّة تَغيبُ (وتُغيَّب) معها كل القضايا الأُخرى، ممّا أدّى إلى شرعنة أنظمة جُمْهلكيّة تُديم الاستبداد ٱستعبادًا وتتعاطى الحُكم إفسادًا.
   وأكثر من ذلك، فإنّ كونَ نظام "الشر العبثيّ" قد عُرِف كنِظام تسلُّطيّ مُتمرِّس بالقمع والِاضطهاد لَهُو أمرٌ لا يترك له أيّ مصداقيّة في ٱدِّعاء أنّه إنّما يُواجِه عصابات سلفيّة مُسلّحة، ولا سيّما أنّ كل الأنظمة العربيّة التي أُسقطت قبله قد سبقته إلى نفس ٱلِادِّعاء! بل كيف يُعقَل ألّا تَظهر تلك العصابات بسوريا إلا حينما خرج الشعب إلى الشارع في مُظاهَراتٍ تُطالِب برفع ليل الظُّلْم وقَطْع حِبال الفساد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“ٱلحداثة” موضوعًا للمُساءَلة من قِبل “ٱلإسلام”!

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 18 أكتوبر 2011 الساعة: 12:37 م

 

    من المعروف أنَّ المُسلِمَ يَبتدئ أفعالَه بالبسملة («بـﭑسم ٱللّـه، ٱلرَّحمان ٱلرَّحيم») في الوقت نفسه الذي يبدأ آخرُون - من غير المُسلِمين أو من المُسلمين الغافِلين- كُلَّ ما يَأْتُونَه من أفعالٍ بِذِكْرِ أسمائهم أو تأكيد أَنَاهُم كأنّ نِسبةَ الأفعال إلى مُكتسبِها يُعبِّر حقيقةً عن جَريانها السببيّ على يَدَيْه و"بـﭑسمه" وليس مجرد عادةٍ يَكفُر النّاسُ بواسطتها فضلَ مُنْطِقهم الذي جعل "ٱللُّغةَ" تَسْتَعْمِلُهم من حيث إنَّهم يَظنُّون أنَّهم لها فاعِلُون!
    من هنا تَبْدأُ مُساءَلةُ "ٱلإسلام" ل"ٱلحداثة". فأنتَ الذي تَجِدُ نفسَك كما لو كُنتَ "ٱلفاعلَ ٱلحقيقيَّ" لِكُلّ ما يَصدُر عنك، إنَّك ما إِنْ تُحقِّقْ في أمر "ذاتِك" بالنِّسبة إلى شُروط ٱلوجود وٱلفعل في هذا ٱلعالَم حتى تَقِفَ على أُمِّ نقائصك: ما أنتَ سوى ٱلتّجلِّي الظاهر ل"بِنيَةٍ فاعِلةٍ" تُحدَّدُ، بواسطة "ٱلعِلْم"، في ما يُسَمَّى تارةً «نسق ٱلتّفاعُلات بين ٱلقُوى ٱلكُبرى وٱلصغرى في ٱلكون» (أو "نِظام ٱلعالَم") ؛ وتارةً أخرى في "ٱلبنيات ٱلتّاريخيّة وٱلِاجتماعيّة" (أو، بإيجاز، في "ٱلمُجتمع" و"ٱلتّاريخ")! تُرَى، ما "نِظام ٱلكون" وما "نظام ٱلمُجتمع/ٱلتّاريخ" الذي بِﭑسم أحدهما أو بـﭑسمهما كِلَيْهما تَفعلُ وتَتحدَّث طَوْعًا أو كَرْهًا؟
    يَهْدِينا "ٱلعِلْمُ ٱلحديث" (بل "ٱلعلم ٱلحَدَاثِيّ" في ظنِّ بعضهم) إلى أنّ الأمر يَتعلّق ب«نَسَقٍ من ٱلبِنْيات غير ٱلواعية ٱلمُحَدِّدة لإمكان ٱلفعل ٱلإنسانيّ في هذا ٱلعالَم كجُملةٍ من ٱلعَلاقات المَشروطة». فبِﭑسْمِ هذه "ٱلبِنْيات" لا تَفْتأُ تَفعلُ وتتكلّمُ أنت الذي تُنْكِرُ على المُسْلِم تَسليمَه ﭐبتداءً بأن كُلَّ ما كان ويكون في هذا العالَم إنّما هو «بِﭑسْمِ ٱلكائنِ ٱلأَكْمَلِ ٱلمُتَعالِي»، أيْ « بِﭑسم ٱللّهِ الذي لا إلَاهَ إِلَّا هُو»، وليس « بِﭑسْمِ نَسقٍ من ٱلبنيات غير ٱلواعية ٱلتي تُمَكِّنُكَ - هكذا!- من ٱلفعل في هذا ٱلعالَم» ؛ إِلَّا أَنْ يكونَ هذا هو "ٱلاسم ٱلآخر" الذي يَرتضيه "ٱلعِلمُ" للتّعبير عن "ٱللّه" عز وجَلَّ! فَأَيُّ "عقل" أو "تعقيل" يَستطيعُ أنْ يُقِيمَ المُفاضلَة الحَداثِيّةَ بين إيمانٍ بـ«كائنٍ مُطلَقِ ٱلوُجود وٱلقُدرة وٱلإرادة وٱلعلم» وإيمان بـ«بِنَاءٍ فِكْرِيٍّ يَجعلُ كل ٱلفعل في هذا العالَم مَعْلُولاً لعَلاقاتٍ غير واعية وغير مُتَعَيِّنة»؟! وكيف يجب، على مُستوى "ٱلحداثة"، أنْ تُضْمَنَ المَعْقُوليّةُ فقط لهذا ٱلإيمانِ ٱلأخير؟!
