اقتصاد استعمالات اللغة
كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 4 مايو 2007 الساعة: 01:05 ص
اِعْتَادَ ﭐلْحُكَمَاءُ أَنْ يُعَرِّفُوا ﭐلْإِنْسَانَ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ. وَكَانَ قَصْدُهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِنَّ مَنَاطَ تَمَيُّزِ ﭐلْإِنْسَانِ ﭐلنَّوْعِيِّ يَقُومُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى ﭐلنُّطْقِ. وَيُفْهَمُ مِنَ ﭐلنُّطْقِ، عُمُومًا، ﭐلْبَيَانُ وَيُخَصَّصُ بِـﭑلْإِدْرَاكِـ وَﭐلْعَقْلِ. وَفَحْوَى هَذَا أَنَّ ﭐلتَّعْبِيـرَ عَنِ ﭐلْمَقَاصِدِ وَتَبْلِيغَهَا فِي عَالَمِ ﭐلْبَشَرِ لَا يَنْفَكُّـ عَنِ ﭐسْتِعْمَالِ ﭐللُّغَةِ، حَيْثُ إِنَّ بَيَانَ ﭐلْإِنْسَانِ مَقَاصِدَهُ وَطَلَبَهُ لَهَا يَرْتَبِطَانِ بِـﭑسْتِعْمَالِ نِظَامٍ مِنَ ٱلْعَلَامَاتِ يَبْلُغُ شَكْلَهُ ﭐلْأَمْثَلَ فِي ﭐللُّغَةِ ﭐلْمُفَصَّلَةِ. فَـﭐللُّغَةُ، إِذًا، ظَاهِرَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ تَتَمَثَّلُ فِي مَجْمُوعِ عَلَاقَاتِ ﭐلتَّوَاصُلِ ﭐلرَّمْزِيِّ بَيْنَ ﭐلنَّاسِ، ﭐللَّتِي لَيْسَ ﭐلْكَلَامُ وَﭐلْكِتَابَةُ إِلَّا أَبْرَزَ تَجَلِّيَاتِهَا.
وَتَتَمَيَّزُ ﭐللُّغَةُ ﭐلطَّبِيعِيَّةُ بِأَنَّهَا نَسَقٌ مِنَ ﭐلْعَلَامَاتِ يُيَسِّرُ وَظِيفَةَ ﭐلتَّوَاصُلِ بَيْنَ ﭐلنَّاسِ وَيَتَجَسَّدُ فِي مَجْمُوعِ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْمُتَكَلَّمَةِ فِي مُخْتَلِفِ ﭐلْمُجْتَمَعَاتِ ﭐلْبَشَرِيَّةِ. وَتَتَمَثَّلُ أَهَمُّ خَصَائِصِ ﭐللُّغَةِ ﭐلطَّبِيعِيَّةِ فِي أَنَّ ﭐلْعَلَامَاتِ ﭐللَّتِي تُكَوِّنُ ﭐللِّسَانَ ﭐعْتِبَاطِيَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا نِسْبِيٌّ، يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ ﭐلرُّمُوزِ ﭐللُّغَوِيَّةِ لَا تَدُلُّ إِلَّا بِدُخُولِهَا فِي عَلَاقَاتٍ تَقَابُلِيَّةٍ لَا يَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ ﭐلدَّالِّ وَﭐلْمَدْلُولِ غَيْرُ ﭐلِاصْطِلَاحِ أَو ﭐلمُوَاضَعَةِ مِنْ طَرَفِ ﭐلْمُسْتَعْمِلِيـنَ، أَيْ رُسُوخُ ﭐلِاسْتِعْمَالِ وَتَوَاتُرُ ﭐلتَّدَاوُلِ ؛ وَﭐلثَّانِي مُطْلَقٌ يَرْتَبِطُ بِكَوْنِ ﭐلْعَلَاقَاتِ ﭐللَّتِي تُؤَلِّفُ بَيْنَ ﭐلْأَسْمَاءِ وَﭐلْمُسَمَّيَاتِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى مَنْطِقِ نِظَامِ ﭐللُّغَةِ وَمُتَمَيِّزَةٌ عَنْ نِظَامِ ﭐلْوَاقِعِ ﭐلْعِيَانِيِّ، أَيْ أَنَّ نِظَامَ ﭐللُّغَةِ لَا يَعْكِسُ وَلَا يُمَثِّلُ بِـﭑلضَّرُورَةِ نِظَامَ ﭐلْأَشْيَاءِ كَمَا هِيَ فِي ﭐلْوُجُودِ ﭐلْعِيَانِيِّ.
