في نقد تَمَاسِيخْت
كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 29 أبريل 2007 الساعة: 11:04 ص
منذ بضعة عقود، أخذت تتبلور، خصوصا في المغرب والجزائر، فِكْرَى (=دعوة إلى جملة من الفِكَر والمعتقدات اللتي تُكوّن، إلى حد ما، مذهبا يُوَجِّه ممارسة فئة اجتماعية محددة) تقوم، من بين أشياء أخرى، على أن منطقة شمال أفريقيا تُعَدُّ الموطن الأصلي لقوم معينين، اشتهروا باسم "البربر" ويَحْسُن أن يسموا بـ"الأمازيغ" ؛ وهم قوم متميزون في لغتهم ونَسَبِهم وثقافتهم عن كل الشعوب والأقوام اللتي استوطنت أو استعمرت هذه المنطقة منذ فجر التاريخ، خصوصا عن "العرب" اللذين عملوا منذ أواخر القرن السابع الميلادي على نشر الإسلام والعربية بين "الأمازيغ"، مما أفقد هؤلاء كثيرا من تراثهم الثقافي، العقدي واللغوي. وبما أن العالم المعاصر قد صار يُقِرُّ حق الشعوب والأقوام في تقرير مصيرها وفي الانفكاكـ عن السيطرة الاستيطانية ويؤكد، من ثم، ضرورة حفظ التنوع الثقافي والتنوع اللغوي، فإن "الأمازيغ"- بما هم قوم متميزون لغويا وثقافيا ومن حيث هم السكان الأصليون في شمال أفريقيا- يمكن لهم، بل يجب عليهم أن يؤسسوا كيانهم المستقل لغويا وثقافيا، ولِمَ لا سياسيا أيضا، في وطنهم اللذي يُفَضِّلُ بعضهم أن يسميه "تمزغا" أو "تمزيرت".
وعلى أساس هذه الفِكْرَى، اللتي تتخذ أشكالا مختلفة في القوة والوضوح حسب الأوضاع والتيارات، يذهب بعض "الأمازيغيين"، في الداخل وفي الخارج على سواء، إلى حد اتهام "العرب" بكونهم ليسوا سوى "مستوطنين" عملوا، عبر تاريخ وجودهم بشمال أفريقيا، على مسخ "الهوية الأمازيغية" وطمس "التراث الأمازيغي"، بل لا يتردد بعض المتطرفين في اعتبارهم مجرد "غرباء" و"أجانب" يجب عليهم الرجوع، عاجلا أو آجلا، من حيث أتوا (إلى موطنهم الأصلي : الجزيرة العربية) !
وهكذا فإننا، بالفعل، في مواجهة "فِكْرَى" كفيلة باستقطاب أتباع لها، أتباع تُمْكِن تعبئتهم فكريا وعَقَدِيا من أجل خوض نضال سياسي واجتماعي يتخذ شعارا له حفظ "الهوية الأمازيغية" ويستهدف تحرير "الأمازيغ" من السيطرة العربية (بالنسبة لبعض "المتمزغين" أو "المتمازغين" يتعلق الأمر، حصرا، بسيطرة عربية-إسلامية)، اللتي طالت أكثر من اللازم واللتي كان ضحيتها لمدة قرون "الأمازيغ"، حيث فقدوا أرضهم ولغتهم وثقافتهم وحقهم في تدبير شؤونهم وَفْقَ ما يرتأون من أعراف واتفاقات وتقاليد، يرجع بعضها إلى بضعة قرون قبل مجيء العرب/المسلمين.
لا شكـ أن هذه "الفكرى"، بكل ما تتضمنه من قضايا ومعتقدات وما تقتضيه من مسلمات ونتائج، لا يمكنها إلا أن تجد استحسانا وقَبُولًا بين أقوام عانوا ولا يزالون كثيرا من مساوئ مسار تاريخي واجتماعي هو اللذي هيأ كل الظروف المناسبة لقيام واستمرار نظام سياسي عُرِف ولا يزال على ألسن المغاربة بـ"نظام المخزن"، وهو النظام اللذي عُمِّرَ قرونا طويلة واللذي تميز بإدارة انقسامية واستبدادية للشأن العام على نحو أدى إلى ترسيخ تاريخي وثقافي لآليات اجتماعية ومُؤَسَّسِية تُمَكِّن من إعادة إنتاج نفس البنيات المادية والرمزية بأهم ما صارت تتسم به من تناقض عملي وهشاشة بنيوية وعدم كفاية إجرائية. ومن هنا، فإن "الفكرى الأمازيغية" تمثل، بهذا القدر أو ذاكـ، نوعا من "الثقافة المضادة"، من حيث إنها تقوم على مناهضة أوضاع تجعل قسما كبيرا من السكان يحتل موقع "الدونية" ماديا و/أو رمزيا، مما يجعلهم مهيئين لتلقي أي دعوة أو "فكرى" تضمن لهم، على هذا النحو أو ذاكـ، إقامة حركة احتجاج ومطالبة. ولهذا، فإن أي تناول نقدي لهذه "الفكرى" يتعين عليه أن يفحصها من أجل تَبَيُّن مدى اتساقها الفكري ومشروعيتها التاريخية ونجاعتها الفعلية.
ولعل أول ما يلمسه المرء، بهذا الصدد، هو أن الحديث عن "الأمازيغية" مع إعطائها بعدا لغويا أو قوميا متميزا يُعَدُّ نوعا فِجًّا من العمل الفكري، حيث إنه لا يتردد في بناء ما هو تاريخي واجتماعي في صورة ما هو طبيعي وبديهي، فينتهي، من ثم، إلى إنزاله منزلة ثابت بشري يصح أن يُقَوِّمَ هُوِيَّة أو ماهية الإنسان في هذا القسم من الأرض اللذي يسمى "المغرب العربي". حقا إن "الأمازيغية" لا تختلف في هذا عن غيرها من الحركات "التحررية" (القومية العربية، حركة الانفكاكـ عن السيطرة الاستيطانية، الحركة الاسلامية، إلخ.) اللتي كثيرا ما تقوم على تبني ما هو اعتباطي (=ما هو طارئ ومحدد بالنسبة إلى شروط معينة، مما يجعله لا يكون ضروريا إلا في مجال وجود وفعل هذه الشروط، وبالتالي فهو ليس ثابتا وجوديا، كليا وكونيا) وإقامته كما لو كان شيئا لا يثير أي نقاش ويمتنع على كل نقد ومراجعة.
ومن ثم، فحينما يتم الحديث عن "الأمازيغية" كـ"لغة" ذات حق في الاستعمال مُساوٍ لحق أي لغة أخرى، فإنه يتم في الغالب التسليم بوجود "لسان أمازيغي" بكل الصفات المميزة لـ"اللسان" (نسق رمزي يَكْفُل أداء كل وظائف التواصل في جماعة معينة). لاكن اللذين يُصِرُّون على مثل هذا الزعم لا يملكون، في واقع الممارسة الفعلية، أي شواهد حقيقية تثبت وجود "لسان أمازيغي" بهذه الخصائص. ذالكـ بأن كل ما هو قائم، في واقع التواصل الفعلي المتعلق بفئات المتخاطبين بالمجتمع المغربي، إنما هو طُرُق في التكلم متراكبة ومتداخلة، بالغة التنوع ولصيقة بالتغير، على النحو اللذي يجعل إمكان عزل نمط تواصلي، بصفته متسقا ومنسجما، نوعا من "الاصطناع" المتعالي على واقع الممارسة والناتج عن تأمل نظري يعد من اختصاص اللذين يتخذون "اللغة" موضوعا مقصورا على النظر الفكري المجرد. وهذا بالفعل هو ما قام وما زال يقوم به اللغويون والنُّحَاة في كل المجتمعات وفي كل العصور. إذ أنهم يُنْتِجُون، بعد كل أعمال التحويل والقلب والحذف، ما يسمى "اللسان المعياري" أو "اللسان المُبِين/الفصيح"، اللذي يجب أن يفرض نفسه على كل فئات المتكلمين في مجتمع معين. وكل الألسن، القائمة في العالم اليوم، حينما نبحث في تاريخ تكوُّنها، نجدها قد سُوِّيَت بـ"كيفية مصطنعة" على حساب طرق التكلم الطبيعية للناس في حياتهم اليومية والعادية ؛ وذالكـ بفعل نوع من التبادل التداولي والتنازعي، اللذي يخضع لشروط تاريخية واجتماعية واقتصادية محددة واللذي يعطي، في الحقيقة، المشروعية لطريق معين في التكلم دون آخر. لهذا، فإن تقديم "لسان" معين باعتباره اللسان المعياري والفصيح، اللذي يجب اكتسابه واستعماله في محيط مجتمعي معين، عمل يُغفِل أن "اللسان"، بصفته كذالكـ، ليس سوى نتاج مصطنع من جراء سيرورة اجتماعية محددة بالنسبة لشروطها الخاصة ؛ وأنه لا يملكـ، مهما يَدَّعِ الساهرون عليه، أن يصير طبيعيا وبديهيا، إلا بناء على عملية تطبيع وتسويغ (=تَشْرِيع) تُعطيه مبرراته في واقع الاستعمال ؛ وهي المبررات اللتي تشتغل، في الآن نفسه وتدريجيا، كأسانيد لإعادة إنتاج الاعتقاد في جدارة هذا "اللسان" –دون غيره- بالاستعمال ؛ مما يشير إلى أن الأمر يتعلق بسيرورة اجتماعية وتاريخية لنقل الأشياء العادية من رتبة "المدنس" (ما هو طبيعي ومُتَدَنٍّ ومبتذل) إلى رتبة "المقدس" (ما هو بديهي ومتعارف ومشروع). وهذا يجعلنا نستنتج أن اللذين يعملون، من أجل التمكين لـ"الأمازيغية، على مناهضة ومهاجمة "اللسان العربي" (باعتباره "لسانا مقدسا" يمارس هيمنة وجودية-لاهوتية على الاستعمالات اللغوية في كل المجتمعات اللتي تسمى عربية-إسلامية واللتي منها المجتمع المغربي)، إنما يقترفون - بوعي أو بدونه- نفس ما يؤاخذون به "العرب المستوطنين" : ألا يقومون بتسوية "لسان مصطنع" على حساب "لهجات أمازيغية" تُستعمل في التواصل اليومي بمختلف أنحاء المغرب ؟ ألا يسكتون، من ثم، عن الاعتباطية المميزة لما يُسوُّونه كـ"لسان معياري"، وهو السكوت اللذي يفضح توجههم المغرض في سوق الإنتاج الرمزي والثقافي ؟ وكيف يستطيعون أن يتجاهلوا ما يمارسونه من عنف مادي ورمزي في سعيهم وإصرارهم على إثبات مشروعية نتاجهم المصطنع هذا ؟
لذالكـ، فإن السؤال، اللذي يجدر طرحه في هذا المستوى واللذي يَغْفُل عنه دعاة تفصيح وترسيم "الأمازيغية"، هو كيف يمكن العمل على الانفكاكـ عما هو اعتباطي في الحياة الاجتماعية للناس بشكل عام، سواء أتعلق الأمر بما هو لغوي أم بما هو ثقافي ؟ وهذا السؤال يَؤُولُ، في الحقيقة، إلى التساؤل عن سُبُل الانفكاكـ عن الضرورة التي يفرض بها ما هو اعتباطي نفسه، أي البحث عن كيفيات واقعية للخروج من حال الإكراه والإلزام إلى حال الاختيار والتحرر، خصوصا أن الحديث عما هو اعتباطي يرتبط بفكرة أن الأمور تتم في هذا العالم خارج الضرورة وبعيدا عن الحكمة. لاكن الإنسان لا يكون، بالفعل، جديرا بوجوده في هذا العالم إلا إذا كان قادرا على تحمل المسؤولية عما يفعل وعما يعيش. ومن هنا فإن كون "اللغة"، بشكل عام، نتاجا اعتباطيا (شاهده الأمثل هو هذا التكاثر اللانهائي للألسن عبر التاريخ وعبر العالم) خاضعا، في واقع الممارسة، لشروط اقتصادية واجتماعية وثقافية، يجعل التفكير في لسان ما تفكيرا في محددات المشروعية اللغوية بمجتمعه الخاص ؛ ومن ثم، التفكير في إمكانات مقاومة العنف الرمزي (المرتبط بسوق معينة للاستعمالات اللغوية)، على النحو اللذي يُمَكِّن، في نهاية المطاف، من توسيع عُمُومي ومُؤَسَّسي لوسائل الوصول إلى الكلام المشروع (أي توسيع هامش الحرية والانفكاكـ عما هو اعتباطي). وهذا لا يتم إلا بنشر وسائل الوصول إلى ممارسة عملية لتفكير انعكاسي (نقدي) في حدود وإكراهات طرق التكلم، وهو النشر اللذي يرتبط بإقامة تدبير عقلاني لسوق التداول اللغوي بالمجتمع (إدارة التفاوت في الموارد اللغوية من دون الخضوع الأحادي لمورد بعينه ومن دون السقوط في إهدار مورد ثبت، على نحو مؤقت، نفعُه/نجاعته).
والأمر نفسه ينطبق على المكوِّن الثقافي في "الأمازيغية". إذ لا تقل الأشكال الثقافية الأخرى (الأساطير، الفنون، المعتقدات والشعائر الدينية، الألبسة، آداب المائدة، إلخ.) اعتباطية في مقارنتها باللغة ؛ الأمر اللذي يجعل النزوع نحو الاحتفاء بـ"الموروث الثقافي"، أو تجديد الاعتبار لبعض الممارسات الثقافية، نوعا من التقديس المُتَخَفِّي لمدنسٍ نَسِيَ الناس أنه كذالكـ، بفعل نسيانهم لشروط تكوّنه وملابسات تطوره التاريخي. ولذا فإن أي شكل ثقافي لا يكتسي أهميته الفعلية إلا من حيث قوة حضوره في تكريس نمط ما من أنماط السيطرة المادية والرمزية القائمة في المجتمع الخاص حيث يشتغل. وهذا يقود إلى أن قيمة ما هو ثقافي لا تبدو إلا في نهاية ممارسة تقوم على تبيُّن الاشتغال العادي للضرورة التاريخية والاجتماعية كما تتجسد في المؤسسات والآليات اللتي ينتج الناس من خلالها وجودهم في هذا العالم. وبالتالي، فإن الميل الشائع إلى تبجيل "الموروث الثقافي" (باعتباره يُقَوِّم "هوية" الشعب أو الأمة) لا يعبر سوى عن إرادةٍ لتطبيع ما هو اعتباطي في الأساس، بحيث يمتنع على أي مساءلة منهجية تستهدف اكتشاف الضرورة العملية اللتي تجعل أعضاء مجتمع ما مرتهنين لشروط وجودهم الخاص. وإن أهم ما يميز هذه الإرادة لَهُو كونها تنتزع (أي تُجَرِّد) المعيش اليومي للناس من سياقه العملي وتجعله، من ثم، لا تاريخيا، أي – بالتحديد- لا إنسانيا. وهذا مسعى لا يساعد، إطلاقا، على فهم الفعل الإنساني في هذا العالم ؛ ولا يُمَكِّن، من ثم، من القيام بتأسيس عملي للحرية الإنسانية ؛ وهو التأسيس اللذي بإمكانه – وحده- أن يسمح بالحديث عن نوع من المعقولية والمسؤولية.
ولذالكـ، فإن "الفكرى الأمازيغية" (وما يرتبط بها من "كتابات/خطابات أمازيغية" و"تحرُّكـ/نشاط أمازيغي") تبدو كاملة حينما ننظر إليها في إطار تحولات المجتمع المغربي، خصوصا منذ انتهاء الحمايتين الفرنسية والإسبانية (منذ خمسة عقود). وهنا، نجد أن كون المجتمع المغربي عرف ولا يزال نوعا من الاشتغال وَفْق النموذج الانقسامي (القائم على آليات تقليدية أو تقليدية-مُحْدَثة في الموالاة والمعاداة) يجعل من المحتمل جدا أن يتم تأويل الصراعات والتمايزات على أساس الانتماء القومي أو اللغوي أو الجهوي (أمازيغي مقابل عربي، عامي مقابل فصيح، شمالي مقابل جنوبي)، خصوصا كما حدث خلال الحقبة الاستيطانية. ويضاف إلى هذا كون الحركة الوطنية، في سعيها إلى نيل الاستقلال، لم تستطع أن تتجاوز حدود الآليات والرهانات اللتي كان يشتغل بها "نظام المخزن" ؛ الأمر اللذي أدى إلى تعزيز التدبير الانقسامي والاستبدادي للشأن العام وإلى الحد من آفاق الانخراط في سيرورة التأسيس الحديث لـ"الدولة-الأمة" (كمجال لإدارةٍ مدنية ورَاشِدةٍ لأشكال التفاوت الاجتماعي والصراع السياسي). ولعل سياسة "التعريب"، بالكيفية اللتي خُطِّطَت وطُبِّقت (منذ الاستقلال)، تُعَدُّ تعبيرا نموذجيا عن نوع الإعاقة اللتي يمثلها "نظام المخزن" لتطور المؤسسات والآليات الناتجة عن ترسيخ "الدولة-الأمة" (كإطار حديث لتدبير ديموقراطي لأشكال التعدد والتنوع في المجتمع المدني).
ونجد، على مستوى آخر، أن التحوّل اللذي عرفه "اليسار" المغربي، بعد عقود من المواجهة المفتوحة مع النظام الملكي، هيأ لظهور كيفية جديدة في الممارسة السياسية، بفعل ما تعرضت له قُوَى "اليسار" من استنزاف ازدادت حدته بعد سقوط "الفكرى الاشتراكية" بانهيار المعسكر الشرقي في نهاية التسعينيات من القرن الماضي ؛ مما أدى، إلى حد بعيد، إلى تبلور نوع من الاستقالة بين كثير من مناضلي "اليسار" وإلى تعاون بعضهم مع النظام القائم، حيث صار من الضروري تجديد "الفكرى" الكفيلة بالاستقطاب والتعبئة في مجتمع تسارعت فيه وتيرة التحولات على كل المستويات، من دون أن يتمكن من تجاوز كل التناقضات المترتبة، في آن واحد، عن الاختلالات اللتي تسبب فيها نظام الحماية والتعقيدات اللتي دخل فيها "نظام المخزن" بعد الاستقلال. وهذا هو السياق اللذي هيأ المجال (الاجتماعي والسياسي) لقيام "الحركة الإسلامية"، باعتبارها نتاجا لكل الظروف اللتي أحاطت، منذ ستينيات القرن الماضي، بالمجتمع المغربي (وليس هو وحده) واللتي ليس أقلها السياق العالمي في خضم ما سمي "الحرب الباردة" كترجمة للمواجهة بين الشيوعية (الملحدة) والرأسمالية (المستغِلَّة). ولقد ساهمت هذه الحركة، من جهة، في تسريع تراجع اليسار وأدت، من جهة أخرى، إلى استئناف حركة الاحتجاج والمطالبة، خصوصا بعد اندحار و/أو انقلاب المعارضة اليسارية. ومن هنا، فإن ضرورة مواجهة المد "الإسلامي" (كقوة اجتماعية وسياسية) فرضت البحث عن كيفية لإيجاد بديل لـ"الفكرى الاشتراكية"، ومن ثم العمل على ضمان نوع من التجذر الثقافي والاجتماعي للشكل الجديد من "الفكرى". وهذا ما نجد "الحركة الأمازيغية" قد انخرطت فيه، بوعي أو من دونه، في سياق عالمي يقوم على تجديد سبل السيطرة (للقوى النافذة عالميا) من خلال نظام العولمة بفِكْرَاه القائمة على شعارات "الحرية الاقتصادية" و"الحرية السياسية" و"الحرية الثقافية" وبمخططاته في تقوية التقاطبات القومية والصراعات المذهبية لفسح المجال أمام التحكم المنقذ للشركات العابرة للتقوقع القومي والمتجردة من الانغلاق المذهبي.
وبناء على هذا كله، تبدو "الفكرى الأمازيغية"، كما تم حتى الآن عرضها وفرضها، نوعا من التأويل، المحدد تاريخيا واجتماعيا، لمسار تاريخي وسياسي كان ولا يزال يجعل قسما كبيرا من السكان المغاربة يُعَاني ماديا و/أو رمزيا في خضم "نظام المخزن" (بكل ما يميزه كنظام مجتمعي ومؤسسي قائم على إدارة انقسامية وتدبير استبدادي للشأن العام). وإنه لمن المفارقة أن هذا "النظام المخزني" لا يفرق، في زبنائه وضحاياه، بين "أمازيغي" و"عربي"، لأن قدرته على إعادة إنتاج المأساة والمعاناة الاجتماعية، اللتي تحتضن تبلور أشكال الاحتجاج والمطالبة، تعد متساوية بالنسبة لكل فئات السكان، بغض النظر عن أصولهم القومية أو اللغوية أو الثقافية (المتعددة والمختلفة بالضرورة). ويترتب على هذا أن أي تركيز قومي أو لغوي أو ثقافي لتلكـ المأساة أو المعاناة الاجتماعية باعتبارها شرًّا ينزل بثقله على فئة معينة من الفئات المكوِّنة للمجتمع المغربي (فئة يمكن تمييزها قوميا أو لغويا أو ثقافيا)، إنما هو تحريف أو مسخ فِكْرَوِيٌّ يجد تفسيره الكامل بالنسبة لشروطه المحدِّدة اجتماعيا وسياسيا. ومن هنا فإن الحديث عن "الفكرى الأمازيغية"، بصفتها نوعا من "تماسيخت" (=مسخا)، ليس مجرد لعب لغوي يبتغي حلا افتراضيا لما يصعب نقضه واقعيا، وإلا لكان الأمر يتعلق بتوهم لا يختلف كثيرا عن التوهم اللذي كان في أصل قيامه واللذي يوجد في عمق البناء الفكري والاعتقادي لـ"الحركة الأمازيغية"، بمختلف توجهاتها وكما تبلورت في العقود الأخيرة بين "المتمزغين" أو "المتمازغين" في الداخل والخارج على سواء.
إن كون "الفِكْرَى"، عموما، تتضمن وتُلابس جانبا عاطفيا مهما في حياة الناس، يجعل أي نقد يتناولها عُرْضَة، بنسبة كبيرة جدا، لسوء الفهم، بل لإساءة التأويل ؛ ليس فقط من طرف معتنقي "الفكرى"، وإنما أيضا من طرف بعض أنصاف المثقفين (خاصة بين الصحافيين والإعلاميين) اللذين يستسهلون الاشتغال الفكري ويستصعبون التفكير على نحو يُخَيِّب، لا فقط آمال وانتظارات الجمهور المتلقي (أي عامة الناس)، بل كذالكـ إيمانهم الراسخ بامتيازهم الخاص المتعلق بكونهم أشد الناس تمتعا بالحرية تجاه إكراهات الواقع العملي، اللذي يحيط من كل جانب بممارستنا اليومية (بما فيها تعاطي التأمل حول مشكلات الواقع). ولذا، لا يُستبعد أن يكون مضمون هذا المقال موضوعا لكل الاحتمالات الممكنة، بما في ذالكـ احتمال أنه يعبر عن نوع من الفُسُولة الفكرية أو الضغينة الاجتماعية (في العرف السائد الكراهية العنصرية أو التطرف القومي) ! وكم يهون الأمر لو أن مثل ذالكـ التخريج كان يسعف في إيجاد الحلول المنشودة للمشكلات القائمة، بما فيها تلكـ المتعلقة بإنتاج الخطاب حول مشكلات الواقع !
إن ما يسعى كثير من "المتمزغين" أو "المتمازغين" إلى تفاديه، بكل ثمن، إنما هو الإفصاح عن نوع المصالح اللتي يقتضيها حديثهم وعملهم من أجل "القضية الأمازيغية" واللتي تمثل القوة الحافزة لهم. لذا، وبدلا من السقوط في أشكال الإسفاف المألوفة والحديث عن "الخيانة" و"العنصرية" (وهي موجودة، بالتأكيد وعلى الأقل، لدى بعض المتدخلين في هذا المجال)، ينبغي تلمس طريق -محدد بشكل منهجي- لِاكتشاف ذالكـ النوع من "الإغراض" (في مقابل ما يُعْلَن، عادة، من "إعراض" عن طلب أي مصلحة) اللذي تحدده شروط اجتماعية وتاريخية فتجعله، إلى حد بعيد، لصيقا بطبيعة الوجود الإنساني في هذا العالم، من حيث إن التوزيع المتفاوت لـ"الموارد" الطبيعية يتسبب في تفاوت اجتماعي على مستوى كل شيء تقريبا، خصوصا في صيغ الإدراكـ والفكر والفعل اللتي تُقَوِّمُ وُجُود الناس كفاعلين اجتماعيين واللتي ليست سوى استدخال للبنيات الموضوعية المكوِّنة للعالم الاجتماعي. وكل هذا يتعين تأكيده للتمكن من إدراكـ الواقع الفعلي للمجتمع المغربي، بكل تعقده اللذي يتجلى في التداخل، على المستوى القومي واللغوي والثقافي، بشكل عميق يستعصي نهائيا على الفصل/التمييز (بمعنى التبسيط والاختزال) كما يتصوره كثير من المتدخلين المُهَرِّجين في المجال العمومي (في حديثهم عن "الأصيل" و"الدخيل" أو عن "المحلي" و"المستوطن" أو عن "الأمازيغي" و"العربي"). وبالتالي فإن العمل على حل المشكلات المرتبطة بهذا الواقع يستلزم، بالضرورة، تحصيل معرفة حقيقية وعملية به. لاكن هذا ليس أمرا خاصا بالمجتمع المغربي، إذ لا نكاد نجد أي مجتمع، في العالم المعاصر، لا يعرف تعددا قوميا ولغويا وثقافيا، قد يبلغ حدا بعيدا من التعقد والتشعب بفعل ما يتسم به تاريخه التكويني من عمق وبفعل تداخل الشروط المتحكمة فيه. ولذا قُلْ لنا بربكـ : كيف تستطيع بجرة قلمٍ أن تحدد، بكل موثوقية وفي خضم تاريخ قروني طويل مليء بالتداخلات والتناقضات والتعقيدات، هذا "الأمازيغي" اللذي هو وحده الجدير بكل أصالة أن يكون "الإنسان المغربي" ؟ ألا إن بعض "المتمزغين" أو "المتمازغين" يُحِبُّون، مثلهم في هذا كمثل كل القَوْمَانيين والهُوِيَّانيين، أن يرسموا واقعا يُرضي تَوَهُّمَاتهم المُجَنَّحة. لاكنهم، في الحقيقة، لا يشعرون أو لا يريدون أن يشعروا بأن الأجنحة، مهما تكن جاذبيتها، لا تستطيع أن تَقْلِبَ التَّوَهُّم إلى واقعٍ إلا بالنسبة للذين نرى أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