    إنّ الذي يَغِيب عن إدراك كثيرين أو يُتجاهَلُ عَمْدًا إنّما هو الأصلُ ٱلإيمانيُّ في كل ما يُنْسَب من تَفَرُّدٍ وسُمُوٍّ إلى "ٱلحداثة". فأهَمُّ ما يُقَوِّمُ "ٱلحداثةَ" يَتمثل في أنَّ "ٱلعَقْل"، كَكُلِّيٍّ بشريٍّ، حَقُّهُ أَنْ "يُفَعَّلَ" وَ"يُحَكَّمَ". فهل يُقْبَلُ "ٱلعقل" من لدن الإنسان الحَدَاثي من دُونِ إيمان؟ كيف يُمْكِنُك أنْ تُصَدِّقَ "ٱلحداثةَ" (وقِوَامها "ٱلعقل") من دون أنْ "تُؤْمِنَ" (ولو بِإِيمانٍ خَفِيٍّ في نفسك يَستعصي ظهورُه وإظهارُه على وعيك نفسه) بـ"قيمة ٱلعقل" في ذاته؟ فإِنْ أنتَ آمَنْتَ أو كُنْتَ مُؤمنًا بـ"ٱلعقل"، ماذا يُضِيرُك أنْ تَتَفَكَّر في وضعِ غَيْرك مِمَّنْ يُصَرِّحُ بإيمانه بأصلٍ آخرَ يَرى فيه الكِفايةَ في تأسيس كل ما هو ذُو قيمةٍ في عالَم البشر؟
     ومن ثَمّ، فإنَّ إيمانَ المُسْلِم باللَّه لا يُمكنُ أنْ يَجعلَه "غَيْرَ حَدَاثِيٍّ" أو مُعارِضًا ل"ٱلحداثة" كما يَتوهَّم كثيرٌ من "ٱلمُتحادِثِين" الذين يَبْدُون مُتَحَفِّزِينَ لِمُساءَلةِ ﭐعتقاداتِ غَيْرِهم ويُعْرِضُون عن التّساؤُل عن أساس ﭐعتقاداتِهم نفسِها! وإِلا، فإنَّ ٱعتمادَ الحداثيِّ على "ٱلعقل" يَجعلُه "مُؤمنًا بأصلٍ" تمامًا كما يُؤمِن المُسلمُ بأصل، وبالتّالي فهو "قَدَامِيٌّ" و"مَاضَوِيٌّ" على النّحو نفسه الذي يُعدّ به المُسْلِم "قَدَامِيًّا" و"ماضويًّا" في نظر أدعياء "ٱلحداثة"!
     وبهذا تَعْلَمُ أنّ مُنَاهَضةَ "ٱلأصل ٱلإيمانيّ" في ذاته لا يُعْطِي "ٱلحداثةَ" أيَّ ﭐمتيازٍ في مُساءَلتها إيمانَ المُسلم بِرَبِّه أصلا لكل ما سواه، بل بالعكس إنّ ٱلِامتيازَ كُلَّه حاصِلٌ للمُسلم في مُساءَلَتِهِ "ٱلحداثةَ" فيما تُخْفِي كَوْنَهُ أَصْلًا إيمانيًّا وتَبْنِي عليه، رغم ذلك، أفضليتَها تُجاه "ٱلإسلام"!
    ذلك بأنَّ "ٱلإيمانَ ٱلحَدَاثِيَّ" ب"ٱلعقل" يَحتاجُ أكثر من الإيمان الإسلاميّ باللَّه إلى الأصل المُقَوِّم، إذْ كيف تَستطيع أنْ تكتفي بالإيمان ب"ٱلعقل" أصلًا في التّوجيه إلى العمل من دون الإيمان بﭑلصَّلاح الكُلِّيِّ للأمر أو ٱلإلزام العقلي؟ وهل يُمكنُكَ أنْ تُؤمن بإِمكانِ الأمر العقليّ من دون أنْ تُقِرَّ، في الوقت نفسه، بالأصل الدّينيّ لِمِثْل هذا الإيمان؟! ومَتَى كان يُقْبَلُ الأمْرُ أو الإلزامُ من دون قَبُول معنى "ٱلخُلُق" أو "ٱلدِّين" كأصلٍ للإلزام، أصل مُتَجَذِّرٍ ﭐجتماعيًّا وتداوُلِيًّا؟! إنّك لَتَرَى، شيئًا فشيئًا، أنَّ المُساءَلة فِعْلٌ يَحِقُّ بِكُلِّ جدارةٍ للمُسلِم أنْ يُمَارِسَهُ على "ٱلحداثةِ"، فلا يبقى - إذًا- حِكْرًا لها ومَفْعُولُهُ أو موضوعُه دائمًا وبامتيازٍ "ٱلإسلام"!