إِنَّ كَوْنَ ﭐللُّغَةِ نَسَقًا ﭐعْتِبَاطِيًّا يُعَيِّنُ حُدُودَهَا ﭐلطَّبِيعِيَّةَ وَيُؤَكِّدُ، فِي ﭐلْوَقْتِ نَفْسِهِ، ﭐنْفِتَاحَ إِمْكَانَاتِهَا فِي نَقْلِ ﭐلتَّجْرِبَةِ ﭐلْمَعِيشَةِ نَقْلًا لَا يُمَاثِلُهَا فِيهِ أَيُّ نَسَقٍ آخَرَ. وَهَكَذَا فَإِنَّ ﭐللُّغَةَ ﭐلطَّبِيعِيَّةَ تُعَدُّ نِظَامًا ﭐعْتِبَاطِيًّا بِـﭑمْتِيَازٍ ؛ إِذْ فِي ﭐلْمَدَى ﭐللَّذِي تَتَعَيَّنُ حُدُودُهَا فِي عَلَاقَتِهَا بِـﭑلنَّمَطِ ﭐللَّذِي يُمَيِّزُ ﭐلْأَشْيَاءَ فِي ﭐلْوَاقِعِ، لَا تَبْدُو مَعَ ذَالِكَـ إِلَّا بِصِفَتِهَا نَسَقًا تَوَاصُلِيًّا يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى ﭐلْكَائِنَاتِ ﭐلْإِنْسَانِيَّةِ بِـﭑلْبَدَاهَةِ ذَاتِهَا ﭐللَّتِي تُغَطِّي ﭐعْتِبَاطِيَّتَهُ وَتُكْسِبُهُ ﭐلنُّزُولَ ﭐلْإِكْرَاهِيَّ ﭐلْمُمَيِّزَ لِلْقَدَرِ ﭐلْوُجُودِيِّ وَﭐلضَّرُورَةِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ ﭐللُّغَةَ تُوصَفُ بِأَنَّهَا مُؤَسَّسَةٌ تَارِيـخِيَّةٌ-ﭐجْتِمَاعِيَّةٌ تَضْبِطُ ﭐلنَّشَاطَ ﭐللُّغَوِيَّ لِلْمُسْتَعْمِلِيـنَ، مِمَّا يَجْعَلُهَا مَجْمُوعَةً مِنَ ﭐلْأَبْنِيَّةِ ﭐللَّاشُعُورِيَّةِ وَﭐلْمُطَبَّعَةِ ﭐللَّتِي تَسْتَعْصِي عَلَى ﭐلتَّغْيِيـرِ ﭐلْإِرَادِيِّ ﭐللَّذِي يَجْهَلُ أَوْ يَتَجَاهَلُ كَوْنَ ﭐللُّغَةِ تَنْتَمِي إِلَى جُمْلَةِ ﭐلْإِنْتَاجَاتِ ﭐلتَّارِيـخِيَّةِ وَﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ ﭐلْمُرْتَبِطَةِ بِبِنْيَاتٍ وَأَوْضَاعٍ لَيْسَتْ دَائِمًا رَمْزِيَّةً خَالِصَةً، بَلْ إِنَّهَا مُسَجَّلَةٌ فِي وَاقِعِ ﭐلتَّبَادُلَاتِ ﭐلِاقْتِصَادِيَّةِ وَﭐلصِّرَاعِيَّةِ لِلْوُجُودِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ لِلْبَشَرِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ ﭐللُّغَةَ تَنْتَمِي إِلَى مَجَالِ ﭐلْأَنْسَاقِ ﭐلرَّمْزِيَّةِ ﭐللَّتِي يَتِمُّ إِنْتَاجُهَا وَﭐسْتِعْمَالُهَا فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ عَلَى نَحْوٍ لَا تَنْفَكُّـ فِيه ﭐلْوَظَائِفُ ﭐلتَّوَاصُلِيَّةُ وَﭐلْمَعْرِفِيَّةُ عَنِ ﭐلْمُقْتَضَيَاتِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ وَﭐلتَّبِعَاتِ ﭐلسُّلْطَوِيَّةِ. وَلِذَا فَإِنَّ ﭐسْتِعْمَالَ ﭐللُّغَةِ لَيْسَ فِعلًا لُغَوِيًّا مَحْضًا وَلَيْسَ كَذَالِكَـ ٱنْعِكَاسًا آليًّا، عَلَى ﭐلْمُسْتَوَى ﭐللُّغَوِيِّ، لِمُعْطَيَاتِ ﭐلْوَاقِعِ وَعَلَاقَاتِ ﭐلتَّفَاعُلِ ﭐلتَّارِيـخِيِّ وَﭐلِاجْتِمَاعِيِّ ؛ وَذَالِكَـ لِأَنَّ ٱلتَّكَلُّمَ لَا يَنْتُجُ حَصْرًا عَنْ مَلَكَةٍ لُغَوِيَّةٍ وَلَا يَسْتَجِيبُ بِـﭑلضَّبْطِ إِلَى شُرُوطِ تَوَزُّعِ وَﭐنْتِظَامِ ﭐلْحَيَاةِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ.
