ٱلمقاومة بين فلسفة ٱلنقض وفلسفة ٱلجهاد

كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 22 مارس 2009 الساعة: 18:11 م

 

 
لعل من أكبر وأهم ٱلأسئلة، ٱللّتي يُفترض أن تثور في نفوس وعقول كثير من ٱلمتفلسفين، ذاكـ ٱللذي يدور حول ما حدث وأُحْدِث، على ٱمتداد ثلاثة وعشرين يوما، في قطاع غزة بفلسطين على أيدي "ٱلإنسان" ٱلصهيوني-ٱلإسرائيلي. فما ٱللذي يمكن (وينبغي) للفليسوف أن يقوله عن ذالكـ؟ هل يمكن للمرء أن يتفلسف بخصوص هذه ٱلأحداث ٱلفاجعة وٱلمأساوية؟
إننا ما نكاد نضع هذا ٱلسؤال حتى يلوح في أذهان كثير من ٱلناس ممن يتلقونه أمر قاطع وباتّ: ليس هذا بوقت ٱلتفلسف يا هذا! وإنما هو وقت ٱلنفور وٱلقيام! فماذا يُجدي ٱلتفلسف حين تشتد مكاره ٱلحرب وتَحمَى مِحن ٱلمُدافعة؟ ألا إن كل محاولة في ٱلتفلسف حينئذ ليست سوى هروب سهل من ٱلواقع ٱلكريه، هروب يؤكد -لمن لا يزال في حاجة إلى تأكيد- أن "ٱلفلسفة" أُلهُوّة من ليس لديه ما يُلهيه من ٱلمترفين وٱلقاعدين وٱلمتخلفين يوم ينادي ٱلمنادي للزحف وٱلزحام!
حقا، إن ٱلمرء لم يعد يجدر به أن يَدّعي أن مُمْكنات ٱلخطاب وٱلفكر تملكـ أن تُعوض وقائع ٱلقيام ٱلفعلي وٱلحي في ٱلميادين ٱلمختلفة للمواجهة. لاكن، لا يصح أن يُتوهم -كما هو ٱلحال عند كثير من ٱلمتدخلين في ٱلمجال ٱلعربي/ٱلإسلامي- أن ٱلواقع قائم فقط بتضارب ٱلأيدي وسعي ٱلأرجل. إذ مثل هذا ٱلزعم يُغفل أن ٱللسان وٱلقلم صِنْوانِ للسيف في ٱلمغالبة، بل هما نِدّان له تكون لهما ٱلغَلَبة عليه كما في عصرنا، وخصوصا كما أثبت ٱلصهاينة وٱلمتصهينون عبر ٱلعالم، وهم ٱللّذين يُمسكون بمقاليد ٱلفكر وٱلنشر بالقدر نفسه ٱللّذي يتحكمون في سُبُل ٱلقوة وأزِمَّة ٱلنفوذ وٱلسلطان، على نحو صار مَدعاة لهم (ولغيرهم) للتفاخر بمواهبهم ٱلخاصة في ٱلنبوغ وٱلعبقرية بين ٱلعالمين.
ولا يخفى، إلا على جاهل أو مكابر، أن "ٱلمسجد ٱلأقصى" يُعد ثالث ٱلحرمين عند ٱلمسلمين، فهو مَسرى رسول ٱلله (صلى ٱلله عليه وسلم)، وأن ما حوله من أرض فلسطين مباركـ ومقدس عند ٱليهود وٱلنصارى وٱلمسلمين. وفضلا عن ذالكـ، فإن "ٱلأقصى" أحد أجمل ٱلآثار ٱلتاريخية في ٱلعالم. ولاكن "ٱلأقصى" بناء عمراني ما فتئ يتعرض للنقض على أيدي ٱلصهاينة من بني إسرائيل. هذا أدنى ما يعلمه ٱلعرب وٱلمسلمون (وكثير من ٱلناس). غير أن أقصى ما يجهلونه إنما هو أن عملية "ٱلهدم" قائمة في نفوسهم وأذهانهم مذ كانوا، حيث أظلتهم فتنة كبرى آلت بآثارها ٱلبعيدة إلى فِتَن كقطع ٱلليل ٱلمظلم صارت تُطوّح بهم ٱلآن في كل ٱتجاه، فتن هي جِماع واقعهم ٱلاجتماعي-ٱلاقتصادي-ٱلسياسي-ٱلثقافي ٱللّذي يُفصح عن نفسه في مُعضلات ٱلجهل وٱلفقر وٱلمرض وٱلظلم ٱللّتي تُحيط بالسواد ٱلأعظم من ٱلعرب وٱلمسلمين في مشارق ٱلأرض ومغاربها. ولأنهم بهذه ٱلحال ٱلبئيسة وٱلمُزرية، لم يتورع ٱلجيش ٱلصهيوني عن أن يجتاح "قطاع غزة" ويَعيث فيه دمارا وفسادا طوال ثلاثة وعشرين يوما، كما فعل من قبل في مواقع كثيرة صارت مآسي مشهودة ومراثي مذكورة في ٱلتاريخ ٱلمعاصر (دير ياسين، جنين، قانا، إلخ.).
إننا نعلم أن بني إسرائيل ما ٱنفكوا، بما كسبت أيديهم وبما مُدَّ إليهم من حبال من أوروبا وأمريكا، يسومون ٱلعرب وٱلمسلمين بفلسطين وما حولها سوء ٱلعذاب منذ قرن تقريبا. ولقد تمكنوا في ٱلأرض إلى ٱلحد ٱلذي جعلهم يَعْلُون فيها "عُلوا كبيرا" كما وعد (وتوعد) ٱلله في قرآنه (ٱلإسراء: 4-7)، وكما يشهد ٱلتاريخ ٱلمعاصر، ولا سيما ما أوقعوه بلبنان في صيف 2006 وفي غزة من قريب.
تُرى، كيف يمكن (بل يجب) أن نفهم جرائر (وجرائم) "ٱلإنسان" ٱلإسرائيلي-ٱلصهيوني تجاه "ٱلإنسان" ٱلعربي-ٱلمسلم؟ في أي سياق ينبغي وضع هذه ٱلمواجهة؟ وبأي خلفية ذهنية وعقدية يمكن أن تُدرَكـ وتُفهَم؟
يحسن، ٱبتداء، تأكيد أن فلسطين وما حولها تُعَدّ -مذ كانت- أرض رباط للأنبياء وٱلرسل وتابعيهم. وصلة "ٱلرباط" بـ"ٱلجهاد" أوثق ما تكون، فهو رباط للمجاهدة ٱلروحية ورباط للمجاهدة ٱلقتالية. ولقد صار من ٱلمعلوم للناس أن أراضي ٱلمسلمين تكاد تكون وحدها ٱلأراضي ٱلمستباحة من طرف ٱلقُوى ٱلمهيمنة في ٱلعالم ٱليوم (فلسطين، أفغانستان، ٱلعراق، ٱلصومال، لبنان، ٱلسودان، إلخ.). لكنها تُعد، في ٱلوقت نفسه، أراضي حُبلى وولودا دائما، ليس فقط بالمنافع وٱلخيرات، بل أيضا بالمجاهدين وٱلمقاومين، حماة ٱلذمم وصانعي ٱلقيم.
ولقد بات مؤكدًا أنه لا شيء يقف بالمرصاد لمخططات وأطماع ٱلمستكبرين عبر ٱلتاريخ، وخصوصا ٱلآن، أكثر وأحسن من حركات ٱلجهاد وٱلمقاومة في بلاد ٱلمسلمين. ولهذا تكالبت زُمَر ٱلمُبطلين وٱلمفسدين لتشويه وتزييف عمل تلكـ ٱلحركات، وذالكـ بواسطة خطط صارت تُسمى -من دون أي تردد- "محاربة ٱلجهاديين"، بعد أن كانت تُسمى محاربة "ٱلإرهاب وٱلإرهابيين". وإنه لَمِمَّا تُلح ٱلحاجة إلى إبرازه وإدراكه أن ثمة فلسفة كاملة تقف وراء هذه ٱلمحاربة ٱللتي تعمل أساسا على نقض قيم ومبادئ ٱلإسلام من حيث إنها قيم ومبادئ تقوم على ٱلجهاد وتُربي روح ٱلمقاومة بين ٱلمسلمين.
من أجل ذالكـ، كان لا بد من تَبَيُّن "فلسفة ٱلنقض" تلكـ من حيث أسسُها وآلياتُها وأغراضُها على نحو يُمكِّن، بالمقابل، من إقامة "فلسفة للجهاد" بما هي "مُغالبة عملية في ٱلجهد ٱلعمراني" تتجسد كـ"مقاومة" و"قيام" لمناهضة أعمال ٱلظلم وٱلباطل وٱلفساد، وتؤدي إلى ظهور (بالمعنى ٱلمزدوج: كـ"بُروز" وكـ"غَلَبة") لـ"إنسان ٱلمقاومة" ٱللذي هو إنسان "قائم" و"قَوَّام"، وإنسان "مجاهد" و"مُجتهد".
إن فعل "ٱلنقض" (déconstruction) ليس -كما توهم ولا يزال كثيرون بيننا من ٱلمُنْبَتِّين- مجرد تأمل وخطاب يَنْصَبُّ بالنقد على "ٱلفلسفة ٱلغربية"، في أعقاب كل من هيدغر ودريدا ومن تابعهما، للكشف عن أسسها ٱلغيبية وتجاوز مناقصها ٱلمنهجية، وإنما هو نُزوع كلي وأساسي إلى ٱجتثاث تراث إنساني بأسره هو ٱلتراث ٱللذي يقوم على بُنيان كامل من ٱلقيم وٱلمبادئ ٱللتي ترتبط بالمسعى ٱلبنائي وٱلعمراني للإنسان في ٱلأرض، ذالكـ ٱلتراث ٱللذي يمثل "إرث ٱلنبوة" كما جسده موكب ٱلأنبياء وٱلرسل، خصوصا من أولي ٱلعزم (إبراهيم، موسى، محمد) ٱللذين جاهدوا في ٱلله حق جهاده ؛ وما منهم إلا من كان حياته بكاملها "قائما" و"قَوَّاما"، قيامه بأمر الله ٱللذي يقتضي ٱلقيام على ٱلحق و، من ثم، ٱلقيام للظلم وٱلباطل وٱلفساد.
يأتي "ٱلنَّقْض"، في ٱلاستعمال ٱلعربي، بمعنى "ٱنْتِثَار ٱلعَقْد من ٱلبناء وٱلحبل وٱلعِقْد وٱلعَهد"، وهو ضد "ٱلإبرام"، ومثله "ٱلنَّكْث". ويبدو أن ٱلاستعمال ٱنتقل من "نقض ٱلبناء وٱلحبل وٱلعقد" إلى "نقض ٱلشَّعْر أو ٱلغزْل"، ثم إلى "نقض ٱلعهد" و"نقض ٱلحُكْم" و"نقض ٱلوضوء". وبما أن "ٱلنقض" فَكّـ وحَلّ، فإنه ذو معنى سَلْبي يتجلى في أكثر من آية في ٱلقرآن وأيضا في ٱلحديث ٱلنبوي. ففي ٱلقرآن نجد ٱلأمر ٱلإلاهي للمؤمنين بأن يُوفوا بمعاهداتهم ٱللتي هي بمثابة عهد مع ٱلله، فعدم ٱلوفاء بالعهد مثله كمثل نقض ٱليمين، إنه نقض لميثاق ٱلله ٱلمتمثل في أمره بالقيام بالعدل وٱلإحسان وٱجتناب ٱلفحشاء وٱلمنكر وٱلبغي. ونقض ٱلعهد هذا يَؤول إلى ٱلتعرض للعنة ٱلله وٱلخروج من رحمته، كما يؤدي إلى حُبوط ٱلعمل على شاكلة ٱللتي كانت تنكُث غزلها وفق ٱلحكاية ٱلمعروفة سواء أتعلق ٱلأمر بـ"بِينلُوﭖ" عند ٱلإغريق أم بغيثة بنت سعد ٱلتيمية ("إن ٱلله يأمر بالعدل وٱلإحسان وإيتاء ذي ٱلقربى وينهى عن ٱلفحشاء وٱلمنكر وٱلبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. وأوفوا بعهد ٱلله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا ٱلأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم ٱلله عليكم كفيلا. إن ٱلله يعلم ما تفعلون. ولا تكونوا كالتي نَقَضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثا…"، ٱلنحل: 91-92). و"نقض ٱلعهد"، بما هو خروج عن ميثاق الله، يرتبط بالظلم وٱلباطل وٱلفساد ويُمثّل إحدى أهم شيَم ٱلكفار وٱلظالمين وٱلفاسقين ("ٱلذين ينقضون عهد ٱلله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصل ويُفسدون في ٱلأرض. أولائكـ هم ٱلخاسرون"، ٱلبقرة:27 ؛ "ٱلذين عاهدت منهم، ثم ينقضون عهدهم في كل مرة"، ٱلأنفال: 56)، في حين أن "ٱلوفاء بالعهد" توكيد للميثاق يُميز ٱلمؤمنين عمن سواهم بما هم "أولو ٱلألباب" ("أفمن يعلم أن ما أنزل إليكـ من ربكـ ٱلحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولو ٱلألباب. ٱلذين يُوفون بعهد ٱلله ولا ينقضون ٱلميثاق"، ٱلرعد:20) ؛ بل إن هناكـ نموذجا بشريا بلغ ٱلغاية في نقض ٱلميثاق وعدم ٱلوفاء بالعهد كفرا بالله وآياته، إنهم ٱليهود من بني إسرائيل ٱللذين كفروا بالله ونقضوا ميثاقهم معه وبالغوا في كفرهم وعدوانهم حتى قتلوا ٱلأنبياء بغير حق، فاستوجبوا لعنة من الله وغضبا فصارت قلوبهم قاسية ("فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم ٱلأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غُلف، بل طبع ٱلله على قلوبهم بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا"، ٱلنساء: 155 ؛ "فبما نقضهم ميثاقهم لَعَنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية"، ٱلمائدة: 13). فلا غرو، إذًا، أن يكون ٱليهود قديما وحديثا زعماء "ٱلنقض" على كل ٱلمستويات، ذاهبين إلى أقصى حدّ فيه ومُتبعين لسنة أحبارهم وحكمائهم في نقض عُرى ميثاق ٱلله ٱلأعظم كما بينته وصايا ٱلتوراة. ومن هنا، فإن ٱلتقليد ٱليهودي (ٱلتراث ٱلتلمودي) يُعدّ بحق أكبر عمل بشري في ممارسة "ٱلنقض" على كل ما هو إلاهي ونبوي.  
وأما في ٱلحديث ٱلنبوي، فيكفي ٱلأثر ٱلمشهور: «ليُنقَضنّ عُرى ٱلإسلام عروةً عروةً. فكلما ٱنتقضت عروة تشبث ٱلناس باللتي تليها. وأولهن نقضا ٱلحكم وآخرهن ٱلصلاة» (أحمد بن حنبل، 5/251)، حيث يبدو أن عمل "ٱلنقض" آتٍ لا محالة على عُرى ٱلإسلام نفسها ٱلواحدة تلو ٱلأخرى، وأنه يبدأ بالحكم وينتهي بالصلاة.  
وهكذا، فإن "ٱلنقض" إفساد للعمل بالوقوع في ٱلظلم أو باتباع ٱلباطل، بحيث لا يكون ٱلظالم أو ٱلمُبطِل إلا ناقضا لميثاقه مع ربه ولعهده مع ٱلناس، على نحو يجعله –بالضرورة- حَابط ٱلعمل ملعونا وقاسي ٱلقلب، أي نازلا ٱلدركـ ٱلأسفل في ٱلإنسانية. فـ"النقض" إبطال للعهد وٱلميثاق، إبطال يستلزم بطلان ٱلعمل و، بالتالي، بطلان ٱلإنسانية. ومن هنا، فإن "ظالِمية" ٱلإنسان تتمثل في مَيله إلى "ٱلنقض" وإصراره عليه، وذالكـ من خلال ٱنصرافه عن ٱلحق وٱتباعه للباطل وفعله، من ثم، للظلم وٱلفساد ؛ ٱلأمر ٱللذي يجعل "ٱلناقض" يتحدد أساسا كـ"ظالم" و"مبطل" و"مفسد".
من أجل ذلكـ، فإن "مقام ٱلنقض" يواجهه "مقام ٱلجهاد"، و"سلوكـ ٱلظالم" (ٱلقاعد عن ٱلأمر، ٱلمنصرف إلى ٱلباطل وٱلآخذ في ٱلظلم وٱلفساد) يُقابله "سلوكـ ٱلقائم" (ٱلمجاهد في ٱلقيام بالأمر على ٱلحق وفي ٱلقيام بالقسط). ومن هنا، فلا إنسانية لبشر إلا بالقدر ٱللذي تكون له "قَائِمية جهادية" ترفعه من دركات "ٱلظالِمية" ٱلقاعدة به عن ٱلقيام وٱلمتخلفة به عن ركب ٱلقائمين وٱلمجاهدين ٱللذين كانوا ولا يزالون يبذلون نفوسهم وأموالهم في ٱلقيام بأمر ٱلله، مقاومةً لأصناف وأصنام ٱلظلم وٱلباطل وٱلفساد، على ٱمتداد ٱلتاريخ ٱلإنساني بهذا ٱلعالم. وكون "ٱلإنسانية" تقوم على "ٱلفاعلية ٱلقيامية وٱلجهادية" للبشر هو ٱللذي يقتضي تأسيس فلسفة للمقاومة وٱلجهاد تنهض بتبيان وترسيخ ٱلروح ٱلبنائية وٱلقوة ٱلإبداعية ٱلمرتبطة بالعمل ٱلتجديدي في ٱلإسلام بما هو رسالة إلاهية إلى ٱلعالمين تمثل كمال ٱلدين وخاتَمية ٱلنبوة. (وتُعد، بهذا ٱلصدد، أعمال كل من عبد ٱلسلام ياسين وطه عبد ٱلرحمان رائدة ومُؤسِسة إلى حد بعيد، وبشكل لا يسع ٱلمقام ٱلآن لتفصيل ٱلقول فيه).  
ولقد مضى موكب ٱلقائمين من رجال هذه ٱلأمة ٱلواحد تلو ٱلآخر، إذ برز ٱلقائمون من أهل ٱلبيت (ٱلسبطين ٱلحسن وٱلحسين ٱبني علي بن أبي طالب وحفيدي رسول ٱلله، ٱلإمام علي زين ٱلعابدين، ٱلإمام محمد بن علي ٱلباقر، ٱلإمام جعفر ٱلصادق، ٱلإمام زيد بن علي، ٱلإمام محمد ٱلنفس ٱلزكية)، فكانوا سادة ٱلقيام ضد ٱلظلم وٱلفساد وٱلمثل ٱلأعلى في ٱلجهاد في سبيل ٱلحق. ثم تبعهم من ٱلأئمة وٱلعلماء كثيرون على ٱمتداد تاريخ ٱلأمة ٱلإسلامية. وكان في ٱلعصر ٱلحديث رجال قاموا وجاهدوا لمناهضة ٱلظلم وإقامة ٱلعدل (ٱلأمير عبد ٱلقادر ٱلجزائري، ٱلمهدي ٱلسوداني، عمر ٱلمختار، محمد بن عبد ٱلكريم ٱلخطابي، عز ٱلدين ٱلقسام، ٱلشيخ أحمد ياسين، ٱلإمام ٱلخميني، وغيرهم كثير).
وهكذا، فحينما قامت ٱلانتفاضة في فلسطين وٱنتهضت ٱلمقاومة بالأراضي ٱلمحتلة وجنوب لبنان لم تكن بِدْعا من ٱلأمر قياسا إلى ما سلف في تاريخ هذه ٱلأمة، ولن يكون عبثا بعدُ أن يُرفع لواء ٱلمقاومة وٱلجهاد في بلاد ٱلمسلمين، ليس فقط كما ٱعتيد ٱلنظر إلى ٱلأمر بصفته فعلا مشروعا بهذا ٱلقدر أو ذاكـ، وطبيعيا على هذا ٱلنحو أو ذاكـ، وإنما لأن فعل ٱلمقاومة وٱلقيام ضد ٱلظلم وٱلباطل وٱلفساد هو ٱللذي يُقوّم إنسانية ٱلكائن ٱلبشري وهو قِوام هِمة ٱلإنسان. فلا معنى لوجود ٱلإنسان إلا إذا كان قائما ومجاهدا، ولا حياة لامرئ لا يسعى لحفظ قائميته كفاعل ينتهض وينتفض وقوفا ضد كل ظالم أو مبطل أو مفسد. وهذا ٱلمعنى ٱللذي يصنع قيمة ٱلوجود ٱلبشري هو ٱلغرض ٱللذي ينصب عليه عمل "ٱلنقض" بما هو سعي لهدم "ٱلميثاق ٱلإنساني" ولإفساد روح ٱلقيام وٱلجهاد ٱللتي تجعل "ٱلفاعلية ٱلإنسانية" مغالبةً في ٱلجهد ٱلعمراني تقويما وتقريبا بالمعروف. وأن يكون عمل "ٱلنقض" بتلكـ ٱلروح ٱللاإنسانية (وبالأحرى ٱلشيطانية)، فهو ما يجعل أصحابه (من ٱلظالمين وٱلمبطلين وٱلمفسدين) صفّا من ٱلقاعدين وٱلمتخلفين يقف عقبة كأداء في مسيرة ٱلتاريخ ٱلبشري نحو ٱستكمال "ٱلقائمية" ٱللتي هي مَناط "ٱلإنسانية" كروح بنائية وإبداعية (أي كفاعلية إحسانية تطلب ٱلحسن في كل شيء ولا تبتغي إلا ٱلحسنى دنيا وآخرة).
إن "فلسفة ٱلجهاد" عمل على إظهار "روح ٱلقائمية" ٱللتي هي وحدها ٱلسبيل إلى "كمال ٱلإنسانية". وكون ٱلإسلام يجعل ذروة سنامه في ٱلجهاد ويطلب من ٱلمؤمنين أن يكونوا قَوّامين للحق شهداء بالقسط، فهذا ما يجعل روح ٱلإسلام تلكـ ٱلقوة ٱللتي من شأنها أبدًا أن تُجدد "ٱلإنسانية" فترفعها من حضيض ٱلقعود وٱلخمود (كما يجسده مثال ٱلطاعم ٱلكاسي في عصر ٱلتلهية ٱلشاملة) إلى سماء ٱلقيام وٱلجهاد كأفق نحو ٱلعزة وٱلكرامة (كما يحققه سيد ٱلشهداء ٱللذي لا يتوانى في ٱلقيام للجائر أمرًا بالحق وأطرًا عليه من دون رهبة للبطش أو ٱلقتل). ولهذا، فطوبى للقائمين وٱلمجاهدين من ٱلمستضعفين في ٱلأرض ٱللذين كانوا ولا يزالون يسترخصون نفوسهم وأموالهم في سبيل ٱلحق وٱلقسط، وتَبّا للقاعدين وٱلمُثبطين من ٱلمستكبرين ظلما وعُلوًا، ٱللذين لا يحرصون على شيء بقدر ما يحرصون أن تكون لهم حياة، حتى لو كانت على هوان ومن وهن!
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر