يا أمة ضحكت من عجزها الأمم !
كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 8 مارس 2007 الساعة: 18:10 م
نستعمل، عادة، مجموعة من الألفاظ لوصف وتمييز مختلف أشكال التجمع/الاجتماع اللتي أنشأها –ولا يزال ينشئها- "الإنسان"، واللتي كان ولا يزال يتم ضمنها تطوره على جميع المستويات. فنتحدث، بالخصوص، عن "الجمع" و"الجماعة" و"المجتمع" (أفراد يجمع بينهم شيء أو يجتمعون عليه) وعن "الأسرة/العائلة" (جماعة أفراد مكوَّنة من أب وأم وأبنائهما) وعن "العشيرة" (جماعات بينها قرابة نَسَبِيَّة تنتهي إلى جَدٍّ حقيقي أو وهمي) وعن "القبيلة" (مجموعة من العشائر التي تُدِيرُ شؤونها بشكل تقليدي يتجنب التركيز المؤسسي والمجالي للسلطة) وعن "القوم" (مجموعة بشرية أكبر من "القبيلة" تجمع بينها روابط تاريخية ولغوية وثقافية تُقَوِّم إمكان التساكن بين أعضائها على حيز جغرافي معين) وعن "الشعب" (حشود بشرية تضم قبائل و/أو أقوام مختلفة بقدر معين لغويا وتاريخيا، ومشتركة في عدد من المقومات الاجتماعية والثقافية التي تجعلها متعايشة سياسيا في بلد معين) وعن "الأمة" (تجمع بشري أوسع من "القبيلة" و"الشعب"، يتميز بوجود وعي جماعي بوحدته التاريخية والثقافية والاجتماعية، التي تتجسد في وحدة ترابية هي "الوطن" وذات سيادة تسمى "الدولة").
ونجد، في العالم المعاصر، أن "الأمم" و"الشعوب" و"الدول" متعددة ومختلفة لتعدد مكوناتها (القبائل، العشائر، الأقوام، الجماعات، الأحزاب) واختلاف ظروفها (التاريخية-التكوينية-النَّسَبِيَّة، الجغرافية-الاقتصادية-التقنية، اللغوية، الثقافية، الاجتماعية). وهكذا يمكن القول بأن "الإنسان" (الواحد بما هو نوع حيواني متميز) يختلف ويتعدد (بما هو كائن مفكر وفاعل في إطار شروط هذا العالم، اللتي ليست بالتأكيد واحدة بالنسبة لجميع الناس في كل مكان وكل زمان). وهذا معناه أن "الإنسان" واحد في الأصل والطبيعة (وحدة جوهرية)، مختلف ومتعدد في الواقع الفعلي لحياته. ومن هنا يبدو أن كل الاختلافات الحاصلة بين الناس إنما هي اختلافات عَرَضِية، طارئة واعتباطية، أي مرتبطة بشروط متغيرة ومنفصلة عن المحددات الطبيعية. لاكن، في الواقع، تجد الاختلافات بين الناس أصلها في الاختلافات الطبيعية بينهم، حيث يختلفون في اللون (أسمر، أسود، أبيض، أحمر، أصفر) والجنس (ذكر، أنثى) والنسب (القرابة بين الأبناء والآباء والأجداد) والاكتمال الخِلْقِي (بعض الناس سليم وبعضهم مُشَوَّه أو مُعَوَّق في جزء من بدنه) والمَوْطِن (شمال//جنوب، غرب//شرق ؛ جو حار// بارد، معتدل // قَاسٍ). وكون هذه الفروق طبيعية وتتجاوز الاختيار الإرادي للإنسان، لا يجعلها عرضية أو ثانوية، بل إنها في الواقع موارد بشرية تُسْتغل، بهذا القدر أو ذاكـ، لتقوية الاختلاف والتمييز على مستوى الموارد الطبيعية الأخرى (الثروات والخيرات الطبيعية المرتبطة أساسا بالأرض). من هنا فإننا بصدد فروق طبيعية تُفْرَضُ على الناس وتميز بينهم تمييزا طبيعيا، تمييز يتم تكييفه ثقافيا وسياسيا كأساس لكل الفروق الأخرى اللغوية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية.
إننا كثيرا ما نسمع بأن "الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه"، كما أكد ابن خلدون اللذي نجده يفسر ذالكـ طبيعيا : "فاللذي أَلِفَه في الأحوال حتى صار خُلُقًا ومَلَكَة وعادة تَنَزَّل منزلة الطبيعة والجِبِلَّة" (المقدمة، كتاب 1، فصل2)، أي أن ما يُكتسَب تاريخيا واجتماعيا يتحول بفعل العادة والألفة إلى "خُلُق" (سلوكـ) و"مَلَكَة" (مهارة) لهما سمات "الطبيعة" (الفطرة) ؛ بمعنى آخر : الاختلافات المكتسبة تاريخيا واجتماعيا يتم تثقيفها فتصير فروقا طبيعية وعادية (أي بديهية) تميز بين الناس، فالمكتسب (العَرَضِي، الطارئ، الاعتباطي) يُعْطَى صفة "الطبيعي"، و"الطبيعي" (الفطري، الضروري، ما لا خيار معه) يُعْطَى صفة "الثقافي" (يخضع لتكييف اجتماعي وتاريخي حيث تُبْنَى الأجساد والأذهان في صورة عادات وتقاليد). وبالرجوع إلى ابن خلدون، نجده يؤكد أيضا أن "اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش"، حيث إن أنماط تحصيل الحاجات الطبيعية هي السبب في اختلاف الأحوال والسلوكات (العوائد والأعراف).
وبناء على هذا كله، فماذا يستطيع المرء أن يقول عن أحوال "أمة العرب" (الأمة العربية) في الوقت الحالي ؟ كيف يمكنه أن يصفها في أخص ما يميزها ؟ وكيف يمكنه أن يفسر الحال اللتي توجد عليها هذه "الأمة" مقارنة بالأمم في العالم المعاصر ؟
من الناحية السكانية، نجد أن "الأمة العربية" يفوق عددها 325 مليون نسمة، يتوزعون عبر 22 بلدا في قارتي آسيا وأفريقيا (مصر، السودان، الجزائر، المغرب، العراق، السعودية، تونس، سوريا، اليمن، فلسطين، ليبيا، لبنان، الأردن، الإمارات، الكويت، عمان، البحرين، قطر، موريتانيا، الصومال، جيبوتي، جزر القمر)، على مساحة تقارب 14 مليون كلم2 (الرتبة الثانية بعد روسيا). ويتكون "العرب" من مجموعة من "الشعوب" التي تشتركـ، إلى حد بعيد، في التاريخ والثقافة واللغة والدين. ويعتبر هذا الاشتراكـ المحدد الأساسي للوحدة القومية بين "العرب". سكانيا، يأتي العرب في المرتبة الرابعة بعد الصين والهند والاتحاد الأوروبي. لكن المقارنة، في هذا المستوى، تجدر أكثر بين "الأمة العربية" و"الأمة الأمريكية" (300 مليون نسمة على 9640000 كلم2).
ومن الناحية الاقتصادية، يمتلكـ "العالم العربي" أحد أفضل المواقع السَّتْرَجِيَّة في العالم، حيث يمتد من المحيط الأطلسي في الغرب إلى الخليج بالشرق (على طول 8000 كلم)، يحده شمالا البحر الأبيض المتوسط وفي الجنوب الصحراء شمال خط الاستواء، على مساحة تقترب من 14 مليون كلم2. ومن ثم، فهو يمتلكـ قدرا من الموارد يندر وجود نظير له بالنسبة لأهم الأمم في العالم : 26550 كلم من السواحل، موارد كثيرة ومتنوعة، على مستوى الثروات النباتية والحيوانية والمعدنية والطاقِيَّة. فالبلدان العربية تمتلكـ أكثر من نصف الاحتياطي العالمي للبترول و30 ٪ من الإنتاج العالمي منه (الرتبة الأولى عالميا)، أي 85 سنة من الاحتياطي حسب وتيرة الإنتاج الحالي ؛ وتمتلكـ 30٪ من الاحتياطي العالمي في الغاز، ويبلغ الإنتاج 11٪ من الإنتاج العالمي، أي 160 سنة من الاحتياطي حسب وتيرة الإنتاج الحالي (الرتبة الأولى عالميا). وإلى جانب هذا، تمتلكـ البلدان العربية من الخيرات الطبيعية والفلاحية ما يجعلها عرضة للمطامع (معادن مختلفة، أراضٍ خصبة، مواقع سياحية، منتجات فلاحية متنوعة، مواشٍ، أسماكـ) ومنتجات بتروكيمائية ونسيجية وغذائية. وعلى الرغم من هذا كله، فإن الناتج الداخلي الخام للبلدان العربية مجتمعة لا يكاد يتجاوز 850 مليار دولار، بمعدل 2600 دولار لكل فرد. وهذا المبلغ لا يعطي لـ"الأمة العربية" سوى الرتبة العاشرة وراء كل من الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، الصين، إسبانيا، كندا ! فكيف يصح أن تتجاوز اليابان، اللتي لا تملكـ تقريبا أي شيء(127 مليون نسمة على 378000 كلم2، بناتج داخلي خام : 4750 مليار دولار) وإسبانيا (43 مليون نسمة على مساحة 43000 كلم 2، بناتج داخلي خام : 876 مليار دولار) البلدان العربية مجتمعة ؟
ومن الناحية العمرانية، فإن معظم البلدان العربية لا تزال فيها نسبة التمدن في حدود 50 ٪ أو أقل، حيث يعاني السكان كل الآفات والمناقص المرتبطة بالسكن في البادية، بل إن المدن نفسها لا تمثل، على الحقيقة، سوى "بَوَادٍ منقولة" أو "مدن بدوية"، إذ يسود فيها التعمير العشوائي وتخلو من أهم المرافق الحيوية والضرورية !
ومن الناحية الاجتماعية والسياسية، لا تزال البلدان العربية تحتفظ، إلى حد كبير، بالبنيات التقليدية العتيقة، حيث إن المجتمع العربي يُعَدُّ نظاما مُرَكَّبًا تتعايش فيه، على نحو عجيب، القبائل والعشائر والمنظمات والمؤسسات الحديثة (الأحزاب، الجمعيات، النقابات) ؛ مما يجعل "المجتمع المدني" متعثرا وضعيفا و، من ثم، فإن "الدولة" لا تزال شكلا هجينا وهشا يفتقد التجذر الاجتماعي والمؤسسي اللذي من شأنه أن يَكْفُل التداول السِّلْمي للسلطة والتدبير العقلاني للشأن العام. وهذا ما يؤكده تقرير التنمية البشرية (2006) بقوله « تجسد الدولة العربية، إلى حد كبير، التجلي السياسي لظاهرة "الثقب الأسود" الفلكية، حيث تشكل السلطة التنفيذية "ثقبا أسود" يُحَوِّل المجال المحيط به إلى ساحة لا يتحركـ فيها شيء ولا يُفْلِت من إسارها شيء» !
من الناحية الدينية، نجد أن "العرب"، اللذين يمثل المسلمون بينهم أغلبية (95٪)، هم اللذين يقدمون أسوء صورة عن "الدين" (أي عن "الإسلام")، حيث إنهم يمثلون كل مظاهر الأزمة والتخلف، مقارنة ببقية المسلمين اللذين هم الأغلبية (الأندونيسيون، الهنود، الباكستانيون، الصينيون، النيجيريون، الأتراكـ، الإيرانيون : هؤلاء وحدهم يمثلون ضِعْفَ العرب في عدد السكان والقوة الاقتصادية والتقنية والعلمية !). وليس يُسْتَبْعد أن يأتي يوم يصير فيه المسلمون "العجم"، خصوصا في أوروبا وأمريكا، مصدر التجديد الحقيقي في الإسلام بالعصر الحالي !
ومن الناحية التعليمية، تُعَدُّ نُظُم التعليم العربي إحدى أسوء النظم في العالم، إذ أنها ليست، في الغالب، سوى نسخ سخيفة وضحلة من النظم الأروبية والأمريكية، نسخ تُكَرِّر وتستعيد الهيمنة الثقافية والحضارية للغرب على كل المستويات. ويكفي أن نعرف أن خريجي الجامعات العربية مضطرون، في معظمهم، إلى الهجرة إلى الخارج لاستكمال تكوينهم أو استثمار كفاآتهم !
ومن الناحية العلمية والتقنية والثقافية، كم تُرَى يُنْتِج "العرب" مجتمعين على مستويات الفكر والأدب والفن والعلم والتقنية ؟ نجد أن النشر بالعالم العربي لا يمثل سوى 7 ٪ بالنسبة للنشر في العالم، حيث إن نصيب كل مليون عربي من الكتب المنشورة لا يتجاوز 30 كتابا، وذلكـ في مقابل 584 كتابا لكل مليون أوروبي و212 لكل مليون أمريكي. ولا ينشر، في أحسن الأحوال، من عنوان معين أكثر من 5000 نسخة، أما في أمريكا وأوروبا فتنشر منه عشرات الآلاف، بل إن هناكـ كتبا تتجاوز مليون نسخة ! ولعل مستوى النشر على شبكة الأنتريت خير دليل، حيث إن العربية توجد، كَمًّا وكَيْفًا، في مؤخرة لغات النشر الإلكتروني !
في هذه النواحي كلها، نجد أن "الأمة العربية" توجد في الصفوف الأخيرة من الركب الإنساني : أمة بِلَا إِمَامٍ ولَا أَمَام. وهكذا، فإذا كانت "الأمة العربية" تستحق شيئا، في العالم المعاصر، فهو أن تكون "ضُحْكَة" بين الأمم، لعجزها البَيِّن في كل شيء. فهي لا تصلح لشيء آخر سوى أن يُضرب بها المثل-النقيض في الفُرْقَة والمَهَانَة والتخلف. وإذا كان أبو الطيب المتنبي قد هجا، قديما، المصريين بخنوعهم لكافور الإخشيدي وعجزهم عن الخروج عليه وإقامة حكم يليق بهم، فإن "العرب" اليوم يستحقون، كلهم، أن يُوصَمُوا ببيت المتنبي المشهور :
أَغَايَةُ الدِّين أَنْ تُحْفُوا شواربكم // يا أمَّةً ضحكت من عجزها الأمم ؟!
بل إن المرء لا يملكـ، في نهاية الحساب، إلا أن يُنْشِد للمتنبي، أيضا، قوله :
ذَلَّ من يَغْبِطُ الذليلَ بِعَيْشٍ // رُبَّ عَيْشٍ أَهْوَنُ منه الْحِمَامُ !
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهوان عليه // مَـا لِجُرْحٍ بِمَيْتٍ إِيـلَام !
تُرَى ما سر هذا العجز المُخْزِي والحال المُبْكِي ؟ إن دارسي الشأن العربي يذهبون كل مذهب في تفسير الأوضاع بالعالم العربي. لَاكِنْ، مهما يحاول المرء أن يجد تبريرا معقولا لما تعانيه "الأمة العربية" فإنه لن يستطيع إلى ذالكـ سبيلا، لأن حال العرب لا يمكن، في الواقع، أن يتحمل المسؤولية فيه أحد غيرهم. فلا أحد من الناس يمكنه أن تهون عليه نفسه إلى حد الرضى بالهوان اللذي تستنكف منه أحط الكائنات في هذا العالم. لاكن، كما قال الأجداد، «إنما يُسْتَعْتَبُ الْأَديم ذُو البَشَرَة» !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