تَبْدُو ﭐللُّغَةُ، إِذًا، مَجْمُوعَةً مِنَ ﭐلْبِنْيَاتِ ﭐلدَّالَّةِ ﭐللَّتِي أَنْتَجَهَا ﭐلْإِنْسَانُ عَلَى مَدَى تَقَلُّبِهِ ﭐلتَّارِيـخِيِّ وَﭐلِاجْتِمَاعِيِّ وَصَارَتْ بِفِعْلِ ﭐلتَّكْرَارِ ﭐلْمُسْتَمِرِّ وَﭐلتَّوَالُدِ ﭐلْمَوْضُوعِيِّ عَادَاتٍ لَاشُعُورِيَّةً فِي تَبْلِيغِ ﭐلْمَقَاصِدِ وَﭐلتَّوْجِيهِ إِلَى ﭐلْفِعْلِ. إِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُؤَكِّدَ، مِنَ ﭐلنَّاحِيَّةِ ﭐلْمَنْطِقِيَّةِ ﭐلْمُجَرَّدَةِ، أَنَّ ﭐللُّغَةَ مُتَمَيِّزَةٌ فِي طَبِيعَتِهَا ﭐلرَّمْزِيَّةِ عَنِ ﭐلْفِكْرِ وَﭐلوُجُودِ ﭐلْعِيَانِيِّ مَعًا (ﭐلـتَّسْمِيَّةُ ﭐللُّغَوِيَّةُ لَا تُوجِدُ ﭐلْمُسَمَّيَاتِ إِلَّا فِي ﭐلذِّهْنِ، لِأَنَّ وُجُودَ ﭐلْأَشْيَاءِ ثَابِتٌ خَارِجَ ﭐللُّغَةِ ؛ وَﭐلصُّمُّ-ﭐلْبُكْمُ يُفَكِّرُونَ رَغْمَ ﭐفْتِقَادِهِمُ ﭐلْقُدْرَةَ عَلَى ﭐسْتِعْمَالِ ﭐللُّغَةِ ﭐلطَّبِيعِيَّةِ). لَاكِنَّ ﭐلتَّجْرِيدَ ﭐلْمَنْطِقِيَّ لَمْ يَحْكُمْ قَطُّ ﭐلِاشْتِغَالَ ﭐلْعَادِيَّ لِلنَّاسِ، بَلْ إِنَّهُ لَا يَحْكُمُ حَتَّى ﭐشْتِغَالَ ﭐلْمَنَاطِقَةِ فِي حَيَاتِهِمُ ﭐلْعَادِيَّةِ. لِهَذَا لَا يُمْكِنُ، مِنَ ﭐلنَّاحِيَّةِ ﭐلْوَاقِعِيَّةِ، أَنْ تُحَدَّدَ ﭐللُّغَةُ مُنْفَصِلَةً عَنِ ﭐلْفِكْرِ وَﭐلْوُجُودِ ﭐلْعِيَانِيِّ. وَهَكَذَا فَإِنَّ ﭐكْتِسَابَ ﭐللُّغَةِ وَﭐسْتِعْمَالَهَا مُرْتَبِطَانِ حَتْمًا بِمَضَامِيـنَ فِكْرِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَمَحْكُومَانِ بِقِيَمٍ وَإِكْرَاهَاتٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِـﭑلْوَاقِعِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ وﭐلِاقْتِصَادِيِّ وَﭐلثَّقَافِيِّ حَيْثُ يَتِمَّانِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ تَعَلُّمَ/تَعْلِيمَ ﭐللُّغَةِ أَيًّا كَانَتْ لَا يَخْلُصُ إِلَّا إِذَا ضُبِطَتْ شُرُوطُ تَأْثِيـرِ كُلٍّ مِنَ ﭐلْفِكْرِ وَﭐلْوَاقِعِ عَلَيْهِ : مِمَّا يَجْعَلُ ﭐلتَّعَلُّمَ/ﭐلتَّعْلِيمَ ﭐلنَّاجِعَ لِلِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ عِنْدَنَا مُضْطَرًّا إِلَى ﭐلتَّخَلُّصِ مِنَ ﭐلِازْدِوَاجِيَّةِ وَﭐلتَّثْلِيثِ، ﭐلِازْدِوَاجِيَّةُ مَعَ تَعْلِيمِ ﭐلْبَعَثَاتِ وَﭐلتَّثْلِيثُ بِـﭑسْتِمْرَارِ ﭐلتَّعْلِيمِ ﭐلتَّقْلِيدِيِّ، ﭐلْأَوَّلُ مُنْقَطِعٌ عَنِ ﭐلْمَجَالِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ وَﭐلثَّقَافِيِّ لِوَاقِعِنَا ﭐلْمَعِيشِ وَﭐلثَّانِي بَعِيدٌ عَنْ مُعْطَيَاتِ ﭐلْعَصْرِ ﭐلْحَدِيثِ أَوْ مُنْكِرٌ لَهَا.
إِنَّهُ لَمِنَ ﭐلْبَدِيهِيِّ أَنْ تَكُونَ ﭐلْأَلْسُنُ فِي عَالَمِ ﭐلْبَشَرِ مُتَكَاثِرَةً بِقَدْرِ تَعَدُّدِ ﭐلشُّعُوبِ وَﭐلْقَبَائِلِ وَﭐخْتِلَافِ تَارِيـخِهَا وَتَفَاوُتِ ثَقَافَاتِهَا. لِذَا يَبْدُو أَنَّ ﭐلتَّفَاعُلَ بَيْنَ ﭐلْمَجْمُوعَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ يَصِيـرُ حَتْمِيًّا لِتَبَايُنِ أَلْسِنَتِهَا وَتَفَاوُتِهَا، مِنْ ثَمَّ، فِي صِيَاغَةِ مُكْتَسَبَاتِهَا ﭐلْمَعَاشِيَّةِ وَﭐلْحَضَارِيَّةِ صِيَاغَةً خِطَابِيَّةً بِوَاسِطَةِ ﭐللُّغَةِ وَرَمْزِيَّةً بِـﭑلْأَشْكَالِ ﭐلْفَنِّيَّةِ وَﭐلثَّقَافِيَّةِ. وَهَذَا ﭐلتَّفَاعُلُ ﭐلثَّقَافِيُّ وَﭐلْحَضَارِيُّ بَيْنَ ﭐلشُّعُوبِ وَﭐلْجَمَاعَاتِ لَيْسَ ﭐلنَّوْعَ ﭐلْوَحِيدَ ﭐلْمُمْكِنَ وَﭐلسَّائِدَ، إِذْ ثَمَّةَ نَوْعٌ آخَرُ تَفْرِضُهُ شِدَّةُ ﭐلتَّنَافُسِ وَﭐلصِّرَاعِ وَيَتَحَقَّقُ عَنْ طَرِيقِ ﭐلْحُرُوبِ وَﭐلسَّيْطَرَةِ ﭐلِاقْتِصَادِيَّةِ وَﭐلثَّقَافِيَّةِ وَﭐلْغَزْوِ ﭐلْإِعْلَامِيِّ.
لَاكِنَّ تَجَلِّيَ ﭐلسَّيْطَرَةِ فِي ﭐلْمَجَالِ ﭐللُّغَوِيِّ لَا يَجِدُ أَصْلَهُ فَقَطْ فِيمَا يَقُومُ مِنْ تَفَاعُلٍ وَتَصَارُعٍ بَيْنَ ﭐلْمَجْمُوعَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ قَائِمٌ فِي ﭐلِاخْتِلَافِ ﭐلْحَاصِلِ فِي ﭐسْتِعْمَالَاتِ ﭐللُّغَةِ عَلَى مُسْتَوَى ﭐلْجَمَاعَةِ نَفْسِهَا. ﻓَﭑلنَّاسُ لَا يَشْتَرِكُونَ فِي ﭐللُّغَةِ كَمَا يَشْتَرِكُونَ فِي ﭐلْهَوَاءِ وَﭐلْمَاءِ وَضَوْءِ ﭐلشَّمْسِ، لِأَنَّ ﭐللُّغَةَ كَانَتْ وَلَا تَزَالُ تُعْتَبَرُ مِنَ ﭐلْخَيْرَاتِ ﭐلنَّادِرَةِ عَلَى ﭐلْمُسْتَوَى ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ، فَهِيَ لَيْسَتْ مِلْكًا مُشَاعًا بَيْنَ جَمِيعِ أَفْرَادِ ﭐلْمُجْتَمَعِ، بِفِعْلِ ﭐخْتِلَافِ شُرُوطِ ﭐمْتِلَاكِهَا. ذَالِكَـ بِأَنَّنَا نَجِدُ أَنَّ مُسْتَعْمِلِي ﭐللِّسَانِ ﭐلْوَاحِدِ لَا يَتَمَاثَلُونَ فِي دَرَجَةِ مَقْبُولِيَّةِ أَوْ مَشْرُوعِيَّةِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنْ خِطَابَاتٍ : ﻓَﭑلْكَبِيـرُ غَيْرُ ﭐلصَّغِيـرِ، وَﭐلرَّجُلُ غَيْرُ ﭐلْمَرْأَةِ، وَﭐلنَّبِيلُ غَيْرُ ﭐلْخَادِمِ، وَﭐلْحَضَرِيُّ غَيْرُ ﭐلْبَدَوِيِّ، وَﭐلْمُتْرَفُ غَيْرُ ﭐلْعَامِلِ ﭐلْكَادِحِ، وَﭐلْمُتَعَلِّمُ غَيْرُ ﭐلْأُمِّيِّ ؛ حَيْثُ إِنَّ ﭐلْكَلَامَ مَوَاقِعُ ﭐجْتِمَاعِيَّةٌ وَمَرَاتِبُ ثَقَافِيَّةٌ وَسِيَاسِيَّةٌ تُحَدِّدُ أَحْوَالَ وَطِبَاعَ ﭐلْمُتَكَلِّمِيـنَ/ﭐلْمُتَخَاطِبِيـنَ. وَأَشَدُّ مَا يَظْهَرُ هَذَا ﭐلْأَمْرُ فِي ﭐلْأَوْضَاعِ ﭐللَّتِي تَتَحَدَّدُ فِيهَا بِقُوَّةٍ تَبِعَاتُ ﭐلسَّيْطَرَةِ، كَمَا هُوَ ﭐلْحَالُ بَيْنَ ﭐلْغَالِبِ وَﭐلْمَغْلُوبِ أَوْ بَيْنَ ﭐلْأَجْنَبِيِّ وَﭐلْمَحَلِّيِّ أَوْ بَيْنَ ﭐلْمُتَحَدِّثِيـنَ بِـﭑلْأَلْسُنِ ﭐلْأَجْنَبِيَّةِ وَﭐللَّذِينَ لَا يَتَكَلَّمُونَ سِوَى لِسَانٍ مَحَلِّيٍّ أَوْ لَهْجَةٍ عَامِّيَّةٍ. وَكُلُّ هَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّ ﭐسْتِعْمَالَاتِ ﭐللُّغَةِ تَخْضَعُ لِمَنْطِقٍ ﭐقْتِصَادِيٍّ يُمَيِّزُ بَيْنَ ﭐلْمَالِكِـ وﭐلْمُعْدِمِ وَيُعَيِّنُ أَسْوَاقًا لِلْعَرْضِ وَﭐلطَّلَبِ وَيَشْتَرِطُ ﭐسْتِشْرَافًا لِتَكَالِيفِ وَأَرْبَاحِ ﭐلْمُنْتَجَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ (بِّـﻴـﻴـرْ بُورْدِيُو، مَا مَعْنَى أَنْ تَتَكَلَّمَ : اِقْتِصَادُ ﭐلتَّبَادُلَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ، بِـﭑلْفَرَنْسِيَّةِ، مَنْشُورَاتُ فَيَارْ، 1982، ﭐلْفَصْلَيْنِ 1و2 . وَﭐنْظُرْ لِلْمُؤَلِّفِ نَفْسِهِ، إِجَابَاتٌ : مِنْ أَجْلِ إِنْسِيَّاتٍ ﭐنْعِكَاسِيَّةٍ، بِـﭑلْفَرَنْسِيَّةِ، مَنْشُورَاتُ سُويْ، 1992، ص.116-124 ؛ أَوْ تَرْجَمَتَهُ ﭐلْعَرَبِيَّةَ : أَسْئِلَةُ عِلْمِ ﭐلِاجْتِمَاعِ-فِي عِلْمِ ﭐلِاجْتِمَاعِ ﭐلِانْعِكَاسِيِّ، تَرْجَمَةُ عَبْدِ ﭐلْجَلِيلِ ﭐﻟْـﮕُـورْ وَمُرَاجَعَةُ مُحَمَّدْ بُودُودُو ؛ دَارُ تُوبْقَالْ لِلنَّشْرِ، ط1، 1997، 101-109).
وَثَمَّةَ مُسْتَوًى آخَرُ يَجْعَلُ ﭐسْتِعْمَالَاتِ ﭐللُّغَةِ مُتَفَاوِتَةً وَفْقَ شُرُوطِ ﭐلتَّنْشِئَةِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ وَدَرَجَاتِ ﭐلتَّعْلِيمِ وَﭐلتَّمَدْرُسِ. فَفِي كُلِّ ﭐلْمَجْمُوعَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ يُوجَدُ لِسَانٌ فَصِيحٌ يُعَدُّ مَصْدَرًا وَسَنَدًا لِلُّغَةِ ﭐلْمَشْرُوعَةِ أَوِ ﭐلْمُسَيْطِرَةِ، وَدُونَهُ رَطَانَةُ ﭐلرَّعَاعِ وَﭐلدَّهْمَاءِ مِنَ ﭐلنَّاسِ. إِذْ مِنَ ﭐلنَّاحِيَّةِ ﭐللُّغَوِيَّةِ ﭐلْمَحْض قَدْ لَا تَكُونُ ﭐلْفُرُوقُ ﭐلْبِنْيَوِيَّةُ، بَيْنَ لِسَانٍ مَا وَﭐللَّهَجَاتِ ﭐللَّتِي تَتَفَرَّعُ عَنْهُ أَوْ تَتَعَايَشُ مَعَهُ، مِنَ ﭐلْعُمْقِ إِلَى حَدٍّ تَجْعَلُ ﭐللِّسَانَ ﭐلْمَفْرُوضَ أَوِ ﭐلْمُسْتَعْمَلَ -بِصِفَتِهِ مِعْيَارِيًّا أَوْ رَسْمِيًّا- يَتَفَوَّقُ قِيمَةً وَوَظِيفَةً عَلَى ﭐللَّهَجَاتِ ﭐلْمُرْتَبِطَةِ بِهِ. لَاكِنَّ كَوْنَ ﭐللِّسَانِ يَحْظَى باهْتِمَامٍ مَدْرَسِيٍّ يُقَعِّدُ وَيُشَيِّدُ أُسُسَهُ وَيُكْسِبُهُ قُدْسِيَّةَ ﭐلْكِتَابَةِ وَدَوَامَهَا يَجْعَلُهُ يَفْضُلُ ﭐللَّهَجَاتِ، ﭐللَّتِي تَكُونُ فِي ﭐلْغَالِبِ خَاضِعَةً لِتَنْوِيعَاتِ ﭐلِاشْتِغَالِ ﭐلْعَادِيِّ وَمُوغِلَةً فِي ﭐلِابْتِذَالِ ﭐلشَّفَوِيِّ وَﭐلتَّصَرُّمِ ﭐلزَّمَنِيِّ.
وَمِنْ ثَمَّ، يَمْتَازُ ﭐللِّسَانُ ﭐلْمِعْيَارِيُّ بِتَقْعِيدٍ نَسَقِيٍّ وَتَرْسِيخٍ مَنْهَجِيٍّ بِوَاسِطَةِ ﭐلْمُؤَسَّسَةِ ﭐلْمَدْرَسِيَّةِ ﭐللَّتِي تَحْتَضِنُهُ وَتَرْعَاهُ جَاعِلَةً مِنْهُ ﭐلنَّمُوذَجَ ﭐلْأَمْثَلَ لِلِاسْتِعْمَالِ ﭐللُّغَوِيِّ وَﭐلِامْتِيَازِ ﭐلنُّخْبَوِيِّ لِلْمُتَكَلِّمِ ﭐلشَّرْعِيِّ. وَمِنْ هُنَا، يُعَدُّ طَبِيعِيًّا أَنْ تُكَرَّسَ ﭐللَّهَجَاتُ ﭐلْمُرْتَبِطَةُ بِهِ فِي وَضْعِ ﭐلتَّبَعِيَّةِ ﭐللَّذِي لَا يَخْتَلِفُ، فِي ﭐلْغَالِبِ، عَنْ وَضْعِ ٱلدُّونِيَّةِ وَﭐنْعِدَامِ ﭐلْكَفَاءَةِ ﭐللُّغَوِيَّةِ ﭐلْمَشْرُوعَةِ، خُصُوصًا فِي ﭐلْإِبْدَاعِ ﭐلْفَنِّيِّ ﭐلرَّفِيعِ وَﭐلتَّمْثِيلِ ﭐلْقَانُونِيِّ ﭐلْمَقْبُولِ. وَهَكَذَا فَإِنَّعَلَاقَةَ ﭐللِّسَانِ ﭐلْمِعْيَارِيِّ بِـﭑللَّهَجَاتِ ﭐلْعَامِّيَّةِ تَسْتَنِدُ إِلَى أُسُسٍ قَائِمَةٍ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا تَمْنَحُهُ ﭐلْكَفَاءَةُ ﭐللُّغَوِيَّةُ ﭐلْمَحْضُ وَتَسْتَلْزِمُ نَتَائِجَ تَتَجَاوَزُ مَا تَفْرِضُهُ دَعْوَى ﭐلْمُسَاوَاةِ ﭐللُّغَوِيَّة بَيْنَ ﭐلنَّاسِ وَمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ ﭐهْتِمَامٍ بِمُسْتَوَيَاتِ ﭐلْإِبْدَاعِ وَﭐلثَّقَافَةِ ﭐلشَّعْبِيَّيْنِ. غَيْرَ أَنَّ وَصْفَ ﭐلْوَاقِعِ ﭐلْفِعْلِيِّ لِـﭑشْتِغَالِ ﭐلِاقْتِصِادِ ﭐللُّغَوِيِّ يَكْشِفُ عَنْ تِلْكَـ ﭐلضَّرُورَةِ ﭐلطَّبِيعَيَّةِ ﭐللَّتِي تَجْعَلُ ﭐلتَّفَاوُتَ بَيْنَ مُسْتَعْمِلِيْ ﭐللُّغَةِ أَمْرًا مَشْرُوعًا وَبَدِيهِيًّا لَا يَنْفَعُ فِي ﭐلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ أَوِ ﭐلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ مَا يَسْتَطِيعُ بَعْضُ ﭐلْغَيُورِينَ عَلَى كَرَامَةِ ﭐلْإِنْسَانِ ﭐلْعَادِيِّ أَنْ يُنْتِجُوهُ مِنْ أَشْكَالِ ﭐلِاسْتِنْكَارِ، لِأَنَّ ذَالِكَـ ﭐلتَّفَاوُتَ رَاسِخٌ فِي مَنْطِقٍ يَحْكُمُ ﭐلتَّبَادُلَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ عَلَى نَحْوٍ يَجْعَلُ مُحَاوَلَةَ مُنَاهَضَةِ مَا يُمَارِسُهُ مِنْ عُنْفٍ رَمْزِيٍّ غَيْرَ مُفِيدَةٍ ؛ لِأَنَّهَا مُنَاهَضَةٌ تَتِمُّ، فِي غَالِبِ ﭐلْأَحْيَانِ، بِوَاسِطَةِ بَعْضِ آلِيَّاتِ هَذَا ﭐلْوَاقِعِ نَفْسِهِ (ﭐسْتِعْمَالُ ﭐللُّغَةِ ﭐلْمَشْرُوعَةِ نَفْسِهَا) أَوْ بِوَاسِطَةِ خُطَطٍ تَخْرُجُ عَنْ مَأْلُوفِ وَمُدْرَكِـ ﭐلْإِنْسَانِ ﭐلْعَادِيِّ مِنْ وَظَائِفِ لُغَتِهِ ﭐلْخَاصَّةِ.