     وأَكثر من ذالك، فليس من المُسَلَّم أبدًا أنْ تكون "ٱلحداثةُ" مَقصورةً فقط على "ٱلواقع ٱلغربيّ"، لأنَّ المُفْتَرض في "ٱلحداثة" أنْ تكون سَيْرورةً عالميّةً يَدخلُ فيها الفعل البشريّ المُتعلق بكُلِّ "ٱلعصر ٱلحديث". ولهذا، فإنّ جِمَاع الإنتاج البشريّ منذ القرن السابع عشر على مستوى الكرة الأرضيّة كُلِّها يُعَدُّ "حديثًا" أو "حَداثيًّا" بهذا القدر أو ذاك، من حيث إنّه يَخضع لشروط الإنتاج في العصر الحديث التي تَتحدَّد في ٱلِامتداد العالَميّ للاقتصاد، وﭐزدياد ﭐنفكاك الإنسان من رِبْقَة العبوديّة، وتنامي التّرشيد في التّنظيم والتّدبير ؛ مِمَّا يَجعلُ "ٱلحداثةَ" تتعارض، على الأصحّ، مع "ٱلجَداثَة" كاجْتِرَارٍ لِقِيَمٍ تُراثيّةٍ مَيِّتَةٍ وﭐستمرارٍ في تقليد السّلف وعدم تحصيل وﭐستعمال وسائل "ٱلإِحْدَاث" المُسْتَقِّل. لَكنَّها لا تتنافى مع "ﭐستحياء ٱلتُّراث" و"ﭐستلهام ٱلماضي"، لأنّ هذا هو الأصل في قيام "ٱلحداثة" الغربيّة نفسها. إِذًا، فلا "ٱلإسلامُ" يُعَدُّ بالتّحديد "جَدَاثَةً"، ولا "ٱلحداثة" خِلْوٌ من كل "آثار ٱلماضي" و"بقايا ٱلتُّراث"!
     غَيْرَ أَنَّ ما يجعل "ٱلإسلامَ" وعَالَمَه مَقْصِدًا للطّالِب والطّامِع، ومَثارًا للمُتسائِل والباحث، إنّما كَوْنُه يُعْرَضُ (ويُفْرَضُ) في معظم الأحيان - من قِبَل مُحْتَرِفِي الخطاب الغربيِّين والمُتَغَرِّبِين- كخَصْمٍ عَنِيدٍ ل"ٱلحداثة" (وهي تُعَدُّ بﭑلتّحديد، في ظنِّهم، "غَربِيَّةً" و"مُتَغَرِّبَةً" مَعًا)، وكَوْنُه يُبْعَدُ ويُسْتَبْعَدُ كَنِدٍّ كُفُؤٍ أو مُفْتَرَضٍ لها. فهل هناك نوع من ٱلِاستعداد المُعْطَى والمَوْقُوف حَصْرًا لِلإِنسان الغربيّ ("اليُوناني/الرُّوماني" و"اليهوديّ/النَّصْرَانِيِّ") يَجعلُه بالأصالةِ مُبْدِعَ "ٱلعَقْل"، المُتَبَحِّرَ في "ٱلعِلْم"، المُتَفَنِّنَ في "ٱلتِّقَانَة"، عَاشِقَ "ٱلحريّة"، بانِيَ "ٱلسِّلْم"، رَاعِيَ "ٱلعدل" والماضي في "ٱلتّقدُّم" من دون كل العالَمِين؟ وبﭑلعكس، هل ثَمَّةَ ضَرْبٌ من القَدَر الطبيعيّ الذِي يَحْكُم حصرًا طِبَاعَ الإنسان "ٱلعربيّ-ٱلمُسْلِم" فيَجعله أسيرَ "ٱلخُرافة"، هَائِمًا في أودية "ٱلشِّعر"، مَهْوُوسًا ب"ﭐلتقاليد"، مُتَيَّمًا ب"ﭐلفوضى" و"ٱلتَّسَيُّب"، حريصًا على "ٱلتّسلُّط" و"ٱلِاستبداد"؟ وكيف يكون "ٱلإسلامُ" - بما هو بالتّحديد، كما يَعتقد "ٱلمُتحادِثون"، نقيض "ٱلحَداثة" ما دام لم يَقبَلْ المصيرَ التّحديثيّ للدِّين كما قَبِلَتْهُ "ٱلنَّصْرَانيّة/ٱليهوديّة" من قَبْلُ- شَدِيدَ ٱلِامتناع عن مُقتضيات "ٱلتّحديث" ومُثِيرًا لِلاهتمامِ إلى الحدِّ المعروف، إنْ لم يَكُنْ يُسَائِلُ بعُمْقٍ "ٱلمشروعَ ٱلحداثِيَّ" في أُصوله كما في أبعاده ومآلاتِه؟
     من اللافِت أنّ "ٱلإسلام" صار يبدو في العالَم المُعاصر كما لو أنّه لم يُوجَدْ إِلَّا لِيَكُون مُمَثِّلًا لِجِماعِ صِفاتِ النّقيض الذي يجب، في جميع الأحوال، تَفاديه وﭐستحضارُه فقط كَشاهِدٍ يَصْلُح لِلتَّحْذيرِ منه! وقد يكون النّظرُ إلى "ٱلإسلام" على هذا النّحو عاديًّا جِدًّا ما دام يأتي من قِبَل الغربِيِّين المُتَشبِّعِين بمَفاخر "ٱلحداثة" وأمجادها. لكنْ أَنْ يُماثِلَهُ نَظَرُ المُتَغرِّبِينَ من المُسلمين وأبنائهم، وأنْ يَصيرَ في الغالِب نظرًا أَشَدَّ ﭐنتقادًا وﭐنتقاصًا لِ"ٱلإسلام"، فَأَمْرٌ يَدُلُّ في الحقيقة على أنَّ صفة النّقيض المُسْنَدَةَ إليه ليس فيها قَصْدُ الوصف وإنّما يُرادُ بها، في العُمق، الوَصْمُ الأَقْوَى: فهذا "ٱلإسلام" القُرُونِيُّ، المُمْتَدُّ في الأرض، والمُهَيْمِنُ على الجماهير عَامِّيِّها وخَاصِّيِّها، يُعَدُّ في الواقع عَقَبَةً كَأْدَاءَ أمام مشروع "ٱلحداثة" بما هو مشروعٌ تَنْويريٌّ-تَعْقِيليٌّ وتحريريٌّ-تَحديثيٌّ (وحَاشَا أن يكون، في زعمهم، مشروعًا ﭐستيطانيًّا وﭐستغلالِيًّا!). ولِهذا فإنّ "ٱلإسلامَ"، بصفته كذالك، ليس سوى «مَنَّاع لِلْخَيْرِ، مُعتدٍ، أَثِيم»، إِذْ هل هناك ما هو أَشَدُّ شرًّا وإِثْمًا من مَنْعِ نَشْر وﭐنْتِشار الخَيْرات القادمة من "ٱلغرب" وحِرْمان الشعوب المُسَمَّاة "إسلامِيَّةً" من ٱلاستفادة منها؟!
     وهكذا يُمْكِنُكَ أنْ تَتصوَّرَ حَجْمَ الآثارِ التي يُمكنُ أنْ تَتَرَتَّبَ على المُمَاثَلة بين "ٱلإسلام" و"ٱلتّخلُّف" (عن مَوْكِب "ٱلحداثة"). فَسُرْعانَ ما يُنْتَقَلُ إلى المُمَاثَلةِ الأُخْرَى التي يكون فيها "ٱلإسلامُ" عَدُوَّ "ٱلتقدُّم" و، من ثَمّ، عَدُوَّ "ٱلإِنسانيّة". وهل هناك نتيجةٌ منطقيّةٌ أكثرُ من هذه لذالك النّوع من التّناوُل الذي غَلَبَ بين المُهْتَمِّينَ والباحثينَ والصِّحَافِيِّينَ، الغربيِّين والمُتغرِّبِين، والذي لا يظهر فيه "ٱلإسلامُ" سوى بصفة الشّاهدِ السَّلْبِيِّ ل"ٱلحَداثة" الغربيّة والمُتغرِّبة؟! وبﭑلتالي، ليس من الغريب في شيء أنْ يَتحوَّل "ٱلإسلامُ" بﭑلنِّسبة إلى مُعْظَم الغربيِّين، وعند كثير من المُتغرِّبين، إلى خَصْمٍ مُتَّقًى من كل ناحية، وعَدُوٍّ مُحارَبٍ بكل ثمن!
     إنّ الكيفيّاتِ التي يُتَناوَلُ بها "ٱلإِسلامُ" مُتعدِّدةٌ ومُختلفةٌ ليس فقط لِتَعدُّد وﭐختلاف الأهداف المُتَوخَّاةِ من كُلِّ تَناوُلٍ، ولكنْ أيضا، وبﭑلخصوص، بﭑلنِّسبة إلى الجوانب السَّلْبِيَّة التي يُشَدِّدُها التَّناوُل ٱلِاتِّهَامِيُّ الذي يَبقى المُثِيرَ أو المُسْتَثِيرَ الأَقوى لِكثِيرٍ من الأعمال المُتعرِّضة لِ"ٱلإسلام". وإِنَّ من أشد العوامل تعزيزًا لهذا التّناوُل مُواجَهة بعض المُسلِمين له بنوع من ٱلِاستماتة في دفع تُهَمِه التي تزداد ﭐستحكامًا وٱلتصاقًا كُلَّما ﭐزداد دفعُها، لأنّها في واقع الأمر ضَرْبٌ من الكائنات التي لا تَستطيعُ أنْ تَستمِرَّ في الوُجود إلَّا بِقَدْرِ ما تُدْفَعُ وتُنْفَى ؛ في حِينٍ أنّ السَّيْرَ الطبيعيَّ لِلأُمور يَقتضي تركَهَا تَأْكُلُ ذَاتَها أو تَتَّخِذُ حَيِّزًا في نُفُوس وأذهان من لا يَضْمَنُونَ وُجُودَهم نفسَه إِلَّا بإنتاج وإعادة إنتاج مِثْل تلك ٱلتُّهَمِ الممجوجة والشُّبَه المَكْرُورة!
     لذالك، ففي مُواجَهة المُساءَلة ٱلِاتِّهاميّة التي تَنْصبُّ على أبعاد القوة والمُقاوَمة وٱلِامتداد في "ٱلإسلام" مُشَدِّدَةً جوانبَ التّهديد والخطر ومُبْرزةً إمكانات العداء ووقائع الرّفض، ما فَتِئَت تتبلور المُحاولاتُ ٱلِاختزاليّةُ والتّبسيطيّةُ، حيث تُصبح "ٱلشّريعة" تعبيرًا عن حاجات ظرفيّة لمجتمع قَبَليّ أو، في أحسن الأحوال، مجرد قانون "وضعيّ" قديم ؛ ويَصيرُ "ٱلأمرُ بالمعروف والنّهيُ عن ٱلمنكر" وصايةً دينيّةً أو تفتيشًا كَنَسيًّا من قِبَل رجال الدِّين ؛ وتَتحوَّلُ "ٱلشُّورى" إلى آليّة لتشريع ﭐلِاستبداد ؛ ولا يَعُودُ "ٱلجهادُ" سِوَى دِفَاعٍ عن النّفس أو ﭐسترهاب سياسيّ ؛ ويُنْظَرُ إلى "ٱلدّعوة إلى ٱللّه" كﭑحتكار لِلإسلام أو تعبير أُحاديٍّ عن ٱلحَقِّ ؛ وتُعتبَرُ مُناهَضةُ الظُلْم والعُدوان "إرهابًا" خَوَارِجيّا أو تَعصبًّا أعمى. وبهذا الصدد، قد لا يَعْدَمُ المرءُ وُجُودَ نوع من الكتابات التي تكاد تُفْرِغ "ٱلإسلام" من أهمِّ ما فيه ولا تحتفظ منه إلا بجو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أَيَصلُح “ٱلإسلام” لشيء آخر غير ٱلاستغلال؟

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 3 أكتوبر 2011 الساعة: 17:58 م

    من الشائع أنْ يُقال بأنّ "ٱلإسلاميِّين" يَستغِلُّون "ٱلإسلامَ/ٱلدِّينَ" لتحقيق أغراض دُنيويّة يَتفادون، في معظم الأحيان، الإفصاح عنها بما هي كذالك. ويَتعلق الأمرُ، حسب زعم "ٱلمُبطلِين"، بأغراض شتّى أهمّها توظيفه كـ"دِعاية" أو "فِكْرَى" سياسيّة. لكنْ، يبدو أن من يَسُوق هذا ٱلاتِّهام يَميل لا فقط إلى رفض ٱستعمال "ٱلدِّين" لأغراض غير دينيّة، وإنّما أيضًا إلى القيام باختزال مُضاعَف، من ناحية، للإسلام بحصره في المعنى المبتذل لـ"ٱلدِّين" و، من ناحية أخرى، للتّوجُّه الإسلامي باعتباره مجرد "دعوة" أو "فِكْرى" دينيّة من دون أيِّ كفاءة في تدبير "شُؤون ٱلدُّنيا". ومن المُفارَقة أنّ من يَستنكرون ٱستغلال "ٱلإسلام/ٱلدِّين" يَأْتُون، هم أيضًا، نوعًا من التّناوُل القائم على ٱستغلاله كـ"مِثال نقيض" لتهويل وٱستهجان نَهْجِ دُعاة وأدعياء "ٱلفِكْرَى ٱلإسلاميّة"!
    إنّه إذا جاز أنْ يكون "ٱلإسلاميّون" - على الأقل في جُزء منهم وبالخصوص أولئك الذين يُواطِئُون أو يُداهِنُون المُستبدِّين والمُفسدين- لا يَنظرون إلى "ٱلإسلام" إلا بصفته وسيلةً لاستغلال أكثريّة المُسلمين في ٱعتزازها بدينها وٱستعدادها للبذل في سبيل إظهاره وحفظه، فإنّ ما لا يَصِحّ إنّما هو أن يقوم بعض أدعياء "ٱلتّنوير ٱلعَلْمانيّ" باختزال "ٱلإسلام" في "ٱلدِّين" ليَسهُلَ عليهم، من ثَمّ، تأكيد أنّ كل إحالة دُنيويّة إليه تُعدّ ٱستغلالا له، ٱستغلالا يَتنافى - في ظنِّهم- مع مُقتضيات "ٱلتّدبير ٱلوَضعيّ/ٱلدُّنيويّ" الذي غالبًا ما تُردّ إليه "ٱلسياسة". ومن البَيِّن أنّ "ٱلمُبطلِين" لا يَفعلون ذالك إلا لرُسوخ ٱعتقادهم بأنّ "ٱلدِّين" قد صار مُضطرًّا في ظل "ٱلحداثة" إلى ٱلانزواء ضمن حُدود "ٱلتّجربة ٱلفرديّة" بحيث لا يَملك إلا أنْ يَخضعَ (ويُخضَع) لفعل "ٱلتّعطيل" الذي غرضه أنْ يَستبعده تمامًا من "ٱلمجال ٱلعموميّ".
     لكنَّ "ٱلإسلامَ"، في الواقع، ليس مجرد دين يُمكن حَصرُه في الصورة المُبتذلة التي لا تتعدّى - في عُرف أدعياء "ٱلتّنوير ٱلحداثي"- ذالك "ٱلإيمان ٱلمُخَرِّف" وتلك "ٱلشّعائر ٱلمُخدِّرة" ممّا يَكُون ضحيةً له البُسطاء من عامّة النّاس. ذالك بأنّ "ٱلإسلامَ/ٱلدِّينَ" يَتحدَّدُ، مَبدئيًّا، بصفته سيرورةً تنويريّةً وتحريريّةً تقوم على تفعيل "ٱلوحي" كإحياءٍ رُوحيّ وإيقاظ عقليّ يَنتقلُ ب"ٱلمُسلِم" من دَرَكات "ٱلجاهليّة" وٱنحرافاتها إلى درجات "ٱلرّاشديّة" ومَقاماتها على النّحو الذي يُخرِجُه من وصاية "أرباب ٱلدُّنيا" فيُطلِقُ فاعليّته تَعبُّدًا وتَخلُّقًا في ٱلِاستجابة لنداء "ربِّ ٱلعالَمين". ويَقتضي قيامُ "راشديّة ٱلإسلام" إعمالَ "ٱلتّرشيد" وتأسيسَه حتى يتأتّى ٱنفكاكُ العباد من إِسار كل ٱستعباد أو ٱستبداد حتّى لو ٱدّعى أصحابُه العمل بالإسلام وٱلعمل له. ولا يكون هناك ترشيد من دون إقامة "ٱلدّولة ٱلرّاشدة" التي تعمل على تحييد "ٱلدّولة" دينيًّا وتقييد "ٱلدّعوة" قانونيًّا بالشكل الذي يُمكِّن من قيام موضوعيّ ومدنيّ لسيرورة ٱلتّحرير/ٱلتحرُّر ومن تأسيس عمليّ وأخلاقيّ للتّنوير/ٱلِاستنارة بعيدًا عن غوائل السُّلطان سواء أكان ماديًّا أم روحيًّا.
    ولأنّ "ٱلإسلام"، فضلا عن ذالك، قد تَعيَّنَ تاريخيًّا في "حضارة عالميّة" شَمِلت مجتمعات ٱمتدّت من الصين إلى المحيط الأطلسي ومن البحر الأبيض المتوسط إلى أفريقيا جنوب الصحراء، فإنّ الإحالةَ إليه بصفته مَرجعًا تَصيرُ إحالةً إلى أهمِّ عطاءات المُسلمين التي شهدتها كل مجالات الفكر والحياة طَوال ثمانية قرون. وحضور "ٱلإسلام/ٱلثقافة/ٱلحضارة" على هذا النّحو هو الذي يَستدعي ٱستغلالَه وٱستثمارَه باعتباره عامِلا أساسيًّا في ٱلإحياء والبناء بما يَجعلُه نِدَّ "ٱلحداثة" وليس ضدَّها. وإِذَا كان هذا شأنَ "ٱلإسلام"، فلا يُعقَل أنْ يُمات كما لو كان مجرد ماضٍ ٱنتهى، ويُحيى "ٱلعصرُ" فيُعدَّ حُدوثًا وإحداثًا بلا ٱنقطاع ولا ٱنقضاء.
     غير أنَّ كونَ تجربة الإنسان ل"ٱلإسلام" لا يُمكن أنْ تَتِمَّ واقعيًّا إلا بالنِّسبة إلى شروط "ٱلوضع ٱلبشريِّ" في هذا العالَم يَقُود إلى تبيُّن أنّ ٱلمُشكلةَ كلَّها في "ٱلتّجربة ٱلدينيّة" إنّما هي عدم إمكانها إلا كتجربة دُنيويّة يُكابِدُ فيه المرءُ عَقبات الحياة كَدْحًا إلى مُلاقاة ربِّه، بحيث يَمتنعُ أنْ يكونَ "ٱلدِّين" مُمارَسةً مفصولةً عن "ٱلدُّنيا" كما يُريد له أدعياءُ "ٱلعَلْمانيّة" بالقدر نفسه الذي يَمتنعُ ألا يُؤثِّر "ٱلمَعيشُ ٱلدُّنيويّ" في "ٱلتّديُّن" كما يَتوهَّمُ "ٱلإسلامانيُّون". ومن هنا، فإنّ الرِّهانَ كُلَّه يَصيرُ قائمًا في السعي نحو إجادة ٱستغلال "ٱلدِّين" بما هو تَسويَةٌ لمَصالِح الإنسان في "ٱلحياة ٱلدُّنيا" على مُقتضى مصالحه في "ٱلحياة ٱلآخرة".
     ويَلزمُ، من ذلك، أنّ العملَ بالإسلام والعملَ له - بما هو عمل يُراد له أنْ يَتحدَّدَ بصفته "دينيًّا"- لا يتم إلا من خلال ٱلانغماس في "ٱلدُّنيا" بهذا القدر أو ذاك ؛ وهو ٱلِانغماس الذي يَصعُب معه، من جهة، "ٱلإخلاص" المطلوب في "ٱلتّديُّن" ويُصعِّب، من جهة أخرى، إمكان التّحقُّق بالدِّين من دون القيام بأسباب "ٱلدُّنيا". وهذا ما يَجعلُ "ٱلإسلام" لا يَقبل المُعارَضة الشّائعة بين "ٱلدِّين" و"ٱلدُّنيا"، لأنّه لا دينَ إلا دُنيويٌّ على النّحو الذي يَقتضي أنّ ٱلعِنايةَ بالدُّنيا من صميم ٱلدِّين. وبالتالي، فإ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التطرُّف العَلْمانيّ ورُهابُ الإسلام

كتبها عبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 24 سبتمبر 2011 الساعة: 17:53 م

     لعل المُشكلة الكُبرى في "ٱلعَلْمانيّة" بالمجتمعات الإسلاميةّ تتمثل في ما يُحيط بها من سُوء أو إساءة الفهم. إذْ من الشّائع أنّ دُعاتَها يَحرِصُون، بوعي أو من دونه، على ربطها ب"ٱلعِلْم" فتراهم يُسمُّونها "عِلْمانيّة"! في حين أنّ خصومَها لا يَتردّدُون في الحكم عليها بأنّها تُعادي "ٱلدِّين" فيَحق، في نظرهم، وَصْمُها بأنّها "لادينيّة" صريحة أو متنكرة. لكنْ إذَا ٱعتبرنا أنّ المُراد، من خلال ما تُرجم في العربيّة بلفظ "عَلْمانيّة" أو "لائكيّة"، لا يَتجاوز معناه «تحييد "ٱلدّولة" تُجاه "ٱلدِّين" عموما»، فإنّ قيامَ "ٱلإسلام" في جوهره ك"راشديّة" تُواجِه بقوةٍ غوائل "ٱلجاهليّة" يَجعلُ دُعاة "ٱلعَلْمانيّة" يَرهَبُونه إلى حدِّ الظُّهور بمظهر من يُعاني "رُهاب ٱلإسلام" (ما يُسمّى نَشازًا ب"الإسلاموفوبيا").
    ويبدو أنَّ تلك المُشكلة تزداد سُوءًا لكون دُعاة "ٱلعَلْمانيّة" بيننا يَغْلِب عليهم ٱلِانطلاق من التّجربة اليهوديّة-ٱلنّصرانيّة بحيث لا يجدون طريقًا آخر لتصوُّر "ٱلعلمانيّة" وإعمالها إلا بصفتها "تعطيلا للدِّين" إمّا جُحودًا وإمّا إلحادًا. وفي هذا يجد مصدرَهُ "ٱلتّطرُّف ٱلعَلْمانيّ" الذي يقوم على النّظر إلى فعل "ٱلعَلْمنة" كما لو كان يَعني، بالتّحديد، "إبطال (أو ٱطِّراح) ٱلدِّين". ذلك بأنّ كونَ تاريخ المسيحيّة أفضى إلى قيام "ٱلكنيسة" في صورة "سُلطان روحيٍّ/زمنيٍّ" مُستبِدّ ومُضطهِد هو ما أوجب العمل على "ٱنتزاع ٱلعالَم" من أيدي "رجال ٱلدِّين" ووضعه بين أيدي "عامّة ٱلنّاس" و، بالخصوص، بين أيدي "ٱلعُلماء" (المشتغلين أساسًا ب"ٱلعِلْم ٱلوَضْعيّ"). ولذا، فإنّ العامِلين على "ٱلعَلْمنة" يَنقادُون إلى ٱعتبار "ٱلدِّين" عموما مُتنافيًا مع "ٱلدُّنيا"، بل لا يَتردّد بعضهم في القول بوُجود تَضادٍّ بين "ٱلعقل" (كفعل بشريٍّ مُلازِم) و"ٱلوحي" (كفعل فوق-بشريٍّ مُفارِق) و، بالتّالي، بين "ٱلعِلْم" (كاشتغال نِسْبِيٍّ بالمعرفة والحقيقة) و"ٱلدِّين" (كإلزام إيمانيٍّ مُطلَق).
    ونجد أنَّ "ٱلعَلْمانيين" يُرتِّبون على ذلك قولَهم بأنّ ما يُميِّز "ٱلعقلَ" و"ٱلعِلْم" كليهما إنّما هو أساسهما "ٱلتّنويري" و"ٱلتّحريريّ" بخلاف "ٱلوحي" و"ٱلدِّين" ٱللّذَيْن يَقُومانِ، في ظنِّهم، على شكل توجُّه يَتحدَّدُ بأنّه "ظلاميّ/ظُلْمانيّ" و"رَجْعيّ/مُحافِظ". وعلى هذا يكون "ٱلعقل" و"ٱلعِلْم" نوعًا من النُّور "ٱلدّاخليّ" و"ٱلمُتنزِّل" وَفْق وضع الإنسان في هذا العالم بحيث يَصير "ٱلإلزام" أيضا نابعًا من داخل المرء وليس ناتِجًا من سُلطة "خارجيّة" و"مُتعالِيَة". وإذا كان هذا المنظور - الذي يَتبنّاه أدعياء "ٱلعَلْمانيّة" بيننا- يبدو كأنّه قد حَسمَ كل شيء، فلأنّه يَتجاوَزُ أهمّ المُكتسبَات التي ٱنتهى إليها الفكر المعاصر الذي رَاجَعَ أكثر من مرة مفاهيم "ٱلعقل" و"ٱلعِلْم" و"ٱلدِّين" و"ٱلسُّلطة" في إطار سلسلة من ٱلِانقلابات العلميّة والفلسفية الكُبرى التي لم يَبْقَ إلا مفكرونا حَيارى في ٱستيعاب تَبِعاتها، من حيث إنّهم لا يزالون يَقبَلُون ٱجترار ٱلنُّتَف المجزوءة وٱلفِكَر الملفوظة.
    لذالك، فإنّ دُعاة "ٱلعَلمانيّة" في العالَم الإسلامي لا يَفعلون، في الغالِب، سوى إجراء مُقايَسة على ما عرفته المجتمعات الغربيّة والبحث، من ثَمّ، عن تطبيقه على المجتمعات الإسلاميّة التي يُنْسَى أنّ لها تجربةً مُغايرةً في المجالين الدينيّ والسياسيّ على النّحو الذي لا يَسمح بمُعاملة "ٱلإسلام" بنفس الكيفيّة التي عُومِلت بها "ٱلمسيحيّة" منذ عصر النّهضة. ذلك بأنَّ "ٱلحداثة"، بخلاف ما هو شائع، لا تعني تَراجُعًا مُطْلَقًا للدِّين، وإنّما هي مُراجَعة له تستئنفه تأويلا وتستعيده إصلاحًا من خلال إعادة قراءة "ٱلتُّراث" اليهوديّ-المسيحيّ في تفاعله مع "ٱلتُّراث" الإغريقيّ-الرُّومانيّ بالشكل الذي يُمكِّن من ٱستمرار المُمارَسة الدينيّة في ثنايا المَعِيش الدنيوي من دون أيِّ حاجة إلى "ٱلسلطان ٱلزمنيّ" لفرضها أو حمايتها. وهذا ما يُفسِّر كون ٱلنّفاذ/ٱلنُّفوذ الروحيّ لذَيْنك التُّراثَيْن لا يزال عميقًا في المجتمعات الغربيّة على الرغم من إعطائه طابعًا دُّنيويًّا/دهريًّا يُراد لنا أنْ نأخذه كما لو كان "ٱنقطاعًا كاملا" أو "ٱنقلابًا جذريًّا" يَتحدَّدُ بصفةِ "ما هو عِلْميّ" (أو "عَلْمانيّ") مُنفصل تمامًا ع"ما هو دينيّ" (طبعًا، بقَبُول صحّة التّعارض بين "ٱلعِلْميّ" و"ٱلدِّينيّ").
    ومن ثَمّ يَظهر أنّه من الصعب خوضُ ٱلنِّضال باسم "ٱلعَلْمانيّة" من دون الوُقوع في مُعاداةِ ٱلدِّين. وهذا ما يفضح الأساس ٱلِاعتقاديّ في "ٱلعَلْمانيّة" التي تَصير بمُوجبه مُحدَّدة لا بصفتها "لادينيّة"، وإنّما بصفتها "دينًا مُتنكِّرا" يَتّخذ لَبُوس "ٱلعِلْم" و/أو "ٱلفلسفة" بالِاستناد إلى عطاءاتهما لتسويغ ٱتِّخاذ المواقف بجعلها تبدو كما لو كانت مواقف دَهْريّة/دُنيويّة بدون خلفيّات. وٱنكشاف عَوْرة "ٱلعَلْمانيّة" على هذا النّحو هو الذي يَقُود إلى تبيُّن دلالة ٱلِانتقال، لدى أصحابها، من الحديث عن "ٱلعَلْمنة" إلى التّركيز على "ٱلدّمقرطة" والحرص على إبرازها كمُناهَضة للوُثُوقيّة السّلفيّة والتّزمُّت الدينيّ كما يَجدانِ تعبيرهما، بالخصوص، لدى بعض الفئات الهامشيّة والمُتشدِّدة في المجال الإسلاميّ. ومن هنا يَأتي ٱلِانحراف في تصوُّر "ٱلعَلْمانيّة" بصفتها تعطيلا للدِّين نتيجته المُباشرة تفعيل "ٱلعَلْمنة" باعتبارها "مُحارَبةً للإسلام" تحت غطاء ٱجتثاث العُنف ٱلِاسترهابيّ الذي يَتوسَّلُ بتعاليم "ٱلإسلام/ٱلدِّين".
     وهكذا، فإنّ "ٱلتّطرُّف ٱلعَلْمانيّ" يتجلّى أكثر بما هو نضال فِكروِيّ وسياسيّ يَخُوضه أصحابه، من جهة، لتعطيل "ٱلإسلام" باعتباره تسييسًا مُغْرِضًا للدِّين وٱستغلالا مُدنِّسًا للمُقدَّس و، من جهة أخرى، للعمل على ٱختزال "ٱلمَرجعيّة ٱلإسلاميّة" في "ما هو دينيّ"، تمامًا كما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي