مجزوءة الوضع البشري
كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 2 أغسطس 2009 الساعة: 01:53 ص
مجزوءة I: ﭐلوضع ﭐلبشري
1- ﭐلشخص
2- ﭐلغيـر
3- ﭐلتاريخ
* تقديم ﭐلمجزوءة ﭐلْأولى
يَتَحَدَّدُ "ﭐلعالمُ" بصفته مجموع ﭐلكائنات ﭐلموجودة وﭐلمتحققة. ويُعَدُّ "ﭐلْإنسان" من بين تلكـ ﭐلكائنات ﭐلموجودة في هذا "ﭐلعالم" ﭐلذي يخضع في سيره لعدد من ﭐلشروط وﭐلْأسباب وﭐلظروف. ووجود ﭐلْإنسان في ﭐلعالم بِمُحدِّداته هاته يجعله واقعا ضمن تلكـ ﭐلشروط ﭐلمُحدِّدة نفسها. وهذا ما يقود إلى ﭐلحديث عن "ﭐلوضع ﭐلبشري" (Human condition, la condition humaine). ذلكـ بأن حياة ﭐلْإنسان في هذا ﭐلعالم تتم بكيفيةٍ (حالة أو هيئة) مُعيَّنةٍ بفعل ﭐلشروط ﭐلمُحدِّدة لوجوده. ومن هنا فإن تناول "ﭐلوضع ﭐلبشري" يعني تناول مجموع ﭐلشروط ﭐلتي تُحدِّد ﭐلوجود ﭐلبشري في هذا ﭐلعالم، وهي شروط تتخذ أشكالًا متعددة (بيولوجية-طبيعية، ﭐجتماعية، ﭐقتصادية، سياسية، ثقافية، تاريخية). فالْإنسان، بما هو جسدٌ أو عضوية حية، له عدد من ﭐلحاجات ﭐلطبيعية ﭐلْأساسية ﭐلتي لَا يمكن ﭐستمراره في ﭐلوجود إلَّا بتلبيتها وإشباعها. ونجد أن كون ﭐلْإنسان مُحدَّدًا بشروط ضرورية على هذا ﭐلنحو هو ﭐلذي يقوده إلى إقامة علَاقات مع نفسه ومع ﭐلعالم من حوله، ويجعله من ثم يكتشف أهم ﭐلْأبعاد ﭐلتي تُكوِّن وجوده بصفته وجودا خاصا ومتميزا. فالْإنسان كائن يُدرِكـ أنه موجود في عالم ويدركـ، في ﭐلْآن نفسه، أنه موجود إلى جانب كائنات أخرى وأنه نتاجُ مَسَارٍ طويل ومعقد يرتبط به، على هذا ﭐلنحو أو ذاكـ، كونه ذاتا فاعلة ضمن شروط هذا ﭐلعالم. وهكذا فإن "ﭐلوضع ﭐلبشري" يتحدد باعتباره مجموع ﭐلشروط ﭐلذاتية وﭐلموضوعية ﭐلتي تَحْكُم وجود ﭐلْإنسان في هذا ﭐلعالم بكل مستوياته. وﭐلنظر في "ﭐلوضع ﭐلبشري" على هذا ﭐلنحو يكشف عن كونه يتسم بالتعقد وﭐلصعوبة. وضمن هذا ﭐلوضع تتحدد إمكانات ﭐلفعل ﭐلْإنساني بما هو فعل خاضع لمجموع ﭐلشروط ﭐلمُحَدِّدَة لوجود ﭐلْإنسان في ذاته بما هو وجودٌ متميزٌ (ﭐلْإنسان كـ"شخص") وبما هو وجودٌ مشتركـ ومتداخل مع غيره (ﭐلْإنسان كـ"غير") وبما هو وجودٌ مُتَحَوِّل ومتقلب عبر ﭐلظروف ﭐلزمانية وﭐلمكانية (ﭐلْإنسان كـ"تاريخ").
* ﭐلمفهوم ﭐلْأول: ﭐلشخص
* تقديـم
يطرح تناول "ﭐلوضع ﭐلبشري" مسألة ﭐلوجود ﭐلْإنساني في هذا ﭐلعالم من جهة ما يُميزه ككائن عن غيره ضمن مجموع ﭐلشروط ﭐلتي تُحدِّده. فـ"ﭐلْإنسان" يوجد في هذا ﭐلعالم ضمن "مجموع ﭐلكائنات" (من أشياء وحيوانات وآلَات). ولهذا فإن مفهوم "ﭐلشخص" يتعلق بتحديد أهم ﭐلصفات وﭐلسمات ﭐلتي تُحدِّد "وجود ﭐلْإنسان" وتجعله وجودًا متميزا في آن واحد عن ﭐلْأشياء وﭐلحيوانات وﭐلْآلَات، أي وجودا له "هوية" تسمح لنا بإعطاء ﭐلْإنسان "قيمة" معينة بما هو ذات فاعلة وإرادة حرة تتحمل ﭐلمسؤولية أخلَاقيا وقانونيا عما تأتيه من أعمال من خلَال خضوعها لمجموع ﭐلشروط ﭐلتي تحكم طبيعتها ﭐلخاصة وﭐلتي يخضع لها وجود ﭐلْإنسان في إطار وسط طبيعي وﭐجتماعي مُحَدَّدٍ ومُحَدِّد.
* ﭐلوضعية-ﭐلمشكلة
يشمل هذا ﭐلعالم، كما نشتركـ في إدراكه، مجموع ﭐلكائنات ﭐلتي تنقسم إلى كائنات جامدة وسَلْبية (أشياء) وإلى كائنات حية، متحركة ومُدْرِكة (حيوانات) وإلى كائنات مصنوعة ذات قدرة "نسبية" على ﭐلحركة وﭐلْإدراكـ (آلَات). ويُعَدُّ ﭐلْإنسان، بما هو موجود متحقق، من بين "أشياء" هذا ﭐلعالم. لكنه يتميز بأنه ليس مجرد "شيء"، فهو موجود (من حيث كونه جسدا أو عضوية حية) بصفته كائنا حَيًّا يملكـ قدرة "ذاتية" على ﭐلحركة وﭐلْإحساس، أي أنه يندرج ضمن "ﭐلنوع ﭐلحيواني". ومن هنا يُطرح إشكال ﭐلكيفية ﭐلتي يتحدد بها "وجود ﭐلْإنسان" بالنسبة إلى "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات" ﭐلتي تُشارِكه ﭐلوجود ضمن هذا ﭐلعالم. فما أهم ﭐلخصائص ﭐلتي تُحدِّد ﭐلْإنسان في وجوده وتجعله "شخصا" متميزا في آن واحد عن "ﭐلشيء" و"ﭐلحيوان" و"ﭐلْآلة"؟ ما هو ﭐلْأساس ﭐلذي تقوم عليه "هوية ﭐلشخص"؟ هل يملكـ ﭐلْإنسان مميزاتٍ أساسية وجوهرية تُخَوِّلُه أن يتحدد كـ"شخص" له "هوية" تُمَكِّنُه من أن يتفرد بين كائنات ﭐلعالم؟ ما ﭐلذي يسمح لنا بتحديد "قيمة" لِلْإنسان تجعله "شخصا" يَفْضُل كل ﭐلكائنات ويتمتع بحقوق وواجبات؟ وإلى أي حدٍّ يتفرد ﭐلْإنسان بـ"قيمة ﭐلشخص" كذات لها ﭐلقدرة على ﭐلفعل ﭐلواعي وﭐلحر؟ هل يملكـ "ﭐلْإنسان" من ﭐلوعي وﭐلقدرة ما يجعله يتحدد كـ"شخص" حر ومسؤول؟
1- هوية ﭐلشخص (ﭐلهوية ﭐلشخصية)
* تحديد ﭐلْإطار ﭐلْإشكالي: كيف يمكن تحديد "ﭐلوجود ﭐلْإنساني" في هذا ﭐلعالم كوجود يتصف بشكل أساسي وجوهري بمجموعة من ﭐلسمات ﭐلتي تميزه عن "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات"؟ ما هو ﭐلْأساس ﭐلذي تنبني عليه "هوية" ﭐلْإنسان كـ"شخص"؟ هل تتحدد "ﭐلهوية" بما هي مجموعة من ﭐلخصائص ﭐلْأساسية وﭐلجوهرية ﭐلمُقَوِّمة لوجود ﭐلْإنسان في ذاته؟ وهل "هوية ﭐلشخص" مُعطًى أولي وثابت مشتركـ بين كل أفراد ﭐلنوع ﭐلْإنساني أم أنها بناءٌ متفاوتٌ تتحكم فيه شروط ﭐلوجود ﭐلْإنساني في تعددها وتغيرها؟
* مفاصل ﭐلمعالجة:
عمومًا تتحدد "ﭐلهويةُ" (Identitity, l’identité) بأنها "مجموع ﭐلصفات ﭐلتي تُقَوِّمُ ذات ﭐلشيء بشكل أساسي"، أي مجموع ﭐلخصائص ﭐلتي تجعل ﭐلشيء "هو نفسه"، أي "مُمَاثِلًا لنفسه" (identique, soi-même) وقائما بذاته بما هو "ماهية" (une essence) أو "جوهر" (une substance). وﭐلنظر إلى ﭐلْإنسان كـ"شخص" يجعله كائنا يتحدد في هويته بجملة من ﭐلمميزات ﭐلْأساسية وﭐلجوهرية ﭐلتي تَفْصِلُه في آن واحد عن "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات" و"ﭐلْآلَات".
إن "ﭐلحس ﭐلمشتركـ" يميل إلى تحديد "ﭐلْإنسان" ككائن يتحقق وجوده في هذا ﭐلعالم بما هو "جسم حي" (أي بصفته جسدا أو بدنا). فـ"وجود ﭐلْإنسان" يتحدد كـ"شيء" (chose) متحقق في هذا ﭐلعالم، لكنه يتجاوز مستوى "ﭐلشيئية" بما هو "جسد" له ﭐلقدرة على "ﭐلحركة" و"ﭐلْإحساس". وهذا ما قد يُوهِمُنا بأن "ﭐلْإنسان" ليس سوى "حيوان" ككل ﭐلكائنات ﭐلحية، بل قد لَا يكون -بما هو عضوية حية تقوم بوظائف- سوى "آلة طبيعية". غير أن "ﭐلْإنسان" يتميز، على ﭐلرغم من كل ما يشتركـ فيه مع ﭐلحيوانات وﭐلْآلَات، بكونه "ذاتا فاعلة" على أساس نوعٍ من "ﭐلوعي ﭐلمُميِّز" و"ﭐلْإرادة ﭐلحرة"، أي أن "ﭐلْإنسان" ليس مجرد "جسم حي" ("جسد" أو "بدن")، بل إنه أيضا وبالْأساس "نفسٌ واعية لها إرادة حرة". وهذه هي ﭐلثنائية ﭐلمعروفة في كل ﭐلثقافات وﭐلمجتمعات منذ أقدم عصور ﭐلتاريخ ﭐلْإنساني. فهل تقوم "هوية" ﭐلْإنسان (بما هو "شخص") على كونه "جسدا" أم بصفته "نفسا"؟ وهل كون ﭐلْإنسان ذاتا فاعلة بوعي وحرية هو ما يجعله "نفسا" أم أن صفات ﭐلوعي وﭐلْقصدية نتاج للجسد ﭐلْإنساني في أرقى وظائفه كما تتجلى في ﭐلدماغ ﭐلبشري ﭐلذي يميز "ﭐلْإنسان" عن "ﭐلحيوان" و"ﭐلْآلة"؟
نجد أن تصور ﭐلوجود ﭐلْإنساني في ﭐلفلسفة ﭐلقديمة، وخصوصا ﭐليونانية، يدور حول مفهوم "ﭐلنفس" (Psukhê, l’âme). فسقراط من خِلَال قوله ﭐلمشهور "اِعرف نفسكـ بنفسكـ" يؤكد أهمية "ﭐلنفس"، ليس فقط كموضوع للمعرفة، بل أيضا بصفتها أهمَّ ما يُقَوِّمُ وجود ﭐلْإنسان كذاتٍ فاعلة لها ﭐلقدرة على ﭐلمعرفة. فـ"ﭐلْإنسان" يتحدد أساسا بما هو "نفس"، لِأن "ﭐلنفس" حقيقة خالدة، في حين أن "ﭐلجسد" (soma) عَرَضٌ فَانٍ وزائل. وهذا هو نفسه موقف أفلَاطون ﭐلذي أكد كذلكـ أن "ﭐلنفس" لها صلةٌ وُثْقَى بـ"عالم ﭐلمُثُل" ﭐلذي هو "عالم ﭐلحقيقة"، مما يجعل ﭐلوجود ﭐلحقيقي للْإنسان مرتبطا بنفسه ﭐلخالدة ونزوعها نحو ﭐلعالم ﭐلعلوي ﭐلذي يسمو على ﭐلعالم ﭐلسفلي (ﭐلحسي-ﭐلمادي، ﭐلمتغير، ﭐلناقص وﭐلمتناقض). أما أرسطو، فيذهب إلى أن جوهر ﭐلْإنسان يتمثل في كونه "حيوانا ناطقا/عاقلًا"، أي بما هو "بدن" (جسم حي) و"نفس" (مبدأ مُدْرِكـ وعاقل)، حيث إن "ﭐلنفس" هي "كمال ﭐلجسم ﭐلحي"، وهي أساس ﭐلجانب ﭐلعاقل فيه.
ولكن يمكننا أن نُلَاحظ أن تصور "ﭐلْإنسان" في ﭐلفلسفة ﭐلقديمة كان قائما على ﭐلثنائية ﭐلمعروفة "بدن/نفس"، وأنه كان -خصوصا في ﭐلفلسفة ﭐليونانية- يُفاضِل بين "ﭐلبدن" و"ﭐلنفس" لصالح هذه ﭐلْأخيرة، وذلكـ على ﭐلرغم من كون موقف أرسطو يُعِيد ﭐلِاعتبار للجانب ﭐلحسي في ﭐلْإنسان (ﭐلبدن)، إذ لَا تُمثِّل "ﭐلنفس" لديه سوى "كمال" أو "غاية" ﭐلجسم ﭐلعضوي ﭐلحي. وعموما يمكن ﭐلقول بأن ﭐلفكر ﭐلقديم لم يَبْلُغْ مفهوم "ﭐلشخص" (بما هو مفهوم كلي ينطبق على كل إنسان)، حيث إن "ﭐلْإنسان" وفق ﭐلتصور ﭐليوناني لم يكن في ﭐلواقع سوى "ﭐلمواطن ﭐليوناني ﭐلحر" في مقابل "ﭐلْأجنبي" (ﭐلبربري) ﭐلذي يمكن ﭐتخاذه عبدًا ؛ وﭐلحال أن ﭐلعبد كان مجرد "شيء" أو "آلة" سخرتها ﭐلطبيعة لخدمة ﭐلسادة وﭐلعمل على تلبية رغباتهم وحاجاتهم. ومن هنا، فإن مفهوم "ﭐلشخص" لم يتبلور، على ﭐلحقيقة، إلا في ﭐلفلسفة ﭐلرواقية ﭐلرومانية (ﭐلْإنسان كذات تلعب دورا محددا، ولها حقوق وعليها وواجبات) وبالْأخص في ﭐلفلسفة ﭐلوسيطية، سواء أكانت مسيحيةً (ﭐلْإنسان كشخص خُلِق على صورة ﭐللـه) أم إسلَامية (ﭐلْإنسان مخلوقٌ إلَاهي مُفَضَّل على أكثر ﭐلعالمين ومُكَلَّفٌ بتحمل ﭐلْأمانة في ﭐلعالم).
وفي إطار ﭐلفلسفة ﭐلحديثة، نجد أن ديكارت (1596-1650) يرى، من خلَال تجربة "ﭐلكوجيطو" ("ﭐلْأنا ﭐلمفكر") أن حقيقة ﭐلْإنسان تتمثل في كونه "شيئا مفكرًا"، أي "ذاتا مفكرة"، حيث إن "ﭐلفكر" هو ﭐلذي يُحدِّد -بشكل جوهري وأساسي- ذات ﭐلْإنسان. و"ﭐلفكر"، كخاصية جوهرية للذات، هو مجموعة من ﭐلصفات ﭐلتي تشمل كلًّا من "ﭐلشكـ" و"ﭐلفهم" و"ﭐلْإثبات" و"ﭐلنفي" و"ﭐلْإرادة" و"ﭐلتخيل" و"ﭐلْإحساس" أيضا. إنها ﭐلخصائص ﭐلتي تُلَازِم طبيعة "ﭐلذات" وتُحدِّد ماهيتها و، بالتالي، تُميزها عن غيرها. وبفضل خاصية "ﭐلفكر" تُعَدُّ "ﭐلذات" واعيةً، أي أنها تُدرِكـ نفسها ككيان متميز وكمصدر للفعل تجاه ﭐلعالم (مجال "ﭐلطبيعة" بما هو مجال يضم "ﭐلْأشياء" و"ﭐلحيوانات"). وهكذا، فإن ديكارت يؤكد أهمية "ﭐلْأنا" (كمعطى أولي وكلي) في تحديد "هوية ﭐلشخص"، وذلكـ بما هي قدرة على ﭐلتفكير بشكل حر ومستقل. ولهذا فإن تصور ديكارت يمثل لحظة أساسية في ﭐلفلسفة ﭐلحديثة في تأكيدها لمفهوم "الذات" كمنطلق لبناء معرفة حقيقية حول ﭐلعالم، معرفة تُمَثِّل ﭐلوسيلة ﭐلتي من شأنها أن تُمَكِّن ﭐلْإنسان من ﭐلسيطرة على عالم ﭐلطبيعة وتَمَلُّكه باعتباره مجرد "موضوع" لتدخل "ﭐلذات".
لكن ﭐلتصور ﭐلديكارتي لـ"ﭐلشخص" يبقى، من خلَال تأكيده لِأهمية "ﭐلذات المفكرة"، منغلقا ضمن ﭐلبعد ﭐلميتافيزيقي للوجود ﭐلْإنساني، حيث إنه لَا يستحضر ﭐلْأبعاد ﭐلْأخرى من هذا ﭐلوجود، خصوصا تلكـ ﭐلتي تتعلق بالشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية ﭐلمُحدِّدة له. وفضلًا عن هذا، فإن هناكـ مشكلة ﭐلثنائية ("بدن/نفس")، إذ أن ﭐعتبار ﭐلوجود ﭐلْإنساني مزدوجًا (ﭐلنفس كجوهر مفكر، وﭐلبدن كجوهر ممتد) يطرح (إلى جانب مشكلة مدى إمكان معرفة "ﭐلنفس" بواسطة ﭐلعلم تماما مثل "ﭐلبدن/ﭐلجسم" كموضوع للفيزياء أو ﭐلطب وﭐلتشريح) مسألة ﭐلعلَاقة ﭐلممكنة بينهما. فأيهما يُحَدِّدُ ﭐلْآخر؟ وكيف يمكن تحقيق ﭐلتوافق بينهما كجوهرين متعارضين؟ وغيرها من ﭐلْإشكالَات ﭐلتي سيشتغل طويلًا بها ﭐلعلماء وﭐلفلَاسفة بعد ديكارت.
وعيًا بما يطرحه ﭐلتصور ﭐلديكارتي من مشكلَات، أتى تصور جون لوكـ (1632-1704) ضمن ﭐلنزعة ﭐلتَّجْرِبِيَّة (ﭐلتَّجْرِبَانِيَّة) ﭐلتي تؤكد أهمية ﭐلتجربة ﭐلحسية في ﭐلمعرفة. فهو يرى أن ﭐلْإنسان لَا يمتلكـ بالفطرة أي معرفة أو أفكار قَبْلِيَّة، لَا عن نفسه ولَا عن ﭐلعالم من حوله، وإنما يُعتبر ذهنه مثل ﭐلصفحة ﭐلبيضاء ﭐلتي تتلقى كل نقوشها وسطورها من ﭐلتجربة ﭐلحسية. ومن هنا، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" تقوم على أساس كون ﭐلْإنسان مفكرًا، وهو ﭐلْأمر ﭐلذي يجعله قادرا على "فعل ﭐلتفكير" ﭐلذي يجعله بدوره يدركـ أنه ذات فاعلة على ﭐمتداد ﭐلزمان وﭐلمكان. ذلكـ بأن كون ﭐلتفكير يتحدد كـ"فِعْلٍ" يجعله يؤدي إلى وجود إحساس بالذات ﭐلتي تقوم بذلكـ ﭐلفعل، وهو إحساس لَا يكاد ينفصل عن فعل ﭐلتفكير، حيث إنه لَا يُمْكِنُ للكائن ﭐلمفكر أن يُدركـ دون أن يعرف أنه هو نفسه ﭐلذي يدركـ. وهذه ﭐلمعرفة مُرَافِقَةٌ دومًا لِإحساساتنا وإدراكاتنا. ولهذا، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ناتجةٌ عن أفعال ﭐلتفكير وﭐلْإحساس في تكرارها وتَعَوُّدها، مما يجعل كل واحد منا يحس بنفسه كـ"أنا" ويدركـ هويته ﭐلشخصية ﭐلتي تمتد بقدر ما يمتد وعيه بأفعاله ﭐلماضية ليستحضرها ويَتَذَكَّرها.
إن أهمية تصور لوكـ تكمن في كونه يربط "ﭐلهوية ﭐلشخصية" بالفكر وﭐلْإدراكـ كفعل تجربي وحسي. فإدراكـ ﭐلذات لنفسها كفكر أو وعي تابعٌ لفعل ﭐلتفكير نفسه كتجربة حسية، وليس مجرد مُعطى فطري يسبق كل تجربة. كما أن أهمية هذا ﭐلتصور تتمثل في تمهيده لتصور ديفيد هيوم (1711-1776) ﭐلذي قام بإعادة ﭐلنظر في مفهوم "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ﭐنطلَاقا من ﭐلمنهج ﭐلتجريبي. إذ أنه يرى أن "ﭐلْأنا" في دلَالتها على ﭐلوعي بالوحدة وﭐلِاستمرار ليست موضوعا للتجربة، حيث إن ما يُجَرِّبه كل مِنَّا إنما هو دائمًا فِعْلٌ جُزْئِيٌّ مُعَيَّنٌ مُتغير باستمرار، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل من ﭐلصعب ﭐلْإمساكـ تجربيا بـ"ﭐلْأنا" في وحدتها وبساطتها. وبالتالي فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" ليست سوى وَهْمٍ أو خيالٍ قائمٍ على آليات ﭐلمشابهة وﭐلمقارنة وﭐلربط ﭐلتي تُمَكِّن ﭐلْإنسان من إدراكـ ﭐلعلَاقات بين ﭐلْأشياء وﭐلظواهر على نحوٍ يُسهمُ في بناء نوع من ﭐلذاكرة، ﭐلتي ليست في واقع ﭐلْأمر سوى ﭐنعكاس لتأثير ﭐللغة ﭐلمشتركـ، مما يُفيد أن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" إشكال لغوي محضٌ.
وعلى أساس ذلكـ ﭐلنقد ﭐلهيومي، يرى إيمانويل كنط (1724-1804) أن "ﭐلكوجيطو" في دلَالته على "ﭐلْأنا ﭐلمفكر" لَا يمكن أن يكون حقيقةً مُدْرَكَةً بعيدا عن كل تَمَثُّلٍ يَنْصَبُّ على موضوعٍ خارجِيٍّ. فالذاتُ ﭐلمفكرةُ لَا يُمكِنُها أن تُدركـ نفسها على نحو مباشر بواسطة حدس فكري/ذهني، مما يجعل فعل ﭐلمعرفة يستند حَتْمًا إلى حضور ﭐلموضوع ﭐلخارجي. لكن كنط يعود، رغم ذلكـ، ليؤكد أن هذه "ﭐلذات" تَتَعَالى على كل تجربة، بحيث إنها تتحدد في شكل مجموعة من ﭐلصُّوَر وﭐلْأُطر ﭐلقَبْلِيَّة ﭐلتي تُمَكِّن من بناء ﭐلحُدُوس ﭐلتَّجْرِبِيَّة (ﭐلمتعلقة بالْأشياء) كمواضيع للمعرفة. ومن ثم ينتهي كنط إلى ﭐلقول بأن ﭐلْإنسان يتميز عن ﭐلكائنات ﭐلطبيعية كـ"كائن عاقل" يتجلى كعقل عملي أخلَاقي هو أساس "ﭐلشخص" كغاية في ذاته، غاية قُصوى تتجاوز كل ﭐلغايات وتُعطيه نوعا من ﭐلكرامة ﭐلتي يجب ﭐحترامها على نحوٍ كُلِّيٍ، أي أن "هوية ﭐلشخص" تتمثل في كونه صاحب "إرادةٍ خَيِّرةٍ" تَقُوده إلى ﭐلْإحساس بالواجب بشكل عام وبعيدا عن كل غرض أو منفعة.
ويأتي هيغل (1770-1831) ليتجاوز ذلكـ ﭐلتصور ﭐلشكلي وﭐلمجرد عند كنط. فهو يرى أن وجود ﭐلْإنسان -من حيث هو وجود لذاته (أي وعي) يتميز عن وجود ﭐلْأشياء- إنما هو وجودٌ مُتَجَسِّدٌ على نحو عيني وواقعي. لذا فإن ﭐلوعي -بما هو وعي ﭐلذات بنفسها- ناتجٌ عن صراع ﭐجتماعي وتاريخي يتم من أجل كسب نوع من "ﭐلِاعتراف" ﭐلذي يَحْفَظُ للذات مقام ﭐلوعي بنفسها. ومن هنا، فإن ﭐلوعي صيرورةٌ تاريخية وﭐجتماعية تتجسد في جدل ﭐلسيد وﭐلعبد، أي أن ما يُشَكِّلُ "هوية" ﭐلْإنسان واقعٌ خاضعٌ للتغير وﭐلتناقض ﭐلجدليين من خلَال ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية. وبالتالي فإن "ﭐلشخص" لَا يتجلى كوعي أخلَاقي إلَّا من حيث كونه يمثل "روح ﭐلشعب" كمجموعة من ﭐلْأعراف وﭐلقوانين ﭐلتي يعرف ﭐلفرد بفضلها ﭐلخير وﭐلواجب. ويُعَدُّ تصور هيغل هذا أساسيا في تأكيده للطابع ﭐلمتجسد للوعي وللطابع ﭐلجدلي ﭐلمُمَيِّز للصراع ﭐلِاجتماعي وﭐلتاريخي كصيرورةٍ من أجل ﭐلِاعتراف. ونجد أن كل هذه ﭐلمُحَدِّدات ستفرض نفسها بأشكالٍ مختلفةٍ على ﭐلفلَاسفة وﭐلمفكرين ﭐللَّاحقين لهيغل (خصوصا شوﭙنهاور، نيتشه، ماركس، فرويد).
وفي أعقاب ذلكـ كله يأتي جول لشوليي (1832-1918)، في نهاية القرن 19، ليؤكد أن "هوية ﭐلشخص" تتأسس على "وحدة ﭐلطبع" و"ترابط ﭐلذكريات". ومن أجل بلورة هذا ﭐلتصور يعمل، أولًا، على إزاحة ﭐلتصور ﭐلشائع ﭐلذي ينظر إلى "ﭐلهوية ﭐلشخصية" كوحدةٍ وثباتٍ يُقَوِّمان على نحوٍ جوهري (أي أصلي ودائم) "ﭐلشخص" بما هو "ذات" أو "أنا". إذ توجد جملةٌ من ﭐلوقائع تُفَنِّد في نظره مثل ذلكـ ﭐلتصور. فالْإنسان في حالة ﭐلنوم يفتقد "ﭐلْأنا" (كحضور ذهني) أو له فقط "أنا" متخيل (كإدراكـ حَالِم) سرعان ما يتلَاشى حين ﭐليقظة ؛ وكذلكـ فإن ﭐلْإنسان في حالة ﭐلمرض له أنا أول وأنا آخر متناوبان داخله، وأحدهما فقط يُدرِكـ ﭐلْآخر. ولهذا، فإنه من ﭐلصعب جِدًّا في نظر لشوليي أن نُرْجِعَ حالَاتِنَا ﭐلداخلية إلى "ﭐلْأنا" أو "ﭐلذات" كوحدةٍ مستقلة، مُتَّسِقَة ودائمة. وبالتالي، فلَا شيء آخر يُثبت في ﭐلواقع ﭐلفعلي "ﭐلهوية ﭐلشخصية" غير "دوام ﭐلطبع" و"ترابط ﭐلذكريات". ذلكـ بأن كل إنسان يأتي أفعاله بطريقة مُحدَّدة وﭐعتيادية تجعل تصرفه أو سلوكه يتصف بعدد من ﭐلسمات، ثم إن إدراكاتنا أو حالَاتنا ﭐلنفسية يرتبط بعضها ببعض على نحو يجعل وعينا ﭐلتذكري يربط بين ﭐلماضي وﭐلحاضر في مسار حياتنا. وهكذا فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" في نظر لشوليي ليست معطاةً على نحو أولي وأصلي، كما كان يُعتقد سابقا، وإنما هي مجرد ﭐنعكاس -مباشر ومتواصل بهذا ﭐلقدر أو ذاكـ- لِإدراكاتنا ﭐلماضية في إدراكاتنا ﭐلحاضرة. ومن ثم، فإن تحديد "ﭐلهوية ﭐلشخصية" يقتضي ﭐلتخلي، في آن واحد، عن مفهوم "ﭐلْأنا" باعتباره أحد أوهام علم ﭐلنفس، و عن "ﭐلجوهر" كأحد أوهام ﭐلميتافيزيقا، مما يجعلها تتحدد بشكل فعلي كمجموعة من ﭐلظواهر ﭐلمتعلقة بالطبع ﭐلسلوكي وما يرتبط به من وعي تذكري.
ونُلَاحظ أن لشوليي وظف في بناء تصوره ذاكـ جملةً من ﭐلمفاهيم ﭐلتي تنتمي إلى مجال علم ﭐلنفس (ﭐلطبع، ﭐلذاكرة، ﭐلْإدراكـ، ﭐلوعي/ﭐلشعور)، مما قد يشير إلى أنه يعتمد ﭐلمنظور ﭐلنفسي في تحديده لـ"هوية ﭐلشخص". لكنه في ﭐلواقع يعتبر أن "ﭐلْأنا" ليس سوى وهم من أوهام علم ﭐلنفس، تماما مثل "ﭐلجوهر" في ﭐلفلسفة. وبناء على هذا، يستنتج أن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" لَا تتحدد لَا بـ"ﭐلعقل" ولَا بـ"ﭐلحرية" ولَا بـ"ﭐلروح"، فلَا شيء ثابت فيها يمكن أن يوصف كـ"جوهر"، وإنما يتعلق ﭐلْأمر بـ"ﭐلطبع" و"ﭐلذاكرة" كمجموعة من ﭐلسمات ﭐلتي تميز ﭐلْإدراكات وﭐلحالَات ﭐلنفسية كما تعبر عن نفسها في وقائع ﭐلسلوكـ. غير أن لشوليي لَا يعتمد على "علم ﭐلنفس" بشكل أساسي لِإيمانه بأن ﭐلفلسفة يمكنها أن تقوم كمجال معرفي مستقل. ولذا لَا يحدد ﭐلكيفية ﭐلتي يكتسب بها ﭐلشخص طبعه ﭐلسلوكي ووعيه ﭐلتذكري: فهل يتم ﭐلْأمر على نحو تلقائي أم أنه يتم ضمن ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلتاريخية وﭐلثقافية ﭐلتي ترتبط بالوسط حيث يعيش ﭐلمرء وﭐلتي يدرسها "علم ﭐلنفس" مثلًا؟ إن لشوليي ينتهي، بعد كل ذلكـ، إلى أن حقيقة ﭐلْإنسان ﭐلداخلية مزدوجة: فهناكـ مجال ﭐلوعي كإدراكات حسية، ومجال ﭐلفكر كنور ينشر هذا ﭐلوعي على ﭐلْإحساسات. ومن هنا فلَا بأس في نظره من أن يكون ﭐلْإنسان موضوعا لعلمين متميزين، "علم ﭐلنفس" ﭐلذي يتناول مجال ﭐلوعي، و"ﭐلميتافيزيقا" ﭐلتي تتناول ﭐلفكر في ذاته، من جهة مصدره كنور. ومن خلَال هذا نُلَاحظ محدودية تصور لشوليي ﭐلذي يبدو أنه لم يَستثْمِرْ بقدر كَافٍ أهم ما أعطاه ﭐلفلَاسفة ﭐلذين سبقوه أو عاصروه (هيغل، شوﭙنهاور، نيتشه، كونت، ماركس، وفرويد)، وهي ﭐلعطاآت ﭐلتي تَصُبُّ، من ناحية، في ﭐتجاه تقويض مفهوم "ﭐلذات" كأنًا مفكر وواعٍ و، من ناحية أخرى، في تأكيد أهمية ﭐلشروط ﭐلطبيعية وﭐلِاجتماعية ﭐلمحدِّدة لقيام ﭐلفاعلية ﭐلواعية لدى ﭐلْإنسان. وعلى هذا ﭐلْأساس، فإن "ﭐلهوية ﭐلشخصية" تصير موضوعا للتغير وﭐلتعدد والتناقض.
كان لَا بُد، إذن، من ﭐنتظار مجيء سيغموند فرويد (1856-1939) ﭐلذي ﭐستفاد من تلكـ ﭐلعطاآت على نَحْوٍ مَكَّنَهُ من بناء تصور مختلف وغني. فهو يرى أن ثمة عددًا من ﭐلحالَات وﭐلْأفعال ﭐلنفسية (ﭐلْأحلَام، فلتات ﭐللسان، ﭐلنكت، إلخ.) ﭐلتي لَا يُمكن فهمُها وتفسيرُها فقط بِرَدِّها إلى أسبابٍ يشهد لها "ﭐلوعي" في ﭐلحياة ﭐلشعورية ﭐلعادية للشخص، بل إنها لَا تأخذ معناها ﭐلكامل وتكتسب نوعا من ﭐلِاتِّسَاق إلَّا إذا ﭐفترضنا وجود حياة نفسية لَاشُعورية. ذلكـ بأن ﭐلطبيعة زَوَّدت ﭐلْإنسان بطاقة حَيَوِيَّة (ﭐللبيدو) هي مجموع ﭐلنزوات وﭐلرغبات وﭐلشهوات ﭐلتي تدفع أو تُحَرِّكـ ﭐلْإنسان منذ طفولته ﭐلْأولى وﭐلتي تطلب ﭐلْإشباع، مما يجعلها لَا تخضع إلَّا إلى مبدإ طلب ﭐللذة وﭐجتناب ﭐلْألم. لكن ظروف ﭐلحياة ﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية، ﭐلتي تحكم حياة ﭐلْإنسان، تُواجه ﭐلنزوع ﭐلطبيعي نحو ﭐللذة بـ"مبدإ ﭐلواقع" ﭐلذي يَكُفُّ "غريزة ﭐلحياة" ويمنع ﭐلْإنسان من ﭐلِاستسلَام لـ"غريزة ﭐلموت" في سعيه نحو ﭐلِاستجابة ﭐلعمياء لدوافعه ﭐللِّبِيدِيَّة، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعله يتعلم -منذ فترة ﭐلرضاع- أن هناكـ نزوات يجب تأجيلها وإرجاؤها، وبالتالي قمعُها وإخفاؤُها. وهكذا فإن شخصية ﭐلْإنسان تتحدد بنيتها ﭐلنفسية منذ ﭐلسنوات ﭐلْأولى من ﭐلطفولة، حيث إن تَشَكُّل هيئات ﭐلجهاز ﭐلنفسي (ﭐلهو، ﭐلْأنا، ﭐلْأنا ﭐلْأعلى) يتم في هذه ﭐلفترة، باعتبار أن ﭐلطاقة ﭐلحيوية ﭐلمُكَوِّنة لهيئة "ﭐلهو" تصطدم، في نزوعها نحو ﭐلْإشباع، بـ"ﭐلواقع ﭐلخارجي"، مما يؤدي إلى نشوء هيئة "ﭐلْأنا"، كجزء وسيط بين "ﭐلهو" و"ﭐلواقع ﭐلخارجي"، يتحكم في ﭐلحركات ﭐلْإرادية ويؤدي وظيفة حفظ ﭐلتوازن بين ﭐلضغط ﭐلقادم من "ﭐلهو" وﭐلضغط ﭐلْآتي من "ﭐلْأنا ﭐلْأعلى" (مجموع ﭐلقيم ﭐلْأخلَاقية في مجتمع وثقافة معينين، وﭐلمتجسدة في ﭐلممنوعات وﭐلمحرمات ﭐلقائمة ﭐلتي يستدمجها ﭐلطفل أساسا من خلَال علَاقته بوالديه). وفي خضم هذا ﭐلصراع، تبدو شخصية ﭐلمرء واقعةً تحت تأثير ﭐلدوافع ﭐللَّاشعورية ﭐلناتجة عن عملية ﭐلكبت ﭐلتي تُوَجِّهُ وتُقَنِّنُ ﭐلطاقة ﭐلحيوية للْإنسان حسب ﭐلشروط ﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية ﭐلتي حَدَّدَت طفولته، وﭐلتي تعبر عن نفسها رمزيا عن طريق ﭐلْإعلَاء في ﭐلحالة ﭐلعادية أو ماديا عن طريق ﭐلْأمراض ﭐلنفسية وﭐلعصبية عندما يفقد ﭐلْأنا زِمام ﭐلْأمور في عمله على حفظ ﭐلتوازن بين ﭐلمطالب ﭐلمتعارضة لكل من "ﭐلواقع ﭐلخارجي" و"ﭐلهو" و"ﭐلْأنا ﭐلْأعلى".
يقوم إذن تصور فرويد على أن "هوية ﭐلشخص" تتحدد كبنيةٍ نفسيَّةٍ ناتجة عن ﭐلصراع بين ﭐلهيئات ﭐلثلَاث في علَاقتها بالواقع ﭐلخارجي، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل "ﭐلْأنا" -وهو يسعى للقيام بمهمة ﭐلوساطة بين أسياده ﭐلثلَاثة تلبيةً لمطالبهم ومن أجل ضمان وحفظ ﭐلتوازن بينهم- يُواجِه صعوبات كبرى ويعيش في قلق دائم. ومن هنا، فإن ﭐلبنية ﭐلنفسية للشخص في ﭐلمنظور ﭐلفرويدي تتحكم فيها أساسا ﭐلدوافع ﭐللَّاشُعُورية على نحوٍ يجعل "ﭐلْأنا لَا يكون أبدًا سَيِّدًا في منزله". وهكذا فإن أهمية موقف فرويد تتمثل في مُراجعة ﭐلتصور ﭐلتقليدي ﭐلذي ينظر إلى ﭐلذات كـ"أنا" واعٍ له ﭐلقدرة على ﭐلفعل وﭐلِاختيار. ففرويد يؤكد أن ﭐلجانب ﭐلواعي في "ﭐلشخصية" ضعيف جدا إلى ﭐلحد ﭐلذي يجعل "ﭐلْأنا" مجرد عبدٍ خادمٍ تُطَوِّح به في كل ﭐتجاه ﭐلمطالب ﭐلمُلِحَّة وﭐلمتعارضة لِأسياده ﭐلثلَاثة ﭐلْأشدء وﭐلمستبدين. كما أن تصور فرويد يُبَيِّن قيمة ﭐلعوامل ﭐلخارجية في تحديد "هوية ﭐلشخص"، وبالخصوص أهمية ﭐلمسار ﭐلتاريخي للشخص في مجتمعه ومن خلَال ثقافته، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل ﭐلبنية ﭐلنفسية للشخص ذات طابع تَكَوُّني وحركي، وذلكـ بفعل ﭐلتعارض وﭐلصراع ﭐلموجودين بين "ﭐلْأنا" من جهة، وبين "ﭐلواقع" و"ﭐلهو" و"ﭐلْأنا ﭐلْأعلى" من جهة أخرى. لكن ﭐلتصور ﭐلفرويدي، في ﭐلوقت نفسه ﭐلذي يُظهِر محدودية ﭐلمواقف ﭐلتي تنظر إلى ﭐلذات كـ"أنا" واعٍ وحر، فإنه يبدو -من خلَال إبرازه لدور ﭐللَّاشعور- مَيَّالًا إلى ﭐلنزعة ﭐلحتمية (ﭐلحَتْمَانية) ﭐلتي لَا تتركـ لِلْإنسان، بما هو فرد، أي خيار أمام ضرورة ﭐلشروط ﭐلطبيعية وﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية وﭐلتاريخية ﭐلتي تُحَدِّد و، من ثم، تَحُدُّ وجوده وفاعليته في هذا ﭐلعالم. وهذا ما يجعل ﭐلقول بوجود حَتميةٍ لَاشُعُوريةٍ مُتحكمةٍ في فاعلية ﭐلذات يطرح مشكلةَ ﭐلْإرادة وﭐلحرية وﭐلمسئولية، وبالتالي قيمة "ﭐلشخص" ﭐلْإنساني إزاء ﭐلكائنات ﭐلطبيعية وﭐلحيوانية.
* تركيب وﭐستنتاج
يتعلق إشكال "هوية ﭐلشخص" (أو "ﭐلهوية ﭐلشخصية") بمجموع ﭐلخصائص ﭐلتي تُحدِّد وجود ﭐلْإنسان من حيث هو وجود متميز عن وجود ﭐلكائنات ﭐلْأخرى. وتقوم ﭐلمعالجة ﭐلفلسفية لهذا ﭐلْإشكال بإبراز أهمية "ﭐلنفس" سواء في تميزها عن "ﭐلبدن" (كما هو ﭐلحال في ﭐلفلسفة ﭐليونانية، خصوصا مع سقراط وأفلَاطون، وإلى حدٍّ ما مع أرسطو كذلكـ) أو في تحديدها للجانب ﭐلعاقل أو ﭐلواعي في ﭐلْإنسان (كما عند ديكارت في تأكيده لـ"ﭐلنفس" كجوهر مفكر). ونُلَاحظ أن كل هذه ﭐلتصورات تميل، في ﭐلغالب، إلى تحديدٍ داخلي ومُتَعَالٍ لـ"ﭐلهوية ﭐلشخصية". غير أن ﭐلفلسفة ﭐلمعاصرة، منذ ﭐلقرن 19، ما فَتِئَت تعمل على تجاوز ﭐلجوهرانية وﭐلذاتيانية (كنزعتين تَمِيلَان إلى تحديد ﭐلوجود ﭐلْإنساني كهوية تقوم على ﭐلوحدة وﭐلثبات وﭐلكلية)، ومن ثم تأسيس منظورات تعتمد ﭐلواقعية وﭐلموضوعية وﭐلتفاعلَات ﭐلعَلَاقِية على نحوٍ يُمَكِّن من تحديد "ﭐلهوية" ضمن أنماط ﭐلتغير وﭐلتعدد وﭐلِاختلَاف. وفي هذا ﭐلسياق يتميز فرويد بالقول بأن "هوية ﭐلشخص" تتحدد كبنية نفسية في علَاقتها بالواقع ﭐلخارجي ﭐلذي يدخل في صراع مع مطالب "ﭐلهو"، فيؤدي إلى تَكَوُّن "ﭐلْأنا" كوسيط بينهما وإلى ﭐستدخال ﭐلمعايير وﭐلقيم ﭐلسائدة في ﭐلمجتمع، فيتكون "ﭐلْأنا ﭐلْأعلى". وهكذا، فإنه إذا كانت ﭐلمعالجة الفلسفية لـ"هوية ﭐلشخص" تبقى، عموما، محصورةً في إطار ﭐلمنظور ﭐلذاتي، مما يجعلها تستبعد ﭐلمُحدِّدات ﭐلخارجية أو تُقَلِّل من أهميتها، فإن ﭐلعلوم ﭐلْإنسانية (علم ﭐلنفس، علم ﭐلِاجتماع، علم ﭐلتاريخ، علم ﭐللغة، إلخ.) تعمل على تحديد مجموع ﭐلشروط ﭐلموضوعية ﭐلتي تسمح بوجود ﭐلْإنسان في هذا ﭐلعالم وتتحكم، من ثم، في مسيرته وتطوره بالشكل ﭐلذي يُمَكِّنُه من أن يكون ذاتا فاعلة وواعية. ومن هنا، فإن "هوية ﭐلشخص" تتحدد، في منظور تلكـ ﭐلعلوم، على نحو بَعْدِيٍّ من خلَال شروط ﭐلواقع ﭐلمعيش في خضوعه للتعدد وﭐلتغير، وهي ﭐلشروط ﭐلتي تسمح –إلى هذا ﭐلحد أو ذاكـ- بإمكان تَحَقُّق وتَجَلِّي "ﭐلشخص" كذاتٍ متميزة وجوديًّا ومعرفيًّا وسياسيا وأخلَاقيا. فـ"الشخص" ليس مجرد كيان فردي أو وحدة قائمة بنفسها، بل إنه حتى حينما يتجلى بهذه ﭐلصورة يبقى مرتبطا بمجتمعه وثقافته وتاريخه، أي أنه موضوع للتغير وﭐلتعدد، بحيث لَا إمكان لقيام وحدته وﭐستمراره إلَّا على هذا ﭐلْأساس ﭐلذي يجعل "هوية ﭐلشخص" بناء مفتوحا ومتدرجا، وبالتالي إشكاليا.
2- قيمة ﭐلشخص
* تحديد ﭐلْإطار ﭐلْإشكالي: كيف تتحدد "قيمة ﭐلشخص"؟ هل من حيث كونه وسيلة لغيره أم بصفته غاية في ذاته؟ وهل تتحدد هذه ﭐلقيمة كمعطى أولي وكُلِّيٍّ أم بما هي بناء تاريخي وﭐجتماعي خاضع لشروط ﭐلوجود ﭐلْإنساني في تغيرها وتعددها؟ وهل هي قيمة مطلقة تتجاوز ﭐلواقع ﭐلتاريخي وﭐلِاجتماعي وﭐلثقافي للبشر أم أنها تتحدد بالنسبة إلى هذا ﭐلواقع، فتبقى مرهونة به حتى بما هي مطلبٌ كُلِّيٌّ وشمولي؟
* مفاصل ﭐلمعالجة
إن تناول ﭐلْإنسان في تميزه عن ﭐلكائنات ﭐلْأخرى (بما هو شخص) يقود إلى طرح مشكلة ﭐلمعايير وﭐلغايات ﭐلتي من خِلَالها يُمكن تحديد ﭐلخصائص ﭐلتي تجعل "ﭐلشخص" متميزًا في هويته عن كل من ﭐلْأشياء وﭐلحيوانات وﭐلْآلَات. وﭐلحديث عن معايير وغايات ﭐلوجود ﭐلْإنساني يُؤَدِّي إلى ﭐلتساؤل عن "ﭐلقيمة" ﭐلتي يتفرد بها ﭐلكائن ﭐلْبشري بما هو "شخص". فعلى أي أساس تُعطى لِلْإنسان مكانةٌ متميزةٌ بين ﭐلكائنات؟ وكيف تتحدد "قيمة" ﭐلْإنسان كـ"شخص"؟
يرى كنط أن ﭐلْإنسان يتحدد -بما هو كائن عاقل- كغاية في ذاته، وليس فقط كمجرد وسيلة يمكن ﭐستعمالها لبلوغ غايةٍ ما بناءً على ما تُقرره أي إرادة أخرى. ومن هنا فالْإنسان يتميز عن "ﭐلشيء" بصفته شخصًا له كرامة يجب ﭐحترامها على نحوٍ كُلِّيٍّ. وهذا ما يجعل ﭐلْإنسان في أفعاله، سواء كانت تتعلق به أو بغيره من ﭐلكائنات ﭐلعاقلة، ينظر دائما إلى نفسه بصفته غاية، بل بكونه غاية قُصْوى تتحدد بالنسبة إليها كل ﭐلغايات ﭐلْأخرى باعتبارها مجرد وسائل. وبالتالي فإن ﭐلْإنسان في ذاته يتحدد كعقل عملي وأخلَاقي يتجلى كـ"إرادة خيرة" تتصرف بمقتضى ﭐلواجب ﭐلذي يُلْزِمُ كل إنسان بضرورة ﭐلتصرف باحترام ﭐلْإنسانية في شخصه كما في شخص غيره دائما بصفته غاية وليس أبدًا كمجرد وسيلة. إنه كقيمة قصوى يُعَدُّ ذا طابع مطلق وكلي يجعله يتجاوز مَشْرُوطِيَّة ونسبية ﭐلْأشياء وﭐلكائنات غير ﭐلعاقلة.
لكن هيغل يذهب إلى أن كون ﭐلفرد شخصا له قيمة أخلَاقية كليةٌ يرتبط بالوجود ﭐلتاريخي وﭐلِاجتماعي. إذ بدون عمل ﭐلتربية لَا يستطيع ﭐلفرد أن يعرف ما يصلح له ولغيره كقيمة أخلَاقية، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل "ﭐلْإرادة ﭐلخَيِّرة" كما يتصورها كنط تجريدًا يتجاوز ﭐلحياة ﭐلفعلية، حيث إن «شيئا فارغا مثل ﭐلخير من أجل حب ﭐلخير لَا مكان له في ﭐلواقع ﭐلحي». ومن هنا فالْأفراد لَا تكون لهم قيمة ﭐلشخص ﭐلْإنساني ككائن أخلَاقي وقانوني إلَّا في ﭐلمدى ﭐلذي يمتثلون لروح شعوبهم فيكتسبون، من ثم، مكانة خاصة في حياة ﭐلجماعة من خلَال ما تُحَدِّدُه ﭐلقوانين وﭐلْأعراف ﭐلتي تُعَيِّنُ بوضوح مضمون ﭐلخير وﭐلشر أو ﭐلعدل وﭐلظُّلْم. وهكذا، فإن ﭐلوجود ﭐلْأخلَاقي وﭐلقانوني للشخص لَا يتعين موضوعيا عند هيغل إلَّا في إطار صيرورةٍ تاريخية وﭐجتماعية هي ﭐلتي تُعطي للفرد قيمته كـ"شخص أخلَاقي وقانوني".
غير أن إيمانويل مونيي (1905-1950) يأتي ليؤكد من جديد أن "ﭐلشخص" يتحدد أساسًا بأنه واقع ذاتي يتجاوز كل تحديدٍ موضوعي، حيث إنه واقعٌ يُبْنَى ويُعْرَف في آن واحد من ﭐلداخل، رغم كونه ليس مجرد فرد قائم بنفسه. وهكذا فشخصانية مونيي تذهب في ﭐتجاهِ تأكيد أن ﭐلشخص كِيَانٌ رُوحِيٌّ لَا يقبل ﭐلتجزيء ولَا يمكن ﭐلْإمساكـ به من ﭐلخارج كشيء أو موضوع، وذلكـ على ﭐلرغم من كل ما تدَّعيه ﭐلعلوم ﭐلطبيعية وﭐلْإنسانية من إمكان بلوغ حقيقة "ﭐلشخص" بواسطة ﭐلمعرفة ﭐلموضوعية. وبالتالي فإن "قيمة ﭐلشخص" تتجاوز ﭐلتحديد ﭐلموضوعي كما تُجَسِّدُه ﭐلشروط ﭐلتاريخية وﭐلِاجتماعية وﭐلثقافية، بحيث تبدو قيمةً قُصْوَى مُتعاليةً وغيرَ مشروطةٍ، أي مطلقة وكلية، تماما كما نجد عند كنط.
* تركيب وﭐستنتاج
يبدو أنه على أساس تحديد "هوية ﭐلشخص" يمكن تحديد قيمته إما كمعطى أولي، كلي ومطلق (ﭐلذات ﭐلمفكرة وﭐلواعية هي أساس "ﭐلشخص" كذات أخلَاقية تشعر بالواجب في ﭐحترام كرامة ﭐلكائن ﭐلعاقل كغاية في ذاته، وأيضا كقيمة قصوى تتجاوز قيمة ﭐلشيء أو ﭐلموضوع) وإما كبناء تاريخي وﭐجتماعي يستند إلى مجموع شروط ﭐلوجود ﭐلتاريخي في تغيرها وتعددها. وإذا كان ﭐلنظر إلى "ﭐلشخص" بصفته قيمة مطلقة وكلية يبدو مَثَلًا أعلى، فإن تجسيد هذا ﭐلمثل ﭐلْأعلى في ﭐلواقع يخضع لِإمكانات ﭐلفعل ﭐلِاجتماعي وﭐلتاريخي للْإنسان في تعقدها وضرورتها، ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل "قيمة ﭐلشخص" لَا تتحدد في ﭐلحقيقة فقط كمجرد فكرة مثالية شكلت ولَا تزال أحد ﭐلمطالب ﭐلْإنسانية ﭐلكبرى، وإنما كبناء أخلَاقي وقانوني من خلَال صراع طويل وشديد بين ﭐلْقُوى ﭐلِاجتماعية عبر صيرورة تاريخية آلت في ﭐلعصر ﭐلحديث إلى ﭐلتجسد في نظام مُؤَسَّسِي لتدبير مختلف أشكال ﭐلتعدد وﭐلِاختلَاف ﭐلمُلَازمة للوجود ﭐلِاجتماعي للبشر. وهكذا نجد أن جون راولز (1921-2002) يذهب إلى أن بروز "ﭐلشخص" (كمواطن حر يتساوى مع غيره في ﭐلحقوق وﭐلواجبات) يرتبط بقيام نظام للتعاون ﭐلمُنْصِف بين كل أعضاء ﭐلمجتمع في إطار نظرية للعدل كإنصاف، حيث يمكن للفرد أن يُشاركـ بشكل كامل في مجتمعه كعضوٍ فاعلٍ وأن يمتلكـ ﭐلقدرات وﭐلكفاآت ﭐلتي تُخَوِّلُه أن يكون شخصا أخلَاقيا وقانونيا في إطار ديموقراطية دستورية.
3- ﭐلشخص بين ﭐلضرورة وﭐلحرية
* تحديد ﭐلْإطار ﭐلْإشكالي: هل "ﭐلشخص" ذات واعية وحرة بالشكل ﭐلذي يجعله يتحمل ﭐلمسؤولية أخلَاقيا وقانونيا عن أفعاله؟ وهل يملكـ من ﭐلوعي وﭐلْإرادة ما يجعله يتحدد بصفته حرًّا ومسؤولًا؟ أم أن كونه يتحدد في هويته كما في قيمته بشروط وجوده ﭐلِاجتماعي وﭐلتاريخي ﭐلتي تُخْضِعه لنوع من ﭐلحتمية وﭐلضرورة وتتحكم في فاعليته يجعل حريته موضوع نزاع ونضال دائمين و، بالتالي، رهينة بتدبير واقعي لمختلف إكراهات وضعه ﭐلبشري في هذا ﭐلعالم؟
* مفاصل ﭐلمعالجة
يذهب باروخ إسـﭙـينوزا (1632-1677) إلى أن كون ﭐللـه يُحيطُ بالعالم، من خلَال إرادته وقدرته ﭐلمطلقتين، يجعل ﭐلْإنسان –بما هو أحد ﭐلكائنات ﭐلطبيعية- واقعًا ضمن نظام ﭐلطبيعة في خضوعه للضرورة. فالْإنسان، هو أيضا، له طبيعته ﭐلخاصة، سواء بما هو بدنٌ أو بما هو نفسٌ، حيث لَا مَفَرَّ له من ﭐلِامتثال لما تُمْلِيه عليه طبيعته على نحو ضروري. وإذا كان ﭐلناس لَا يفتأون يَدَّعُون أنهم أحرار في أفعالهم لِأنهم يتمتعون بإرادة حرة تُمَكِّنُهم من ﭐلِاختيار ﭐلحر، فليس هذا في نظر إسـﭙينوزا سوى نوع من ﭐلحكم ﭐلمسبق ﭐلقائم على ﭐلوهم ﭐلذي يدل في ﭐلحقيقة على جهلهم بالْأسباب ﭐلخفية ﭐلتي يخضعون لها بشكل ضروري وحتمي، ذلكـ ﭐلجهل ﭐلذي يُقَوِّيه في نفوسهم وعيهم بأفعالهم ورغباتهم من جهة صُدورها عن ذواتهم. ومن هنا، فليست هناكـ حرية بمعنى ﭐلِانفكاكـ عن كل ﭐلقيود وﭐلْأسباب، وإنما هناكـ "ضرورة حرة" تجعل ﭐلناس يُوجَدون ويتصرفون بصورة مُحَدَّدة، أي ضرورية. غير أن إسـﭙينوزا يؤكد، في ﭐلوقت نفسه، أن «الْإنسان، ﭐلذي يَقُوده ﭐلعقل، يكون حرا في ﭐلمدينة حيث يعيش وفق ﭐلْأمر ﭐلمشتركـ، بخلَاف ﭐلذي يكون منعزلًا فلَا يُطيع سوى نفسه.» (ﭐلْأخلَاق، ﭐلقضية 73) ؛ إذ أن ﭐلْإنسان ﭐلذي يقوده ﭐلعقل لَا يكون ﭐلخوف هو ﭐلذي يجعله يقبل ﭐلخضوع، بل إنه ليرغب -لكونه يجتهد لحفظ وجوده باتباع أمر ﭐلعقل، أي لكونه يجتهد لكي يحيى حرا- في ﭐتباع قاعدة ﭐلحياة وﭐلمنفعة ﭐلمشتركتين، ومن ثم ﭐلعيش وفق ﭐلْأمر ﭐلمشتركـ للمدينة. وهكذا فإن ﭐلْإنسان في ﭐنقياده لطبيعته ﭐلخاصة بما هو رغبة يكون خاضعا حتما للضرورة ﭐلطبيعية، وبالتالي فإن حريته ﭐلحقيقية لَا تتم إلَّا على أساس ﭐمتثاله لِأمر ﭐلعقل كما يتجسد في ﭐلقوانين ﭐلمشتركة في "ﭐلمجتمع ﭐلمدني" حيث يعيش بحريةٍ فلَا يخضع لرغباته ﭐلطبيعية ولَا لرغبات غيره (وكلتاهما تهدد حياته ومنفعته في ﭐلنهاية)، وإنما يوجد ويتصرف بحسب ما يُمْلِيه عليه أمر ﭐلعقل في إطار مجتمع مدني وديموقراطي.
ويأتي جون-ﭙول سارتر (1905-1980)، في أعقاب كل من ديكارت وإسـﭙينوزا وكنط، ليؤكد أن ﭐمتناع فكرة ﭐللـه كخالق أعظم يجعل ﭐلْإنسان كائنا يسبق وجودُه ماهيتَه، أي أنه كائن من دُون إلَاهٍ يتصور ماهيته قبل خلقه على نحو مُحدَّد ومُحدِّد. فالْإنسان يوجد أولًا، ثم يصنع نفسه ويُحدِّدُ ما يجب أن يكون عليه وجوده، إنه ينقذف من ﭐلعدم إلى ﭐلوجود فيجد نفسه حرا يستطيع أن يفعل بنفسه ما يشاء، بل إنه مُجبَرٌ على أن يكون حرا فيمارس قدرته ﭐلمطلقة على ﭐلِاختيار، فهو في وجوده تصميمٌ يُلْقَى به دائما نحو ﭐلمستقبل، في صورة مشروع أو إسقاط مُقبِلٍ لَا يسبقه أي مُخَطَّطٍ قَبْلي يُمكن أن يحدِّده فيَحُدَّ ﭐندفاعه نحو ﭐلوجود وﭐلفعل. فالْإنسان تَوَثُّبٌ وﭐندفاع إلى ﭐلْأمام لَا يخضع لَا إلى ماضيه ولَا إلى حاضره، لِأنه ذاتٌ مُتعاليةٌ على كل ﭐلتحديدات وﭐلشروط ﭐلموضوعية، ذاتٌ حرةٌ بما هي نزوع نحو ﭐلِاختيار وﭐلِاستقلَال ؛ ﭐلْأمر ﭐلذي يجعل ﭐلْإنسان يَصْطَنِعُ نفسَهُ ويفعل بها حسب ﭐختياره، ومن ثم فهو مسؤول عما يصنع بنفسه، وفي مسؤوليته هذه عن نفسه تتمثل مسؤوليته عن ﭐلْإنسانية بكاملها، من حيث إنه مُكْرَهٌ على أن يكون حُرًّا في ﭐختياره، ﭐختياره للْإنسان بكل ما يُقوِّمه كرغبة في تَمَلُّكـ نفسه، وهو ﭐلتملكـ ﭐلذي يؤدي إلى خلقه كأساس حُرٍّ لوجوده ﭐلفاعل وﭐلواعي.
* تركيب وﭐستنتاج
ولكن يمكننا أن نُلَاحظ أنه إذا كان إسـﭙينوزا يميل إلى جعل حرية ﭐلْإنسان غير ممكنة إلَّا نتيجة سعيه لتعقل وتعقيل "ﭐلضرورة ﭐلحرة" ﭐلتي تَحْكُمه ككائن طبيعي وﭐجتماعي، فإن سارتر لَا يرى أي إمكان لوجود ﭐلْإنسان في هذا ﭐلعالم إلَّا بصفته إلَاهًا، من حيث إنه لَا يملكـ أن يكون فاعلًا إلَّا إذا كان هو نفسه أساس وأصل وجوده ﭐلذي يُلَازِمُه ﭐختيارُه ﭐلخالقُ لنفسه، وذلكـ لكونه ليس شيئا آخر سوى ما يصنع بنفسه. وهكذا يتبين أن تصور ﭐلْإنسان كفاعلية حرة في خضم واقع مليء بالحتميات لم يكن ممكنا عند سارتر إلَّا بواسطة قَلْبٍ جذري لتصور إسـﭙينوزا بحيث يتم ﭐلِانتقال من "تأليه ﭐلطبيعة" إلى "تأليه ﭐلْإنسان"، وهو ﭐلِانتقال ﭐلذي يتجلى كتأسيس لـ"مركزية إنسانية" ما فَتِئ يُعَزِّزُها مشروع ﭐلحداثة منذ عصر ﭐلْأنوار، ولكن من دون أن يضمن لها قياما واقعيا وموضوعيا يُجَنِّب "ﭐلْإنسان-ﭐلْإِلَاه" ﭐلِارتكاس إلى وضع "ﭐلْإنسان-ﭐلعبد" في خضوعه لـ"ﭐلضرورة ﭐلحرة" ﭐلمرتبطة بِشروط "وضعه ﭐلبشري" في هذا ﭐلعالم ﭐلذي يتجاوزه ويَمْلِكُـ أن يُزيحه عن رتبته فيه على ﭐلرغم من إرادته وتصميمه، فيُلْقِي به من ثم دون وجوده عَدَمًا كَأَنْ لم يكن شيئا!
* خُلَاصة عامة لمفهوم ﭐلشخص
يمكن ﭐلنظر إلى ﭐلوجود ﭐلْإنساني في تميزه عن ﭐلكائنات ﭐلْأخرى بصفته ذاتا تتمتع بالوعي وﭐلحرية، أي كشخص له ﭐلقدرة على ﭐلفعل بشكل إرادي وقصدي، مما يجعله يتحمل ﭐلمسؤولية أخلَاقيا وقانونيا عن أفعاله. لكن تحديد ﭐلْإنسان كـ"هوية شخصية" تتميز بالوعي وﭐلحرية وكـ"قيمة عليا" تتفرد بين كل كائنات هذا ﭐلعالم لَا يتم إلَّا على نحو إشكالي، حيث إن تصور ما يُقَوِّم "ﭐلهوية ﭐلشخصية" باعتباره مُعطًى أصليا وكليا سرعان ما يصطدم بمشكلة ﭐلتغيرات وﭐلتفاوتات ﭐلتي يَعِجُّ بها ﭐلواقع ﭐلتاريخي وﭐلِاجتماعي لِلْإنسان. ومن ثم فإن «إسناد صفة "شخص" إلى فرد ما يقتضي وجود نظام من ﭐلرموز، أي منطق للتمثلَات وعَتَاد من ﭐلطقوس، بفضله تُعطى له مكانة ودور في ﭐلمجتمع ويُضمَن له ﭐلِاعتراف ﭐلقانوني وﭐلْأخلَاقي». فـ"الشخص" -سواء في تميزه ككيان فاعل، واعٍ ومسؤول أو كذات لها كرامة واجبة ﭐلِاحترام- يُعَدُّ بناء تاريخيا/ﭐجتماعيا/ثقافيا ضمن مجموع ﭐلشروط ﭐلتي تحكم وجود ﭐلْإنسان بصفته وجودًا تفاعليا وزمنيا فتجعله لَا يتحقق إلَّا كمعقولية مفتوحة تعمل على تجاوز ﭐلضرورة ﭐلملَازمة للوجود ﭐلْإنساني من خلَال ﭐلتعقل/ﭐلتعقيل ﭐلمتدرج وﭐلْإشكالي لِأسبابها، على نَحْوٍ يُمَكِّن من قيام ﭐلفاعلية ﭐلْإنسانية كتفاعل معرفي، أخلَاقي وسياسي في إطار صيرورة ﭐجتماعية وتاريخية.
* المفهوم الثاني: الغير
* تقديم
يُنظر عادةً إلى "ﭐلغير" بما هو "ﭐلآخر" ﭐلمخالف، بهذا القدر أو ذاكـ، للذات (سواء أكانت فردية "أنا" أم جماعية "نحن")، المخالف لها فيما تتميز به من سمات وخصائص وما يحددها من شروط وأوضاع. فـ"الغير" هو "الآخر" البعيد أو الأجنبي أو الغريب، إنه ليس فقط المخالف للذات أو الأنا، بل إنه الآخر المسلوب أو المنفي أو المستبعد. وبناء على هذه النظرة إلى "الغير"، تتخذ المواقف منه. فالآخر المجهول أو الغريب يواجه باللامبالاة أو الاستغراب، والآخر المنافس أو العدو يقابل بالكراهية أو الحرب، والآخر الشبيه أو المماثل يقابل بالصداقة أو المؤاخاة. وهكذا، فإن "الغير" في الاستعمال الشائع يجمع بين معنى "المباينة" (كل ما يباين الذات ويخالفها) ومعنى "البعد" و"الغرابة" (كل ما ليس قريبا أو مألوفا). لكن على المستوى الفلسفي يتحدد "الغير" بأنه "أنا آخر"، أي "الآخر الإنساني" بما هو أيضا "أنا" أو "ذات" في مقابل "أناي" أو "ذاتي"، إنه "أنا" آخر غيري. فـ"الغير" بما هو "إنسان آخر" مماثل لي، لكنه بـ"ما هو نفسه" يختلف عني ويغايرني كـ"أنا" أو "ذات". ومن هنا فإنه يتحدد بالازدواجية: فهو ليس مخالفا لي في الإنسانية، لكنه ليس ذاتي أو أناي، إنه "أنا آخر" أو "ذات أخرى" في المدى الذي يوجد خارج ذاتي (ذاته أو أناه غير ذاتي وأناي) ؛ وفي الآن نفسه فهو مثلي من حيث إنه ليس مجرد شيء وإنما له كل مقومات "الذات" أو "الأنا" التي أتمتع بها "أنا" أيضا. وهكذا، فالتفكير في "الغير" يتم بمجرد إدراكـ "الأنا" و"الذات" بمقتضى ما يُقَوِّمُها ويُميزها كـ"هوية" أو "ما يماثل نفسه" بخلَاف "ما يُباينه" أو "يُغايره".
* الوضعية-المشكلة
يُحِيلُ "ﭐلأنا"، في دلالته على "الذات" أو "النفس" كجوهر متميز، إلى كائن مفكر له القدرة على الوعي والمعرفة، بحيث تكون الأشياء في مقابله موضوعا لفعله، أي مفعولًا بها باعتبارها وسائل بين يديه موضوعة تحت تصرفه. ومن حيث إن "الأنا" يكون حضورا دائما أمام نفسه (بمقتضى خاصية الوعي المميزة للذات المفكرة)، فإن "الغير" بما هو "أنا آخر" يُمَثِّل مشكلة تثير عددا من الأسئلة: كيف يتحدد "الغير" في مقابل "الأنا"؟ هل بصفته "أنا آخر" متعاليا ومفارقا أم بصفته موضوعا أو شيئا؟ وكيف يمكن للذات أو الأنا أن تَعْرِف "الغير" في حقيقته كـ"أنا" أو كـ"ذات مفكرة وواعية" مغايرة؟ كيف تمكن معرفة "الأنا الآخر" إذا كانت معرفة "الأنا" نفسه لَا تكون أصلًا إلا كمعرفة مباشرة؟ ألَا يَفْقِد "الأنا الآخر" في خلال فعل المعرفة صفاته كـ"أنا" بمقتضى أن هذا الفعل يوجب تحويله إلى موضوع أو شيء؟ وكيف يمكن التيقن من وجود "الغير" بما هو أنا آخر، إن كان لا يمكن أن يعرف أصلا إلا كموضوع؟ هل يقتضي الوجود الإنساني الاتصال والتواصل بين الذوات؟ وكيف يمكن أن يتحقق هذا التواصل من دون معرفة موضوعية؟ ألا يؤدي التواصل مع الغير إلى إفقاده حريته وتلقائيته أمام تدخل "الأنا" كذات عارفة؟ كيف يمكن تجاوز حواجز وحدود التواصل بين الأنا والغير؟ ما هي العلاقات الممكنة بالغير؟ وأي إمكان للتواصل مع الغير من دون تشييء أو استلاب أو عنف؟
1- وجود الغير
* تحديد الإطار الإشكالي: ما طبيعة وجود "الغير"؟ هل يتحدد بصفته "أنا" أو "ذات" أم أنه ليس سوى شيء أو موضوع؟ كيف يمكن التأكد من وجود الغير في ذاته؟ هل يوجد "الغير" بشكل موضوعي بحيث يمكن أن يقوم كـ"أنا" أو "ذات" إلى جانب أناي أو ذاتي؟ هل وجود "الغير" ضروري لوجود "الأنا" أم أن "الأنا" كيان قائم بذاته ووحدة مستقلة عن "الغير"؟
* مفاصل المعالجة
لقد أسس ديكارت فلسفته على تجربة الشكـ المنهجي المؤدي إلى بناء معرفة حقيقية ويقينية، حيث إن قيام فعل الشكـ يؤدي في الوقت نفسه إلى قيام "الذات" كأنا مفكر في مقابل "العالم" كآخر، وذلكـ من خلال الدخول في عزلة وجودية تجعل "الذات" (الأنا المفكر) في استقلال مطلق عن كل ما سواها. فمن أجل أن تعرف "الذات" نفسها ولكي تتيقن من وجودها لا تحتاج إلى وساطة العالم والأشياء الأخرى، بل إنها لا تحتاج إلا إلى "الفكر" كما يتجلى أساسا في فعل الشكـ الذي يمتد إلى كل شيء، بحيث يصير هو الفعل المُؤَسِّس للـ"أنا المفكر" كما يعبر عنه الكوجيطو كحدس يفرض نفسه بصفته حقيقة يقينية وبداهة واضحة، هي المرجع والأصل في ضمان حقيقة ويقين كل شيء آخر. فـ"الذات"، إذن، عند ديكارت تمثل أنا مفكرا مستقلا في وجوده عن وجود "الغير"، الذي يتوقف هو نفسه على تفكير "الذات" وحكمها. ولهذا يبدو أن فلسفة "الذات" هذه تنتهي إلى نزعة أنانية (solipsisme) تؤكد وحدانية "الذات" أو "الأنا"، من حيث إنه إذا كان وجود "الذات" كأنا مفكر هو وحده الذي يستطيع أن يبني نفسه كيقين وأن يضمن، بالتالي، يقين وجود كل شيء آخر، فإن وجود الغير ليس ضروريا لوجود "الذات"، لأنه يُعَدُّ فقط وجودا افتراضيا، قابلا للشكـ وخاضعا لحكم الذات. إذ كيف يمكن أن نجد في "الذات" ما يدل على "الغير"، في الوقت نفسه الذي يُعَدُّ إدراكـ وعي آخر غير وعي "الذات" منافيًا لطبيعة الوعي بما هو حضور للذات أمام نفسها؟
ومع ذلكـ، فإنه لَا يمكن الجزم بأن تصور ديكارت ينغلق في إطار وحدانية الأنا، ذلكـ بأنه يرى أن اليقين الموجود في الكوجيطو -مثله مثل أي معرفة أو حقيقة تُدْركها الذات- لا يعد كذلكـ إلا في المدى الذي يوجد اللـه كضامن لليقين. فإذا كان وعي "الذات" بنفسها يقينيا، وإذا كانت معرفتنا بالعالم تعد معرفة يقينية، ففقط لأن اللـه جعل نفوسنا المُدْرِكة أو عقولنا المفكرة على نحو من التوافق مع الحقيقية الموضوعية ؛ الأمر الذي يؤكد أهمية الكائن اللامتناهي والكامل كنموذج للغير.
غير أن هيغل يرى أن "الوعي" ليس كيانا مجردا أو وجودا ذاتيا، مستقلا ومطلقا، وإنما هو علاقة جدلية بين وجود "الأنا" ووجود "الآخر". ذلكـ بأن الإنسان يتميز عن باقي الأشياء بكونه ذا وجود مزدوج، فهو يوجد كشيء (وجود في ذاته)، وفي نفس الوقت يوجد كوعي (وجود لذاته)، أي كتأمل ينظر في نفسه ويفكر فيها. وهذا هو "وعي الذات بنفسها" أو "الوعي بالذات" (la conscience de soi)، حيث إن الإنسان حينما يُشبع رغبته كشيء طبيعي ينحصر إدراكه في الإحساس المباشر بذاته، فلا يكون بَعْدُ وعيا بذاته، لأنه يكون غارقا في الحياة العضوية التي لا يخرج منها ولا يتجاوزها إلا حينما لا يعود يرغب مباشرة في شيء طبيعي، بل تصير له رغبة أخرى هي أن يعترف به الآخر. لكن هذا الاعتراف لا يُعْطَى بشكل سِلْمِي، بل يُنتزع عبر صراع بين الطرفين اللذين يخاطر كل منهما بحياته حتى الموت. وبما أن الموت الفعلي لا يحقق هذا الاعتراف، وإنما يحققه استسلام أحد الطرفين، بتفضيله الحياة على الموت، فإن العلاقة بين الطرفين تصير هي علاقة السيد بالعبد. وهذه هي العلاقة المُوَلِّدة في آن واحد لـ"الأنا" (وعي الذات) و"الغير" (وعي ذات أخرى). وهكذا، فـ"الأنا" و"الغير" يوجدان من خلال العلاقة بينهما، أي أن وجود "الغير" ضروري لوجود "الأنا"، حيث إن الأمر يتجلى في شكل علاقة بين وعيين بالذات (Deux consciences de soi).
ونجد، على مستوى آخر، أن سارتر يذهب، خصوصا في كتابه "الوجود والعدم" واستنادا إلى هيغل وهُسِّرل، إلى أن العلاقات الاجتماعية بين "الأنا" و"الغير" تؤدي إلى تشييئهما معا، فلكي أتوصل إلى حقيقةِ ذاتي، لا بد لي أن أمر عبر الآخر أو "الغير" الذي لا غنى لوجودي عنه ولا غنى لي عنه في معرفة نفسي. ولهذا، حينما يكون إنسان ما وحده (طفل مثلا)، فإنه يتصرف بعفوية وحرية كاملتين. لكنه ما إن ينتبه إلى أن أحدا آخر يراقبه أو ينظر إليه حتى يضطرب وتفقد حركاته تلقائيتها، إنه يصاب بالخجل الذي هو شعور يزيد على الحالات النفسية الذاتية بكونه يحيل إلى شيء غيره. ففي الوقت نفسه الذي يحقق الخجل صلتي بنفسي (لأنني أخجل من نفسي أو مما أنا فيه)، فإنني أكتشف أنني أخجل من نفسي أمام شيء ما. فإذا صدرت مني حركة مبتذلة أو متدنية فإنني لا أشعر حيالها بشيء ولا ألوم نفسي ما دمت وحدي. لكن الأمر يختلف إذا أدركت أن شخصا آخر قد لمحني، مما يجعل الدم يتصاعد إلى وجنتي ويعتريني نوع من الاضطراب فأتصبب عرقا. وهذا يجعل "الغير" يوجد كوسيط بيني وبين نفسي، "لأنني أخجل من نفسي كما تبدو للغير". وظهور "الغير" يجعلني أنظر إلى نفسي كموضوع من حيث إنني أبدو للغير بهذه الصفة. ويعبر سارتر عن هذا قائلا: "الجحيم هي الآخرون"، حيث إن النظرة التي يُلْقِيها علي الآخر تُخرجني من ذاتي وتُفقدني حريتي الأصلية. ولهذا، فإن مواجهة نظرة "الغير" تُعد دائما مُقلقة. لكن إذا كان "الغير" يعتبر تهديدا للذات، فإنه يمثل أيضا الوسيط الضروري الذي يمكنني من خلاله أن أوجد على نحو موضوعي وأن أعرف نفسي. فبفضل "الغير" يمكنني الوصول إلى معرفة نفسي، لِأن "الغير" ليس هو فقط من يُجَمِّدني ويَسْلُبُني، وإنما هو أيضا الذي يُحَرِّرني بانتزاعي من الانطوائية التي يظن الوعي المنعزل أنه يستطيع أن يجد فيها ملجأه. ولهذا فإن التهرب ورفض التواصل أمران وهميان، إذ حتى في حالة غياب الغير، فإنه يبقى حاضرا في عزلتي، لأنه يمثل الشيء الذي من خلاله تتأسس علاقتي بنفسي وبالعالم.
وفي نفس السياق، يرى جيل دولوز أن "الغير" ليس ذاتا تُدركني وليس شيئا أو موضوعا في مجال إدراكي، بل هو قبل كل شيء "بنية المجال الإدراكي"، التي لا يمكن لهذا المجال في مجموعه أن يشتغل بدونها، إنه "بنية الممكن" التي يُحققها أشخاص فِعْلِيون أو فاعلون متغيرون (أنا بالنسبة لكـ وأنت بالنسبة إلي). لكن هذا لا يمنع من أن تكون هذه البنية سابقة في الوجود، كشرط لتنظيم الأشياء عموما، بالأطراف التي تُحَقِّقُها في كل مجال إدراكي مُنظَّم (مجالكـ أو مجالي). وهكذا فإن "الغير القبلي" (autrui-a priori)، بصفته بنية مطلقة، يُؤسس نسبية الأغيار (les autres) كأطراف تُحَقِّق البنية في كل مجالٍ إدراكي. والقول بأن "الغير" هو "بنية الممكن" لا يعني أن "الممكن" مقولة مجردة تُشير إلى شيء غير موجود، بل إن العالم الممكن المُعبَّر عنه موجودٌ تماما، لكنه لا يوجد بالفعل خارج ما يُعبِّر عنه (مثال الوجه الخائف/الشيء المُخيف). فنحن حينما ندركـ الأشياء المحيطة بنا لا ندركها باستمرار ومن جميع جهاتها، وهذا يفترض وجود آخرين يدركون ما لا ندركـ وحين لا ندركه، وإلا فإن الأشياء تنعدم حين لا ندركها وتعود إلى الوجود حين ندركها من جديد. غير أن هذا مستحيل، مما يجعل "الغير" يشاركني في إدراكـ الأشياء ويُكمِل إدراكي لها، وذلكـ بوصفه "الممكن الإدراكي" الذي يُحَدِّد بنية مجالِ إدراكي والذي يكون فعليا حين يحضر "الغير" في مجال إدراكي وتخيليا حين يغيب عنه.
لكن إذا كان الغير ضروريا للأنا من حيث إن الوعي بالذات لا يوجد إلا في العلاقة بوعي آخر بالذات، فهل يعني هذا أن معرفة الغير ممكنة بالنسبة للذات؟
2- معرفة الغير
* تحديد الإطار الإشكالي: هل معرفة "الغير" بما هو "أنا آخر" تعد معرفة ممكنة أم أنها مستحيلة؟ إلى أي حد يمكن أن تُعرف أفكار ومشاعر الآخر بنفس الكيفية التي يعيشها كتجربة حميمية وباطنية؟ أم أن علاقة المعرفة تُوجِب تحويل موضوعها إلى مجرد "شيء" يفتقد بالتحديد كل صفات "الذات العارفة"؟
* مفاصل المعالجة
عموما تتحدد المعرفة بصفتها فعلًا لـ"الذات المفكرة" بواسطته تدركـ "الشيء" باعتباره "موضوعا" (مطروحا أو مُلْقًى أمامها). فـ"الذات العارفة" تتجه في نشاطها الفكري نحو "الشيء" الذي يصير، بمقتضى ذلكـ، "موضوعا" (objet). وهكذا فـ"موضوع فعل المعرفة" يقابل "الذات العارفة"، حيث تعني "الذات" الأنا المفكر، الواعي والمتمتع بالإرادة والقصدية والحرية، مما يجعله يقوم في أصل كل فاعلية في العالم، في حين أن "الموضوع" شيء مادي يفتقد كل تلكـ الصفات والخصائص، وبالتالي لا يمكن تصوره إلا كـ"محل لفعل الذات" (مفعول به). فهل يمكن اعتبار "الغير" (الأنا الآخر) قابلًا للمعرفة كـ"ذات" أم كـ"موضوع"؟
إن القول بأن "الغير" يمكن أن يكون "موضوعا" لمعرفة من طرف "الذات" يستلزم في نظر كثير من الفلاسفة انتفاء كل صفات "الذات" عنه (الوعي والإرادة والحرية)، حيث يصير مجرد شيء سَلْبي يتلقى فعل "الذات". ومن هنا فإن العلاقة المعرفية بين "الذات" و"الغير" تتضمن تناقضا وتبدو مستحيلة كفعل تواصلي بين وعيين بالذات.
ونجد، بهذا الصدد، أن نيقولَا مالبرانش (1638-1715) يُواصل إلى حَدٍّ ما التصور الديكارتي الذي يفصل بشكل جوهري بين "الذات" و"الموضوع". إذ أنه يرى أن معرفة نفوس وعقول الآخرين ليست ممكنة إلا كمعرفة تخمينية وظنية، لأن الأمر يتعلق بـ"ذات أخرى" خارج وعينا الذاتي. لذا فإن أقصى ما يمكن الوصول إليه إنما هو افتراض أن المماثلة الموجودة بين الذاتين (كل منهما وعي) تسمح بالاستدلال بالمشابهة أو المُقَايسة (raisonnement par analogie) على إحساسات ومشاعر الذات العارفة. لكن هذه المعرفة معرضة للخطإ من حيث إنها تقتصر فقط على ما يدور داخل الكيان الذاتي ولا تستطيع العبور إلى الذات الأخرى، الأمر الذي يجعلها معرفة غير مباشرة وغير يقينية.
يفترض النظر إلى "الغير" كـ"أنا آخر" وجوده كواقع خارجي، كجسد له حدود ويمثل فردية متميزة وذات خصوصية. ومن هنا، فهو يُحيل إلى باطن نفسي يُوَجِّه أفعال الجسد (الحركات والأحاسيس)، مما يجعل معرفة "الغير" مستحيلة، لأنها تُوجب تجاوز السطح الظاهر والنفاذ إلى العمق الخفي. لكن إذا اعتبرنا أن "الغير" يتحدد كـ"أنا آخر"، فقد يكفي أن تنكفئ "الذات" على نفسها وتمارس نوعا من "الِاستبطان" (introspection) لتتبين أن "الآخر" تُمكن معرفته بقياس أفعاله وأحاسيسه على أفعال وأحاسيس "الذات". غير أن هذا الِافتراض، القائم على إمكان معرفة "الغير" عن طريق الِاستدلال بالمماثلة، يمثل مفارقة في نظر ماكس شيلر الذي يرى "أنني عندما أشاهد حركات تعبير مشابهة لحركات التعبير الصادرة عني، فإنني ألتقي من جديد بذاتي أنا وليس بـ"أنا الغير"، أي أنني لا ألتقي بـ"أنا" غريب. وحين ينتهي حكم المماثلة إلى إثبات أنًا مختلف عن أناي، فإنه يقرر نتيجة خاطئة". لذا، فإن معرفة حقيقية بـ"الغير" تقتضي، عند شيلر، تجاوز كل الثنائيات التقليدية (بدن/نفس، جوهر/عَرَض، ظاهر/باطن، سطح/عمق، إلخ.) للتمكن من إدراكـ الإنسان كـ"مجموع كلي" (une totalité)، أي كوحدة جسدية ونفسية لا تقبل أي انقسام أو تجزيء، وكحقيقة متمثلة في "الهوية" الظاهرة للشخص الإنساني.
ومن ثم، فإن الفلسفة المعاصرة –خصوصا مع هُسِّرل، سارتر وميرلوﭙونتي- صارت تضع "الغير" في مركز التفكير، الأمر الذي يجعلها تنفصل عن التقليد الديكارتي الذي يُقِيم من "الذات" وحدها أساس الحقيقة. ذلكـ بأن فكرة الحقيقة أو الموضوعية تفترض ابتداء العلاقة مع "الغير"، حيث إن الاتفاق الممكن أو المطلوب حول عالم مشتركـ (التفاعل بين الذوات أو "التذاوت" l’intersubjectivité) هو الذي يضمن إمكان حقيقة تتجاوز النطاق الخاص لِاعتقادي الشخصي. إذ بدون "الغير" سيتم اختزال العالم إلى وجهة نظري الخاصة عنه.
وهكذا فإن القول بأن العلاقة المعرفية بين "الذات" و"الغير" لا يمكن أن تكون إلا موضوعية وتشييئية، ناتج –كما يرى ميرلوﭙونتي- عن النظر إلى هذه العلاقة من موقع "الأنا المفكر" الفاعل لنشاط المعرفة، كما يتمثل في إجراءات التقسيم والحساب والقياس والتجريد، التي تستلزم بالضرورة "التوضيع" (l’objectivation) كعملية تشييئية ؛ في حين أن ٱعتبار تلكـ العلاقة كـ"تواصل إنساني بين ذاتين تشتركان في الوجود ضمن العالم" (تذاوت: intersubjectivité) يؤدي إلى حفظ "الأنا" و"الغير" بكل صفاتهما، مما يُشير إلى أن ذلكـ الإمكان الموضوعي التشييئي ليس هو الإمكان الوحيد. فإذا كان "الغير" يوجد كمعطى بالنسبة إلي، فليس لِأنه يظهر كقوة مُكَوِّنة في مواجهتي، وإنما بصفته -تماما مثلي- وجودا مُتجسدا، أي أنه يشتركـ معي في ٱنتماءٍ جسديٍّ إلى العالم، ٱنتماء سابق على القوة المُكَوِّنة التي تتمتع بها "ٱلذات". فوجود المرء يعني كونه في العالم، و"الذاتية المتعالية" تُعَدُّ ذاتيةً منكشفة ومُدرَكَة لنفسها وللغير، وبهذا المعنى فهي "ذاتية بينية" أو "تذاوت". أفلَا يمكن، على هذا الأساس، أن يدخل "الأنا" و"الغير" في علاقة تواصل أو ٱعتراف متبادل تحفظ لكل منهما فرديته كوعي؟
إن "الغير" ليس هو فقط ما يُعطي معنى للعالم من حولي. إنه أيضا هو من يفرض علي الدخول في عدد من العلاقات التفاعلية، قد تكون علاقات حب أو كره، علاقات صداقة أو عداوة، علاقات تسامح أو تعصب، علاقات قَبُول أو رفض. ولهذا فالعلاقة بـ"الغير" أغنى وأعقد من أن تُختزَل إلى علاقة وجودية أو معرفية. إنها مُرَكَّبٌ من العلاقات الِاجتماعية والِاقتصادية والوجدانية والأخلاقية والسياسية والدينية. فهل يُعَدُّ "الغير" صديقا لأنه قريب وغريبا لأنه بعيد؟
3- العلاقة مع الغير
* تحديد الإطار الإشكالي: ما هي العلاقات الممكنة مع "الغير"؟ هل هي علاقات تكامل أم أنها علاقات تنافر؟ هل هي علاقات صداقة أم علاقات غرابة؟ وما هي محددات أنواع العلاقة مع "الغير"؟
* مفاصل المعالجة
من بين كل العلاقات الممكنة مع "الغير"، تبدو الصداقة والغرابة أبرز العلاقات التي تربطنا به. فما الذي يجعل "الغير" مرغوبا فيه بحيث يصير صديقا؟ أو ما الذي يدفع إلى عدم الرغبة فيه بحيث يكون غريبا؟ هل هو مجرد القرب والبعد سواء كان زمانيا أو مكانيا أو وجدانيا أو اجتماعيا أو ثقافيا أو دينيا؟ لماذا يرتبط "الأنا" بـ"الغير"؟ هل لأنه نافع ومفيد أم لأنه جميل وحسن أم لأنه خَيِّر وطيب؟ أم أنه بأضداد هذه الصفات كلها يتم اعتبار "الغير" غريبا؟ هل الغريب ضار وقبيح وشرير بالضرورة؟ هل نصادقه لأنه شبيهنا أم بما هو مُغاير لنا؟
تُعَدُّ الصداقة الوجه الإيجابي للعلاقة بـ"الغير". وتتحدد، في الواقع، بأنها علاقة حب صادق تنشأ بين إنسانين. ونجد، بهذا الصدد، أن أفلاطون يقوم بالنظر في موضوع الصداقة في محاورة لِيزِيس (Lysis)، وينتهي إلى القول بأنها علاقة حب متبادل بين "الأنا" و"الغير"، تستند إلى حالة وجودية هي وسط بين الكمال المطلق والنقص المطلق، بين الخير المطلق والشر المطلق. ذلكـ بأن كل من كان يتصف بالكمال والخير المطلقين، فهو يوجد في حالة اكتفاء ذاتي تجعله غير محتاج إلى "الغير" ؛ وأما من كان يتصف بالشر والنقص المطلقين، فلا يمكنه أن يجد في نفسه الرغبة لطلب الكمال والخير. ولهذا السبب فإن الصديق هو من يتصف بِقَدْرٍ كَافٍ من الخير والطيبوبة، قَدْر هو الذي يدفعه إلى طلب خير أكبر أو كمال أسمى، وبقدر من النقص لا يحول دون البحث عما يُكمله لدى "الغير".
ومن جهة أخرى، يتناول أرسطو الصداقة بما هي قيمة أخلاقية ومَدَنِيَّة. فالصداقة لديه تُعَدُّ تجربة معيشة وضرورية للحياة المشتركة، لا تقوم على مجرد الحب الأفلاطوني. إذ هناكـ عدة أنواع من الصداقة، أهمها صداقة المنفعة وصداقة المتعة وصداقة الفضيلة. ويرى أرسطو أن النوعين الأولين -بحكم توقفهما على المنفعة والمتعة- مُتَغَيِّران، يوجدان بوجود المنفعة والمتعة ويزولان بزوالها. ولذا، فهما لا يمثلان الصداقة الحقيقية التي هي صداقة الفضيلة والتي تقوم على محبة الخير والجمال لذاتهما، مما يجعلها كاملة ودائمة. وفي هذا النوع من الصداقة تتحقق المنفعة والمتعة كلتيهما كنتيجة لها. ولذلكـ، فإن "صداقة الفضيلة" نوع نادر، بل إنه لو أمكن تحققها بين الناس لما ٱحتاجوا إلى شيء آخر بعدها، حتى لو كان القوانين والعدل.
لكن الصداقة، من حيث هي علاقة ممكنة وإيجابية مع "الغير"، تبقى قائمة على نوع من القرب العاطفي أو الاجتماعي أو العرقي أو الديني أو الثقافي ؛ بحيث إن كل من ليس قريبا بهذا المعنى يُعتبر غريبا ويُوصف بأنه مجهول، غير مألوف، غامض ومُخيف ؛ وبالتالي يتم عزله أو رفضه أو إقصاؤه بوصفه عنصرا طُفيليا أو دخيلا، بإمكانه أن يتسبب في الاختلال والفساد، بل يوضع موضع المسئولية عن كل شر محتمل. غير أن هذا كله يفترض أن "الأنا" أو "النحن" يتمتع دائما بنوع من "الهوية" التي تتسم بالوحدة والتناغم والِاستمرار والِاستقلال، حيث إن كل ما يرتبط بالِاختلاف والتعدد والتناقض والتغير يوجد أو يُنْفَى خارج الذات الفردية أو الجماعية. وبالفعل، فعندما نتأمل في الأمر نجد أن سمات التغاير هاته كامنة في الذات نفسها سواء كانت فردية أو جماعية، فالإنسان لا يستطيع أن ينفكـ عن التغير الذي يلحق أحواله وأوضاعه وأفكاره، على نحو يجعل "الذات" أو "الأنا" نفسها تتغير فتتغاير باستمرار. ولهذا فإن "الغريب يسكننا على نحو غريب" كما تقول جوليا كريستيـڤا، من حيث إنه في الواقع جزء لا يتجزأ من "الذات". فـ"الغريب" ٱسْمٌ مُستعارٌ (وليس حقيقيا) يدل على الكراهية والحقد كـ"آخر" غير مرغوب فيه، مُستبعَد ومَسْلُوب، بل كـ"عدو" يجب القضاء عليه لحفظ السلم وضمان الِاستمرار. من هنا، يتبين أن "الغريب" يتحدد كقوة خفية كامنة داخل هويتنا نفسها وكـ"عَرَض" دَالٍّ" يجعل هذه "الهوية" (سواء أكانت فردية أم جماعية) إشكالية، بل مستحيلة ؛ الأمر الذي يجعل "الغرابة" غير مقتصرة فقط على "الغير" البعيد (أو الأجنبي، المهاجر، الجنس الآخر، المجتمع الآخر، الثقافة الأخرى، الدين الآخر، إلخ.). ولذا، فحينما نتعرف على "الغريب" في داخلنا، نوفر على أنفسنا أن نكرهه أو نُقصيه كما لو كان شيئا يوجد في ذاته وفي ٱستقلال عنا. فـ"الغريب" ينشأ من الوعي بالِاختلاف والتعدد باعتباره يشكل الفضاء حيث يتبلور الوجود الإنساني. وعلى هذا، فإن معرفتنا بأنفسنا تُمَكِّنُنا من أن نُدرِكـ أننا "غرباء عن أنفسنا".
ومن ثم، فإن ٱرتباط "الذات" بـ"الغير"، سواء في وجودها أو في معرفتها، يُوجِبُ الِابتعاد عن مواقف الرفض والإقصاء والعداء تُجاه "الغير"، والدخول في سيرورة الِاحترام والتحاور والتسامح معه باعتباره "أنا آخر"، أي كائنا بشريا، قد يكون أخًا مُشاركا لنا أو نظيرا مساويا، مما يجعل وضع الاختلاف والتعدد وضعا مُلَازِمًا للوجود البشري الأصيل في هذا العالم. والدخول في تلكـ السيرورة التحاورية والتعارفية يُعَدُّ نوعا من التفاعل الِاجتماعي والتواصل الثقافي الذي يُغني "هوية الذات" ويُقَوِّي إمكانات الِاستفادة من التنوع الطبيعي والثقافي بين الناس في هذا العالم الذي يتحدد أساسا كمجموعة من الشروط المتفاوتة والمختلفة التي تحكم الوجود الإنساني في تَحَوُّله وتغايره الدائمين. وهكذا تُطرح مشكلة إمكانات التدبير العقلاني لهذا الوجود الإنساني في تعدده واختلافه على نحو يُيَسِّر قيام "الآخر" كشبكة من العلاقات المركبة والمفتوحة التي تؤسس "البشرية" كاستمرار متعدد وكإبداع غير مُنْتَهٍ في مجموع الشروط التي تحدد "الوضع البشري" كصيرورة ٱجتماعية وتاريخية.
* المفهوم الثالث: التاريخ
* تقديم
يقودنا تناول مفهومي "الشخص" و"الغير" إلى تحديد "الوجود الإنساني" بما هو "فاعلية" مُحدَّدة من خلال مجموع الشروط التي تتعلق بـ"الوضع البشري" والتي تجعل "الذات"، كسند وأساس للفعل الإنساني، مرتبطةً بعوامل التعدد والتغير كما تتجلى اجتماعيا وتاريخيا، حيث إن "الفرد" كـ"وحدة مستقلة" وكـ"هوية متميزة" لا يتخذ معناه إلا في إطار معين يتحدد كـ"مجتمع" و"ثقافة" و"لغة"، أي بالنسبة إلى مجموع العلاقات التفاعلية والتبادلية التي تُكَوِّن فضاء الوجود الإنساني والتي تُحدد فاعلية الإنسان في حدوثها وصيرورتها وتطورها ؛ الأمر الذي يؤدي إلى بروز "البعد الزمني" كـ"امتداد" و"استمرار" يُعطيان للفعل الإنساني حركيته وقوته على نحو يستدعي التساؤل عن مصدر هذا الفعل ومداه وأهميته، وذلكـ في حدود مجموع الشروط التي تحكم وضع الإنسان في هذا العالم.
* الوضعية-المشكلة
يتحدد "التاريخ" بكونه "صيرورة الوجود الإنساني كما تتجسد في مجموع الأحداث والوقائع التي تُكَوِّنُ سيرورة الحياة البشرية في امتدادها وتغيرها عبر الزمن". فـ"التاريخ" يمثل "الوجود الإنساني في حدوثه واستمراره". وكون "التاريخ" يتحدد بهذه الصورة يستدعي التساؤل عن الكيفية التي يمكن أن يُعرَف بها الماضي الإنساني، فهل "المعرفة التاريخية" معرفة علمية تعيد وتستعيد الأحداث في واقعها الحقيقي أم أنها معرفة إنشائية وفنية قائمة على ممكنات الخيال وتأثرات الوجدان؟ وهل تتم الصيرورة التاريخية على شكل مجموعة من التطورات والتراكمات التي تخضع لمنطق معين يُمَكِّن من الحديث عن التقدم في التاريخ الإنساني أم أن أحداث التاريخ تتالى وتتسلسل على نحو اعتباطي وعشوائي؟ وهل "التاريخ" جملة من البنيات الموضوعية التي توجد وتستمر خارج إرادة ووعي الناس أم أنه نتاج للفاعلية الإنسانية بحيث يمكن الحديث عن دور الإنسان في التاريخ وعن أهمية الأبطال والزعماء والعباقرة بصفتهم صُنَّاع التاريخ؟
1- المعرفة التاريخية
* تحديد الإطار الإشكالي: ما طبيعة المعرفة التاريخية؟ هل هي معرفة موضوعية وعلمية أم أنها مجرد معرفة إنشائية وتخيلية على شاكلة المعرفة التي يقدمها الأدب والفن؟ هل يمكن بناء معرفة حقيقية بأحداث الماضي الإنساني في خصوصيتها الزمنية وحضورها البشري؟
* مفاصل المعالجة
يُنظر إلى "التاريخ" في آن واحد باعتباره "واقع الحياة الإنسانية كما تتجلى عبر التطور الزمني" و"مختلف الأعمال التي تستهدف عرض وتحليل الأحداث والوقائع التي تُكَوِّن الماضي الإنساني". وإذا كان المعنى الأول هو أساس المعنى الثاني، إذ وجود الفاعلية الإنسانية كواقع حي هو الذي يتجلى أيضا كفاعلية خاصة مرتبطة بإعادة بناء أو استعادة مجريات ما مضى من الفعل الإنساني. من هنا، فإن شمول "التاريخ" للوجود الإنساني في هذا العالم لا يعني وجود اهتمام كلي بالتاريخ عند أي إنسان ؛ الأمر الذي يجعل الناس يختلفون في نظرهم إلى التاريخ بما هو معرفة، وتختلف -من ثم- كيفيات تعاملهم مع المعرفة التاريخية إما باعتبارها جزءا من التجربة الذاتية كحكايات تندرج ضمن السيرورة العادية للحياة الإنسانية وإما كأعمال خاصة تتجه نحو استعادة الماضي في قالب قصصي كما في الأدب والفن أو بأسلوب منهجي وتقنيات متميزة كما في الدراسات والبحوث العلمية. ونجد أن عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406) يُعَدُّ، في أواخر العصر الوسيط، أحد كبار المفكرين الذين تناولوا الكيفية التي يُمكن بها للبحث في التاريخ أن يصير علما متميزا عن الاهتمام العادي والعام (التاريخ كطرائف ونوادر) أو التناول غير المتخصص (التاريخ كأدب قصصي وحكائي يفتقر إلى التحقيق والتمحيص المنهجيين). فـ"التاريخ" فن من الفنون التي تتدولها الأمم وتهتم بها الأجيال ويجتهد الناس في طلبها. وهو في في ظاهره ليس سوى أخبار عما مضى من الأيام تؤدي لنا شأن الخليقة في أحوالها العمرانية ؛ أما في باطنه، فهو نظر قائم على التحقيق يبحث في تعليل الحوادث للتمكن من بلوغ معرفة علمية بكيفية وقوعها في علاقتها بأسبابها العميقة. وبهذه الصفة، فهو "علم" يتناول أحوال الماضي من العمران البشري، مما يجعله يحتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة، فضلا عن جودة التفكير وفق منهج يقوم على التثبت والتحقيق. ذلكـ بأن كونه يعتمد على الأخبار يجعله مُضطرا إلى تجاوز مجرد النقل، ومن ثم تحكيم أصول العادة وقواعد السياسة المرتبطة بطبيعة العمران وأحوال الاجتماع الإنساني. وهكذا، فإن ابن خلدون يرى أن "التاريخ" يتعلق بـ"العمران البشري في الأرض" الذي هو "أحوال الاجتماع الإنساني"، وبالتالي فإن قيام "التاريخ" كمعرفة علمية يتطلب بناءه على "علم العمران الإنساني" الذي هو "علم الاجتماع" كعلم يدرس وقائع العمران لاستخلاص أصوله وقواعده التي بدونها لا يمكن إدراك طبيعة الحوادث التاريخية.
ومن ثم، أصبح ينبغي التمييز بين "التاريخ" كمعرفة عادية و"التاريخ" كمعرفة علمية. وهذا ما يؤكده هنري-إريني مارو (1904-1977[Henri-Irénée Marrou]) الذي يذهب إلى أن "التاريخ"، بما هو معرفة بالماضي الإنساني، ليس مجرد سرد لأحداث الماضي كما في الحكايات الشعبية أو في الأعمال الأدبية التي تعيد كتابتها بطريقة إنشائية، وإنما هو "عمل علمي" يتوخى بناء معرفة حقيقية بأحداث الماضي وفق منهج منظم وصارم يقوم على التمييز، من جهة، بين الوسائل (طرق البحث وتقنيات الاكتشاف) والغايات (نتائج البحث كمعرفة صحيحة وحقيقية بالواقع)، ومن جهة أخرى على الفصل بين التعامل الواقعي مع الأحداث (المعالجة العلمية) والتعامل الفني والتخييلي (المعالجة الأسطورية والأدبية) معها. ولهذا، فإن "التاريخ" يتحدد في ارتباطه بـ"الحقيقة" التي يعمل المؤرخ على بنائها بشكل منهجي يُمَكِّنُ من إدراكـ واقعي لأحداث الماضي.
* تركيب واستنتاج
يتعلق إشكال "المعرفة التاريخية" بكيفيات استعادة أو استحضار أحداث الماضي الإنساني ومدى إمكان بناء معرفة علمية بها. وهكذا، فإذا كان المشتغلون بالتاريخ يميلون إلى اعتباره علما يهتم بالبحث المنهجي والمنظم في أحداث ووقائع الماضي من أجل الانتهاء بصددها إلى معرفة حقيقية وصحيحة، فإن فلاسفة ونُقَّاد المعرفة يؤكدون أن التاريخ -بما هو اشتغال بأحداث غائبة تستعصي على الملاحظة المباشرة- ليس سوى نوع من "العمل الخيالي" الذي يشتركـ مع أشكال الأدب والفن. غير أنه، مع ذلك، يجب تمييز ممارسة المؤرخ عن غيرها من الممارسات (الأديب، الفنان، إلخ.)، فهي -كممارسة علمية- تقوم على الحِيَاد القيمي والمنهج الصوري اللذين يضمنان لها بناء حقيقة موضوعية ذات طابع كلي، وذلك على الرغم من اشتراكها مع الممارسات الأخرى في بعض الوسائل، الأمر الذي يجعل "التاريخ" موضوعا لنوع من الدراسة العلمية كما يمارسها المؤرخون بأدواتهم الخاصة التي تَكْفُل لهم بناء حقيقة الواقع التاريخي.
2- التاريخ وفكرة التقدم
* تحديد الإطار الإشكالي: كيف تتم الحركة التاريخية؟ هل على صورة مجموعة من التحولات المتدرجة والتراكمات التقدمية أم أنها مجموعة من التطورات المتقطعة وغير الخَطِّية؟ ما معنى "التقدم" في التاريخ الإنساني؟ هل هو تطور خطي، مستمر وضروري أم أنه سيرورة تراكمية تتسم بالانقطاع والانحراف والتعرج؟
* مفاصل المعالجة
يبدو "التاريخ" كجملة من الأحداث المتعاقبة التي تشكل مجموع آثار الفاعلية الإنسانية منذ أن وُجِد البشر في هذا العالم. ومن هنا يُطرح إشكال الكيفية التي تتعاقب بها أحداث التاريخ الإنساني: هل تتعاقب في حدوث عشوائي يجعل بعضها يتلو بعضا من دون أن تكون بينها علاقات سَبَبِية تُحدِّد تسلسلها على نحو منطقي يسمح بالقول بأن هناك نوعا من "التقدم" في سيرورة التطورات التاريخية التي تخضع لأسباب وقوانين تجب معرفتها على نحو علمي يُمكِّن من الإسهام في تطوير وتحسين الوجود الإنساني كفاعلية لها غايات محددة. ونجد، بهذا الخصوص، أن إدوارد هاليت كار (1892-1982[Edward Hallett Carr]) يعمل على إزالة الخلط بين مفهومي "التقدم" و"التطور" لكي يُبَيِّن طبيعة التحولات التاريخية. فإذا كان مفكرو التنوير (ق 18) يعتقدون في "فكرة التقدم" باعتبار أن الإنسان كائن طبيعي سعى عبر مسيرته التاريخية لتحقيق غايات طبيعية تتمثل في "العقل" و"الحرية" و"الازدهار"، فإن هيغل واجه التنويريين بالقول إن التاريخ، بخلاف الطبيعة، هو وحده الذي يشهد تجلي "العقل" أو "الروح" في حركته التقدمية من خلال الجدل التاريخي للوعي الإنساني. وتأتي الداروينية بعد ذلكـ لتؤكد أن "الطبيعة" و"التاريخ" يتحددان كليهما كـ"تقدم". لكن إدوارد كار يرى أن مثل ذلك التصور يؤدي إلى الخلط بين الوراثة البيولوجية، التي هي مصدر "التطور"، والاكتساب الاجتماعي، الذي هو مصدر "التقدم" في التاريخ. ومن هنا، فلا داعي لتصور "التقدم" كحركة لها بداية ونهاية محدَّدتين. ذلك بأن القول بأن التاريخ له طابع أُخْروي يُعدُّ افتراضا دينيا يُلائم "علم اللاهوت". ولَا سبيل للاحتفاظ بفكرة "التقدم" في التاريخ إلا بالنظر إليه كعملية تُودِعُ فيها العصورُ المتعاقبة، من جيل إلى جيل، مضمونها المُميِّز كمجموعة من المطالب والأحوال. وهكذا فليس من المعقول في شيء اعتقاد أن "التقدم" يسير باستمرار في اتجاه مستقيم من دون انقطاع أو انحراف أو توقف أو ارتداد، أي أن "التقدم" في التاريخ ليس استمرارا في الزمان والمكان.
وفي نفس السياق، يذهب كلود ليفي-ستروس (1908-؟ [Claude Lévi-Strauss]) إلى أن أنواع "التقدم" التي حققتها الإنسانية منذ بدايتها واضحة وبَيِّنة بقدر يجعل كل محاولة لمناقشتها تَؤُول إلى مجرد تمرين بلاغي. ورغم ذلك، فإنه ليس من السهل -كما يظن بعضهم- أن يتم ترتيب أنواع التقدم تلك في سلسلة منتظمة ومستمرة. فأنماط التقدم ليست عصورا متتابعة ومُطَّردة، بل يُعَدُّ بعضها عصورا متزامنة ومتعايشة، إذ حينما تتغلب تقنية ما على أخرى، فإن هذا التطور لا يكون نتيجة تقدم تقني يَبْرُز تلقائيا من مرحلة سابقة، وإنما كمحاولة للنقل بين متقدم ومتأخر متعاصرين. وهكذا، فإنه من المُسلَّم الآن أن العصر الحجري الأدنى والأوسط والأعلى ثلاثة أشكال وُجِدت متزامنة، بحيث لم تكن عبارة عن ثلاثة أطوار من التقدم في اتجاه واحد، وإنما كانت وُجُوها متنوعة من واقع غير سُكُوني عَرَف تغيرات وتحولات معقدة. وكل هذا لا يستهدف نفي واقع التقدم في التاريخ الإنساني، بل يستدعي تصوره بقدر أكبر من الحَذَر. ومن هنا، فإن "التقدم" لا يتم على نحو ضروري ومستمر، وإنما يحدث على شكل "قفزات" أو "طفرات" بالمعنى البيولوجي، وهي "قفزات" لا تتمثل في السير دوما إلى أبعد حَدٍّ وفي نفس الاتجاه، حيث إنها تقترن بتغيرات في الاتجاه على شاكلة "الفارس" في الشطرنج الذي يملك أن يتقدم بأكثر من حركة في أكثر من اتجاه. فالتقدم في التاريخ الإنساني ليس سلسلة منتظمة ومستمرة على شكل الصعود المتدرج في السُّلَّم، بل إنه أشبه باللعب المتعرج والمتناثر في أكثر من ناحية، بحيث إنه لا يُمَثِّل ترتيبا حسابيا أو تراكما نوعيا إلا من حين لآخر.
* تركيب واستنتاج
غالبا ما يتم تصور "التقدم" كحركة متسلسلة ومنتظمة كما لو كان "التاريخ" الإنساني صيرورة منطقية يحدث فيها الانتقال على نحو متدرج في اتجاه محدد يشكل غاية الفاعلية الإنسانية التي تُعَدُّ فاعلية محكومة بالتطور الضروري نحو مزيد من العقلانية والتحرر والازدهار. لكن "التقدم" بهذا المعنى ليس سوى طُوبَى إنسانية لا صلة لها بالواقع التاريخي الذي يعرف جملة من التطورات والتحولات غير الخطية وغير المنطقية، المتخللة بكثير من الانقطاعات والانحرافات والتعرجات.
3- دور الإنسان في التاريخ
* تحديد الإطار الإشكالي: ما هو الدور الذي يلعبه الإنسان ككائن فاعل في التاريخ؟ هل التاريخ من صنع الإنسان كفاعل اجتماعي وتاريخي أم أن الإنسان لا يفعل في التاريخ إلا بالقدر الذي يُعَدُّ هو نفسه نِتَاجًا لتاريخه الخاص في ارتباطه بالتاريخ العام للإنسانية؟
* مفاصل المعالجة
يتحدد "التاريخ" في ارتباطه بـ"الفعل الإنساني". غير أن نوع هذا الارتباط القائم بين "الصيرورة التاريخية" و"الفاعلية الإنسانية" يُثير مشكلة التحديد السببي ومدى تعلقها بـ"التاريخ" كواقع موضوعي يتجاوز الإنسان كـ"ذات فردية". ذلك بأنه من الشائع أن الإنسان يُعَدُّ ذاتًا فاعلة وإرادةً حرة، بحيث يتمثل بصفته صانع التاريخ. لكن، لو كان الإنسان يتحكم في السيرورة التاريخية لَأمكنه أن يُوجِّه الأحداث في الاتجاه الذي يحقق أهدافه ويُخلِّصه من اللامتوقع والكوارث الدورية. من هنا، نجد أن "التاريخ" يُمثِّل في نظر كثير من الفلاسفة (هيغل، وخصوصا ماركس) عملية اغتراب واستلاب تكشف عن وجود نوع من الحتمية التي تجعل الإنسان أمام صيرورة تاريخية بدون ذات فاعلة، أي أن "التاريخ" مجموعة من العلاقات الموضوعية (علاقات الإنتاج) التي تتجسد كـ"بنيات" تتجاوز "الذوات" و"الإرادات" بحيث تكون "أنماط الإنتاج" في موضوعيتها وماديتها هي التي تخلق الأدوار الإنسانية وبها يتم تفسير سلوكات الناس. غير أن لوسيان غولدمان (1913-1970[Lucien Goldmann]) يُواجه التصور البنيوي للتاريخ (كما مَثَّله ألتوسير) بالتساؤل عَمَّن يخلق البنيات الاجتماعية والتاريخية التي تُعتبر مُحدِّدة للفاعلية الإنسانية (البنيات هي التي تخلق الأحداث التاريخية). فمجموع البنيات الاجتماعية والتاريخية (اللغة، المؤسسات، الإنتاج المادي والرمزي) ليست ذوات فاعلة ومُنتِجة، بل إن الناس المأخوذين في مجموعة من العلاقات المُتَبنينة (rapports structurés)، كوعي وسلوك مُتَبَنْيِِنَيْن أيضا، هم الذين يُنتجون الأحداث التاريخية (هم الذين يخلقون مثلا اللغة داخل ممارسة متبنينة). لذا، فإن البنيات، في مختلف صورها، ليست سوى مظهر للعلاقات الإنسانية على نحو لا يجعلها تحتل مكان "الذات"، وإنما تبقى فقط تجليا من تجليات "الذات" كسلوك وفكر وحياة.
وتأكيدا لنفس التوجه، يرى جون ﭙول سارتر (1905-1980) أن الإنسان يكون، حتى في أثناء استغلاله واستلابه، ثمرة لنِتَاجه الخاص. فالإنسان فاعل تاريخي وليس مجرد نِتاج لشروط خارجية ومُتعالية. إنه يُنْتِج تاريخه فينتج، من ثم، نفسه ضمن حركة "الممارسة" الإنسانية (praxis) كحركة جدلية وتناقضية. ذلك بأن الناس يصنعون تاريخهم على أساس الشروط الواقعية والمادية السابقة، مما يجعلهم هم الذين يصنعون تاريخهم. والقول بخلاف هذا يؤدي إلى جعل الناس مجرد وَسَاطات حاملة لقُوًى غير إنسانية تُنَظِّم المجتمع وتُحدِّده من خارج وبعيدا عن إرادتهم ووعيهم. فحركة "الممارسة الإنسانية" تتجاوز الشروط الواقعية في الوقت نفسه الذي تحتفظ بها، الأمر الذي يجعل الإنسان الصانع الفعلي للتاريخ ؛ وحتى حينما يُفلت التاريخ من قبضة أحدنا، فإن السبب هو أن غيره هو أيضا يصنعه. وبالتالي، فإن الإنسان يملك أن يصير ذاتا فاعلة في التاريخ، وذلك في المدى الذي يُمكنه أن يَعِي ذاته وقيمته كفاعل من خلال تَعرُّفه على وجوده الواقعي في التاريخ.
* تركيب واستنتاج
يُعبِّر "التاريخ" عن فاعلية الإنسان كما تتجلى من خلال مجموع الأحداث والوقائع التي تُشكِّل الوجود الإنساني في هذا العالم. ومن حيث إن "التاريخ" يتم على نحو موضوعي وضروري يمكن القول بأنه صيرورة متعالية على الإرادات الفردية، لكن "التاريخ" يُعَدُّ نِتاجا للفاعلية الإنسانية كفاعلية مشروطة تاريخيا واجتماعيا بشكل يجعل صناعة التاريخ فعلًا إنسانيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مجزوءة الوضع البشري | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 18th, 2009 at 18 أغسطس 2009 11:15 م
u5dH0v ckzgpizeudup, [url=http://thgzgrqoefgp.com/]thgzgrqoefgp[/url], [link=http://whfnoupwgmgs.com/]whfnoupwgmgs[/link], http://pklfzgadhjfr.com/
أغسطس 30th, 2009 at 30 أغسطس 2009 12:38 ص
Q5Wqf2 kucfjhjnwnhz, [url=http://dkjigixerrfl.com/]dkjigixerrfl[/url], [link=http://whqcgzgakrzn.com/]whqcgzgakrzn[/link], http://ksaxjtnspzfw.com/