وَلَعَلَّ وَاحِدًا مِنْ أَوْضَحِ ﭐلْوُجُوهِ ﭐللَّتِي تُظْهِرُ أَنَّ ﭐللُّغَةَ أَبْعَدُ مَا تَكُونُ عَنْ وَسِيلَةٍ مَوْقُوفَةٍ حَصْرًا لِلتَّوَاصُلِ، ذَالِكَـ ﭐلْوَضْعُ ﭐللَّذِي نَجِدُ فِيهِ أَنَّ أَلْسُنًا مُعَيَّنَةً – مُتَمَتِّعَةً كُلَّهَا بِإِمْكَانَاتٍ لُغَوِيَّةٍ مُتَكَافِئَةٍ– تَدْخُلُ فِي عَلَاقَاتِ صِرَاعٍ وَسَيْطَرَةٍ عَلَى ﭐلنَّحْوِ ﭐللَّذِي يُوجَدُ عَلَيْهِ، مَثَلًا، ﭐللِّسَانُ ﭐلْعَرَبِيُّ فِي صِلَتِهِ بِأَهَمِّ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأُرُوبِّـﻴَّـﺔِ (ﭐلْإِنْـﮕَـﻠـﻴـزِيُّ، ﭐلْفَرَنْسِيُّ، ﭐلْأَلْمَانِيُّ، ﭐلْإِسبانِيُّ، ﭐلْإِيطَالِيُّ). إِذْ عَلَى ﭐلرَّغْمِ مِنْ أَنَّ ﭐلْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ هَذِهِ ﭐلْأَلْسُنِ لَا تَقُومُ عَلَى ﭐلْبِنْيَاتِ ﭐلصَّرْفِيَّةِ وَﭐلتَّرْكِيبِيَّةِ وَﭐلدَّلَالِيَّةِ لِكُلٍّ مِنْهَا – لِأَنَّهَا مُتَكَافِئَةٌ فِيهَا بِمَا هِيَ أَلْسُنٌ مُكْتَمِلَةٌ-، فَإِنَّ هُنَاكَـ شُرُوطًا تَدَاوُلِيَّةً وَأَسْبَابًا ﭐجْتِمَاعِيَّةً وَتَارِيـخِيَّةً تَجْعَلُ ﭐلْأَلْسُنَ ﭐلأُرُوبِّـيَّةَ مُسَيْطِرَةً وَمُهَيْمِنَةً ثَقَافِيًّا وَتَعْلِيمِيًّا، بَلْ حَتَّى عَلَى مُسْتَوَى قِيمَةِ ﭐلِاسْتِعْمَالِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ ؛ فِي حِيـنٍ يَبْدُو ﭐللِّسَانُ ﭐلْعَرَبِيُّ فِي مُقَابِلِهَا مَهِينًا، مُحَقَّرًا وَمُنْتَقَدًا. ذَالِكَـ بِأَنَّ ﭐلْأَلْسُنَ ﭐلْأُرُوبِّـيَّةَ ﭐلْمَعْنِيَّةَ تَسْتَنِدُ إِلَى مَاضِيهَا ﭐلِاسْتِيطَانِيِّ وَتَعْتَمِدُ عَلَى نُفُوذِهَا ﭐلِاقْتِصَادِيِّ وَﭐلْعِلْمِيِّ-ﭐلتِّقْنِيِّ وَﭐلْإِعْلَامِيِّ عَبْرَ ﭐلْعَالَمِ، كَمَا تَتَمَتَّعُ بِسُلْطِةٍ ثَقَافِيَّة قَوِيَّةٍ ؛ مِمَّا يَجْعَلُهَا تُمَارِسُ جَاذِبِيَّةً وَتَأْثِيـرًا عَلَى ﭐلطُّلَّابِ وَﭐلْمُثَقَّفِيـنَ فِي مُعْظَمِ بِقَاعِ ﭐلْعَالَمِ وَتَكْتَسِبُ، بِـﭑلتَّالِي، ﭐلْقُدْرَةَ عَلَى مُنَافَسَةِ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ وَﭐلْمَحَلِّيَّةِ خَارِجَ أُرُوبَّـﺎ. وَإِنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ لَيَتَلَقَّى مِنْ تِلْكَـ ٱلْجَاذِبِيَّةِ وَذَالِكَـ ﭐلتَّأْثِيـرِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، بِحُكْمِ كَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى مَجَالِ فِعْلِ تِلْكَـ ﭐلْأَلْسُنِ وَسَبْقِ مُزَاحَمَتِهَا لَهُ فِي خِلَالِ ﭐلسَّيْطَرَةِ ﭐلِاسْتِيطَانِيَّةِ لِلدُّوَلِ ﭐلْأُرُوبِّـيَّةِ عَلَى مُعْظَمِ بُلْدَانِ ﭐلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ وَﭐلْإِسْلََامِيِّ. لَاكِنَّ مَا يُضَاعِفُ قُوَّةَ ﭐلتَّأْثِيـرِ ﭐللَّذِي تَنْزِلُ بِهِ ﭐلْأَلْسُنُ ﭐلْأُرُوبِّـيَّةُ فِي ﭐلْمَجَالِ ﭐلْعَرَبِيِّ كَوْنُهَا تَعْتَمِدُ عَلَى رَصِيدٍ تَارِيـخِيٍّ، مُفَخَّمٍ إِلَى هَذَا ﭐلْحَدِّ أَوْ ذَاكَـ، يُسْنَدُ إِلَى ﭐللِّسَانَيْنِ ﭐلْيُونَانِيِّ وَﭐللَّاتِينِيِّ، وَﭐعْتِمَادُهَا أَيْضًا عَلَى نَفَاذِهَا فِي أَهَمِّ ﭐلْقِطَاعَاتِ ﭐلْمَادِّيَةِ وَﭐلتِّقْنِيَّةِ وَﭐلثَّقَافِيَّةِ ﭐلْمُعَاصِرَةِ، فَضْلًا عَمَّا يَتْرُكُهُ لَهَا ضُعْفُ وَﭐنْحِسَارُ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ مِنْ فُرَصٍ سَانِحَةٍ لِلتَّوَسُّعِ وَﭐلتَّمَكُّنِ فِي ﭐلْأَوْسَاطِ ﭐلثَّقَافِيَّةِ وَﭐلتَّعْلِيمِيَّةِ وَﭐلْإِعْلَامِيَّةِ عَبْرَ ﭐلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ.
وَبِـﭑلنَّظَرِ إِلَى ﭐلْوَضْعِ ﭐللَّذِي يُوجَدُ فِيهِ ﭐللِّسَانُ، سَوَاءٌ فِي عَلَاقَاتِهِ بِـﭑللَّهَجَاتِ ﭐلْمَحَلِّـيَّةِ أَوْ فِي تَفَاعُلِهِ مَعَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأُخْرَى أَوْ بِـﭑلنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُؤَدِّيهِ مِنْ وَظَائِفَ، نَرَى أَنَّ ﭐللُّغَةَ مَوْضُوعٌ لِعَوَامِلِ تَغْيِيـرٍ كَثِيـرةٍ أَهَمُّهَا عَامِلَانِ أَسَاسِيَّانِ : ضَرُورَاتُ ﭐلتَّوَاصُلِ، أَيْ حَاجَةُ ﭐلْمُسْتَعْمِلِيـنَ إِلَى بُلُوغِ مَقَاصِدِهِمْ ﭐلْمُتَنَوِّعَةِ، ثُمَّ مَبْدَأُ ﭐلتَّقْلِيلِ مِنَ ﭐلْجُهْدِ، ﭐللَّذِي يَجْعَلُ ﭐلْمُتَكَلِّمَ يَنْقُصُ إِنْتَاجَهُ مِنَ ﭐلطَّاقَةِ، ﭐلذِّهْنِيَّةِ وﭐلْجَسَدِيَّةِ، إِلَى أَقَلِّ حَدٍّ يُنَاسِبُ تَحْقِيقَ أَغْرَاضِهِ. وَﭐلتَّغَيُّرُ ﭐللَّذِي يَلْحَقُ ﭐللِّسَانَ يَتِمُّ عَلَى ﭐلْمُسْتَوَيَاتِ ﭐلصَّوْتِيَّةِ وَﭐلصَّرْفِيَّةِ وَﭐلدَّلَالِيَّةِ وَﭐلتَّرْكِيبِيَّةِ ؛ وَهُوَ تَغَيُّرٌ يَقْتَضِيهِ، فِي ﭐلْغَالِبِ، تَغَيُّرُ حَاجَاتِ ﭐلْمُسْتَعْمِلِيـنَ. ذَالِكَـ بِأَنَّ ﭐلتَّعَقُّدَ ﭐلْمُتَنَامِيَ فِي ﭐلْعَلَاقَاتِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ يُوَازِيهِ تَعَقُّدٌ مُتَنَامٍ فِي ﭐلتَّبَادُلِ ﭐلرَّمْزِيِّ وَﭐلِاسْتِعْمَالِ ﭐللُّغَوِيِّ، حَيْثُ يُؤَدِّي تَقْسِيمُ ﭐلْعَمَلِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ وَﭐزْدِيَادُ ﭐلتَّمَايُزِ إِلَى ظُهُورِ أَشْكَالٍ جَدِيدَةٍ مِنَ ﭐلْعَلَاقَاتِ ﭐلْإِنْسَانِيَّةِ وَﭐلْمَادِّيَّةِ ﭐللَّتِي تُحَدِّدُ، عَلَى مُسْتَوى ﭐللُّغَةِ، ظُهُورَ وَظَائِفَ جَدِيدَةٍ. وَإجْمَالًا فَإِنَّ ﭐلتَّغَيُّرَ ﭐللُّغَوِيَّ سَيْرُورَةٌ دَائِمَةٌ تَتَخَلَّلُ ﭐلْجِسْمَ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّ بِكُلِّ فِئَاتِهِ وَمُسْتَوَيَاتِهِ عَلَى نَحْوٍ يَجْعَلُ ﭐلْبَحْثَ عَنْ فِئَاتٍ مُحَدَّدَةٍتَسْتَقْطِبُ حَرَكِيَّةَ ﭐلتَّغْيِيـرِ ﭐللُّغَوِيّ ضَرْبًا مِنَ ﭐلِانْحِرَافِ ﭐلْمَنْهَجِيِّ.
وَثَمَّةَ تَغَيُّرَاتٌ تَحْدُثُ فِي ﭐللِّسَانِ مِنْ جَرَّاءِ ﭐسْتِعْمَالَاتِهِ ﭐلْيَوْمِيَّةِ وَتُؤَدِّي إِلَى ﭐلْخُرُوجِ عَلَى قَوَاعِدِ صِيَاغَةِ ﭐلْعِبَارَةِ أَوْ مُقْتَضَيَاتِ تَوْجِيهِ ﭐلْخِطَابِ. وَفِي ﭐلْمَدَى ﭐللَّذِي يَكُونُ ذَالِكَـ نَاتِجًا عَنْ ثَغَرَاتٍ فِي ﭐكْتِسَابِ ﭐللُّغَةِ أَوْ قُصُورٍ عَنِ ﭐلِاسْتِجَابَةِ لِشُرُوطِ ﭐلِاسْتِعْمَالِ ﭐلْوَجِيهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ضُرُوبًا مِنَ ﭐلِاعْتِرَاضِ وَﭐلرَّفْضِ مِنْ طَرَفِ مُسْتَعْمِلِي ﭐللِّسَانِ نَفْسِهِ. وَذَالِكَـ مَا يَجْعَلُ هَذَا ﭐلنَّوْعَ مِنَ ﭐلتَّغَيُّرَاتِ يَخْتَلِفُ عَنْ ذَاكَـ ﭐلنَّاتِجِ مِنَ ﭐلْحَاجَاتِ ﭐلْعَمَلِيَّةِ لِلتَّوَاصُلِ أَوْ تَجَدُّدِ ﭐلْوَظَائِفِ ﭐلِاسْتِعْمَالِيَّةِ، وَهِيَ ﭐلتَّغَيُّرَاتُ ﭐللَّتِي تَتِمُّ دُونَ وَعْيِ ﭐلْمُسْتَعْمِلِيـنَ، لِأَنَّهَا تَكْتَسِي بَدَاهَةَ ﭐلضَّرُورَةِ ﭐلتَّدَاوُلِيَّةِ. وَكَوْنُ وَظَائِفِ ﭐللُّغَةِ لَا تَنْحَصِرُ فَقَطْ فِي ﭐلتَّوَاصُلِ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى تَمْثِيلِ أَوْ مُمَارَسَةِ ﭐلسُّلْطَةِ هُوَ ﭐللَّذِي يَجْعَلُ ﭐعْتِرَاضَ ﭐلْمُسْتَعْمِلِيـنَ عَلَى ﭐلِاسْتِعْمَالَاتِ ﭐلْمُخِلَّةِ بِوَظَائِفِ ﭐلتَّوَاصُلِ يُعَبِّرُ، فِي ﭐلْحَقِيقَةِ، عَنْ ﭐعْتِرَاضٍ عَلَى نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ فَرْضِ أَوْ مُمَارَسَةِ سُلْطَةٍ تُثِيـرُ، فِي ﭐلْمُقَابِلِ، مُنَاهَضَةً.
وَهَكَذَا يَتَجَلَّى أَنَّ ﭐللُّغَةَ ﭐلْبَشَرِيَّةَ تَتَوَزَّعُ عَبْرَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐللَّتِي تَتَكَلَّمُهَا ﭐلْمَجْمُوعَاتُ ﭐلْإِنْسَانِيَّةُ ﭐلْمُخْتَلِفَةُ، وَأَنَّ ﭐسْتِعْمَالَاتِ ﭐللُّغَةِ تَخْضَعُ لِمَنْطِقٍ يَجْعَلُهَا أَكْثَرَ مِنْ وَسِيلَةٍ مُجَرَّدَةٍ لِوَظِيفَـةِ ﭐلتَّوَاصُلِ وَحْدَهَا، وَأَنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐللَّذِي يَتَكَلَّمُهُ شَعْبٌ مُعَيَّنٌ لَيْسَ صُورَةً نَسَقِيَّةً تَنْصَهِرُ فِيهَا وَتَنْتَظِمُ لَهَجَاتُ ﭐلْجَمَاعَاتِ ﭐلْمُكَوِّنَةِ لَهُ، وَأَنَّ تَكَاثُر ﭐلْأَلْسُنِ فِي عَالَمِ ﭐلنَّاسِ يُغْنِي صِيَاغَةَ تَجَارِبِ ﭐلْإِنْسَانِ لِلْوَاقِعِ ﭐلْعِيَانِيِّ وَيَحْتِمُ ضَرُورَةَ ﭐلتَّفَاعُلِ ﭐلتَّكَامُلِيِّ أَوِ ﭐلصِّرَاعِيِّ بَيْنَ ﭐلشُّعُوبِ، كَمَا أَنَّ تَعَدُّدَ وَﭐخْتِلَافَ ﭐسْتِعْمَالَاتِ ﭐللُّغَةِ لَدَى ﭐلْجَمَاعَةِ ﭐلْوَاحِدَةِ يَرْجِعُ إِلَى تَفَاوُتَاتٍ وَاقِعِيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِأَنْمَاطِ ﭐكْتِسَابِ ﭐللُّغَةِ وَشُرُوطِ إِنْتَاجِ ﭐلْخِطَابِ. وَفَضْلًا عَنْ هَذَا، فَإِنَّ ﭐلْعَلَاقَاتِ بَيْنَ ﭐلْأَلْسُنِ عَبْرَ ﭐلْعَالَمِ تُتَرْجِمُ عَلَاقَاتِ قُوةٍ بَيْنَ ﭐلشُّعُوبِ وَﭐلثَّقَافَاتِ ﭐللَّتِي تَنْتَمِي إِلَيْهَا، وَأَبْرَزُ مِثَالٍ فِي حَالَتِنَا ﭐلْخَاصَّةِ هُوَ ﭐللِّسَانُ ﭐلْعَرَبِيُّ فِي صِلَاتِهِ بِـﭑلْأَلْسُنِ ﭐلْأُرُوبِّـيَّةِ ﭐلنَّافِذَةِ وَﭐلْمُهَيْمِنَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مايو 4th, 2007 at 4 مايو 2007 8:19 م
شكرا لك يا عبدالجليل الكور
لقد تأثرنا كثيرا باللهجات فنحن في الخليج اسهبنا كثيرا في استخدام العامية وترك اللغة الفصحى
وكذلك في المغرب تاثرتم باللهجة الامازيغية واللغة الفرنسية
وحتى اشعار آخر اقول حماك الله يا لغتنا العربية