استلاب الصِّحَافة ولَغْوُ الإعلام
كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 4 مايو 2007 الساعة: 21:42 م
يُحِبُّ، عَادَةً، ﭐلصِّحَافِـيُّون أَنْ يَتَحَدَّثُوا عَنْ حِرْفَتِهِمْ وَاصِفِينَهَا بِـحِرْفَةِ ﭐلْمَتَاعِبِ (فِي ﭐلْحَقِيقَةِ، هُمْ يُفِضِّلُونَ ﭐسْتِعْمَالَ لَفْظِ مِهْـنَةٌ، وَبَيْنَ ﭐلْمِهْنَةِ وَﭐلْحِرْفَةِ فَرْقٌ تَدَاوُلِيٌّ يُدْرَكُـ بِـﭑلتَّمْيِيزِ ﭐلْقَائِمِ بَيْنَ ﭐمْتِيَازَاتِ ﭐلْمِهْنَةِ وَﭐبْتِذَالَاتِ ﭐلْحِرْفَةِ !)، وَكَأَنَّ حِرْفَتَهُمْ هِيَ وَحْدَهَا ﭐللَّتِي ﭐخْتُصَّتْ بِمُعَانَاةِ مَشَقَّاتِ ﭐلشُّغْلِ وَمُوَاجَهَةِ صُعُوبَاتِ ﭐلْبَحْثِ عَنِ ﭐلْمَطَالِبِ. لَاكِنَّ عَمَلَ ﭐلصِّحَافِيِّ مَهْمَا يَطُلْ يَتِمَّ فِي خِلَالِ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، فَمَاذَا يُقَالُ عَنْ مُكَابَدَةِ ﭐلْبَاحِثِيـنَ فِي ﭐلْمُخْتَبَرَاتِ وَﭐلْمُشْتَغِلِيـنَ فِي مَيَادِينِ ﭐلْبَحْثِ ﭐلْإِنْسَانِيِّ وَﭐلِاجْتِمَاعِيِّ ﭐللَّتِي تَدُومُ شُهُورًا وَسَنَوَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرُوا بِأَثَارَةٍ مِن عِلْمٍ ؟
هَكَذَا تَبْدَأُ مُعْضِلَةُ ﭐلصِّحَافَةِ. إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ حِرْفَةً مُتْعِبَةً فَلَيْسَ لِأَنَّ تَعَبَهَا وَاقِعٌ عَلَى أَصْحَابِهَا وَحْدَهُمْ، وَإنَّمَّا لِأَنَّ هَذَا ﭐلتَّعَبَ يَقَعُ أَيْضًا عَلَى سِوَاهُمْ مِمَّنْ يَهْتَمُّ بِمَا يَفْعَلُونَ أَوْ يَتَضَرَّرُ بِهِ. وَﭐلْحَالُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا قِلَّةً. إِنَّ ﭐلنَّاسَ قَبْلَ ظُهُورِ ﭐلصِّحَافَةِ كَانُوا يَتَخَاصَمُونَ وَيَتَبَادَلُونَ ﭐلسِّبَابَ وﭐلشَّتَائِمَ حتَّى لَا يَسْـتَبِيـنَ مِنْهُمْ ﭐلْمَعِيبُ وَلَا ﭐلْمَهِيبُ. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَإِنَّ ﭐلْأُمُورَ لَمْ تَكُنْ لِتَصِلَ إِلَى حَدِّ ﭐلتَّقَاضِي بِتُهْمَةِ ﭐلْقَذْفِ أَوِ ﭐلْإِسَاءَة إِلَى كَرَامَةِ ﭐلشَّخْصِ ﭐلْإِنْسَانِيِّ. وَأَمْثِلَةُ ﭐلنَّقَائِضِ ﭐلْهِجَائِيَّةِ فِي ﭐلتَّارِيخِ وَﭐلْخُصُومَاتِ ﭐلْخِلَافِيَّةِ وَﭐلْمُنَاظَرَاتِ ﭐلْجَدَلِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى. وَمَا إِنْ تَأَسَّسَتِ ﭐلصِّحَافَةُ حَتَّى أُضِيفَتِ ﭐلْجُرْعَةُ ﭐلْقَاتِلَةُ إِلَى مَا كَانَ يَقُومُ فِي ﭐلْمَجَالِ ﭐلعُمُومِيِّ مِنْ خِصَامٍ وَسِجَالٍ، وَصَارَ ﭐلْأمْرُ يَظْهَرُ عَلَى شَكْلِ فَضَائِحَ وَجَرَائِمَ تَشُدُّ ﭐلِانْـتِبَاهَ وَتُـثِيـرُ ﭐلْغَافِلِيـنَ. وَلَا شَكَّـ أَنَّ وَرَاءَ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ هَمِّ إِذَاعَةِ أَخْبَارٍ يَحِقُّ لِكُلِّ ﭐلنَّاسِ أَنْ يَعْلَمُوهَا وَيَطَّلِعُوا عَلَيْهَا. ذَالِكَـ بِأَنَّ ﭐلْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِـﭑنْتِقَالٍ مِنْ مُمَارَسَةِ فَنِّ ﭐلْقَوْلِ وَﭐلْكِتَابَةِ، كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ ﭐلشُّعَرَاءُ وَﭐلْخُطَبَاءُ وَﭐلْمُتَرَسِّلُونَ مِنْ قَبْلُ، إِلَى بِنَاءِ مَجَالٍ جَدِيدٍ يَقُومُ عَلَى إِشَاعَةِ ﭐلْخَبَرِ بِشَكْلٍ أَوْسَعَ ﭐسْتِنْفَارًا وَأَجْلَبَ رِبْحًا وَأَدْوَمَ تَقَلُّبًا.
وَمِنَ ﭐلْمُفَارَقَةِ أَنَّ تَنَاوُلَ ﭐلصِّحَافَةِ بِـﭑلنَّقْدِ يُنْظَرُ إِلَيْهِ، خُصُوصًا مِنَ طَرَفِ ﭐلصِّحَافِيِّيـنَ، بِأَنَّهُ يَتَقَصَّدُ ﭐلْإِسَاءَةَ إِلَيْهِمْ وَمُهَاجَمَتَهُمْ مَجَّانًا وَﭐلْحَطَّ مِنْ قَدْرِ مَا يُسْدُونَهُ مِنْ خَدَمَاتٍ لِلْمُجْتَمَعِ ﭐلْمَدَنِيِّ وَدَعْمٍ لِلنِّظَامِ ﭐلدِّمُقْرَاطِيِّ. وَﭐلْحَقُّ أَنَّ ﭐلصِّحافِيِّيـنَ كَانُوا وَلَا يَزَالُونَ يُسِيئُونَ تَقْدِيرَ شُرُوطِ ﭐلْعَمَلِ ﭐللَّتِي تَخْضَعُ لَهَا حُقُولُ ﭐلْإِنْتَاجِ ﭐلثَّقَافِيِّ ﭐلْمُخْتَلِفَةِ. فَـﭑلنَّقْدُ ﭐللَّذِي يُوَجَّهُ إِلَى ﭐلصِّحَافَةِ لَيْسَ مَوْضُوعُهُ شَخْصَ ﭐلصِّحَافِيِّ وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يَتَبَيَّنَ شُرُوطَ وَمَقَاصِدَ مَا يُنْـتَجُ مِنْ أَعْمَالٍ فِي ﭐلْحَقْلِ ﭐلصِّحَافِيِّ، بِغَضِّ ﭐلنَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا تَمَّتْ عَلَى أَيْدِي أُنَاسٍ ﭐنْتِسَابُهُمُ ﭐلِاجْتِمَاعِيُّ كَذَا وَكَذَا وَمُسْتَوَاهُمُ ﭐلتَّعْلِيمِيُّ كَيْتَ وَكَيْتَ. وَمَعَ ذَالِكَـ فَلَيْسَ مِنَ ﭐلسَّهْلِ إِقْنَاعُ ﭐلصِّحَافِيِّيـنَ بِأَنَّ ﭐلشُّرُوطَ ﭐللَّتِي تَحْكُمُ مُمَارَسَةَ عَمَلِهِمْ لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً بِـﭑلضَّرُورَةِ لِلشُّرُوطِ ﭐللَّتِي تَحْكُمُ عَمَلَ غَيْرِهِمْ مِنْ كُتَّابٍ وَنُقَّادٍ وَبَاحِثِيـنَ : شَتَّانَ بَيْنَ عَمَلٍ تَـتَحَكَّمُ فِيهِ ضَرُورَاتُ ﭐلِاسْتِعْجَالِ مَبْدَأً وَمَآلًا وَعَمَلٍ تُنْضِجُهُ تَرَدُّدَاتُ ﭐلتَّجْرِبَةِ وَأَثْقَالُ ﭐلْمُمَارَسَةِ ﭐلصَّارِمَةِ كَمَا تَضْبِطُهَا قَوَاعِدُ ﭐلِاشْتِغَالِ فِي ﭐلْحَقْلَيْنِ ﭐلْأَدَبِيِّ وَﭐلْعِلْمِيِّ مَثَلًا.
وَيَتَطَلَّبُ تَوْضِيعُ ﭐلصِّحَافَةِ بِـﭑلنِّسْبَةِ إِلَى حُقُولِ ﭐلْإِنْتَاجِ ﭐلثَّقَافِيِّ وَﭐلرَّمْزِيِّ أَنْ نَتَبَيَّنَّ أَنَّ ﭐلصِّحَافَةَ، بِمَا هِيَ مُمَارَسَةٌ إِعْلَامِيَّةٌ وَإِخْبَارِيَّةٌ، حَدِيثَةٌ نِسْبِيًّا بِـﭑلْمُقَارَنَةِ مَعَ ﭐلْأَدَبِ وَﭐلْفُنُونِ وَﭐلْعُلُومِ. إِذْ أَنَّ قِيَامَهَا ﭐرْتَبَطَ بِـﭑخْتِرَاعِ ﭐلطِّبَاعَةِ ﭐللَّتِي يَسَّرَتْ نَشْرَ ﭐلْكُتُبِ وَأَدَّتْ إِلَى إِقَامَةِ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ فِي أُرُوبَّـا، فَضْلًا عَنْ قِيَامِ ﭐلْمُجْتَمَعِ ﭐلصِّنَاعِيِّ وَتَوْسِيعِ جُمْهُورِ ﭐلْقُرَّاءِ وَتَطَوُّرِ ﭐلْمُمَارَسَةِ ﭐلدِّمُقْرَاطِيَّةِ. وَفِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ لَمْ تَظْهَرِ ﭐلصِّحَافَةُ إِلَّا فِي بِدَايَةِ ﭐلْقَرْنِ ﭐلْتَّاسِعِ عَشَرَ وَلَمْ تَزْدَهِرْ إِلَّا فِي مُنْتَصَفِهِ، وَتَأَخَّرَتْ فِي بَعْضِ ﭐلْبُلْدَانِ حَتَّى بِدَايَةِ ﭐلْقَرْنِ ﭐلْعِشْرِينِ.
تَبْدُو ﭐلصِّحَافَةُ فِي ﭐرْتِبَاطِهَا بِـﭑلطِّبَاعَةِ مُتَّجِهَةً إِلَى ﭐلْجُمْهُورِ ﭐلْوَاسِعِ وَتَتَّسِمُ، بِـﭑلتَّالِي، بِصِفَةٍ شَعْبِيَّةٍ ؛ مِمَّا يَجْعَلُهَا وَثِيقَةَ ﭐلصِّلَةِ بِـﭑلسِّيَاسَةِ وَﭐلِاقْتِصَادِ مِنْ خِلَالِ ﭐلدِّعَايَةِ ﭐلْإِشْهَارِيَّةِ-ﭐلْإِعْلَانِيَّةِ. وَكُلُّ هَذَا يُكْسِبُهَا قُدْرَةً عَلَى ﭐلنُّفُوذِ لَا تَتَمَتَّعُ بِهَا أَيُّ مُمَارَسَةٍ ثَقَافِيَّةٍ أُخْرَى، بِـﭑسْتِـثْـنَاءِ ﭐلسِّيـنِمَا وَﭐلتَّلْفَزَةِ، وَرِيثَـتَيِ ﭐلْمَسْرَحِ، وَﭐلشَّبَكَةُ ﭐلْعَالَمِيَّةُ لِلتَّوَاصُلِ ﭐلْبُعْدِيِّ عَبْرَ ﭐلْحَاسُوبِ (أَنْـتِرْنِتْ) ﭐللَّتِي يَبْدُو أَنَّهَا سَوْفَ تَرِثُ ﭐلْجَمِيعَ.
وَإِذَا كَانَ ظُهُورُ ﭐلصِّحَافَةِ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِفَضْلِ تَطَوُّرِ وَسَائِلِ ﭐلطِّبَاعَةِ وَﭐلنَّشْرِ فَإِنَّ كَوْنَهَا ﭐبْتَدَأَتْ صَحَفِيَّةً جَعَلَهَا تَرْتَبِطُ بِـﭑلْكِتَابَةِ وَلَازِمَتِهَا ﭐلْقِرَاءَةِ. وَهَكَذَا فَإِنَّ نِسْبَةَ ﭐلصِّحَافَةِ إِلَى ﭐلْكِتَابَةِ كَنِسْبَتِهَا إِلَى ﭐلْقِرَاءَةِ، حَيْثُ إِنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ أَصْلًا بِخَبَرٍ أَوْ بَلَاغٍ يُصَاغُ فِي لِسَانٍ طَبِيعِيٍّ مُعَيَّنٍ وَيُوَجَّهُ إِلَى جَمَاهِيـرِ ﭐلْقُرَّاءِ. وَهَذَا طَبْعًا قَبْلَ أَنْ يَصِيـرَ جُزْءٌ مُهِمٌّ مِنَ ﭐلصِّحَافَةِ سَمْعِيًّا (ﭐلْإِذَاعَةُ)، ثُمَّ سَمْعِيًّا-بَصَرِيًّا (ﭐلتَلْفْزَةُ) فَيَتَدَخَّلَ مِقْيَاسُ ﭐلرَّوَاجِ فِي جَعْلِ فَنَّيْ ﭐلْقَوْلِ وَﭐلْكِتَابَةِ تَابِعَيْنِ لِنِسْبَةِ ﭐلتَّلَقِّي وَنِسْبَةِ ﭐلْمُشَاهَدَةِ وَخَاضِعَيْنِ لِلزَّمَنِ ﭐلِاقْتِصَادِيِّ.
وَﭐنْشِدَادُ ﭐلصِّحَافَةِ إِلَى آلِيَّاتٍ وَمُمَارَسَاتٍ خَاصَّةٍ بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ ﭐلْحُقُولِ ﭐلْأُخْرَى كَـﭑلسِّيَاسَةِ وَﭐلْأَدَبِ وَﭐلِاقْتِصَادِ هُوَ ﭐللَّذِي يَجْعَلُهَا مُمَارَسَةً مُسْتَلَبَةً بِـﭑمْتِيَازٍ، بَلْ إِنَّهَا لَا تَكَادُ تَعِي ﭐسْتِلَابَهَا إِلَّا فِي ﭐلْمَدَى ﭐللَّذِي تَمُدُّهُ إِلَى ﭐلْحُقُولِ ﭐلْأُخْرَى. فَـﭑلْآلِيَّةُ ﭐلصِّحَافِيَّةُ مُضْطَرَّةٌ إِلَى ﭐلْبَحْثِ عَنْ مَصَادِرِ حَرَكَتِهَا بِـﭑلِاسْتِنَادِ إِلَى عَطَاآتِ ﭐلْمَيَادِينِ ﭐللَّتِي تَمْلِكُـ تَارِيـخًا طَوِيلًا فِي إِنْتَاجِ ﭐلْمَعْنَى. وَمِنْ دُونِ ﭐللُّجُوءِ إِلَى هَذِهِ ﭐلْمَيَادِينِ لَا تَسْتَطِيعُ ﭐلصِّحَافَةُ أَنْ تَكُونَ سِوَى هِوَايَةٍ لِلْبَحْثِ عَنِ ﭐلذَّاتِ. فَـﭑلْأَدَبُ صَاحِبُ ﭐللُّغَةِ ﭐلْجَمَالِيَّةِ وَﭐلسِّيَاسَةُ ذَاتُ ﭐلْخِبْرَةِ فِي ﭐلنَّفَاذِ إِلَى ﭐلْأَوْسَاطِ ﭐلشَّعْبِيَّةِ وَﭐسْتِمَالَةِ ﭐلْغَوْغَاءِ وَﭐلِاقْتِصَادُ بِقُدُرَاتِهِ ﭐلْكَبِيـرَةِ فِي ﭐلتَّدْبِيـرِ وَﭐلِاسْتِثْمَارِ، هَذِهِ كُلُّهَا مَجَالَاتٌ لِلْغَزْوِ مَوْضُوعَةٌ دَائِمًا فِي ﭐلْبَرْنَامَجِ ﭐلْيَوْمِيِّ لِلْعَمَلِ ﭐلصِّحَافِيِّ. غَيْرَ أَنَّ ﭐرْتِبَاطَ ﭐلصِّحَافَةِ ﭐلْأَصْلِيَّ بِـﭑلدِّعَايَةِ وَﭐلنَّشْرِ ﭐلْوَاسِعِ صَارَ يَجْعَلُهَا تَتَلَقَّى ﭐلطَّلَبَاتِ مِنْ كُلِّ ﭐلْمَجَالَاتِ ﭐللَّتِي تُنْتِجُ أَنْوَاعًا مِنَ ﭐلسِّلَعِ (=ﭐلْخَيْرَاتِ) لَا يُمْكِنُ تَسْوِيقُهَا بِـﭑلشَّكْلِ ﭐلْكَافِي إِلَّا بِفَضْلِ مَا تَحْتَكِرُهُ ﭐلصِّحَافَةُ مِنْ إِمْكَانَاتٍ فِي ﭐلنَّشْرِ وَآلِيَّاتٍ لِلْإِشْهَارِ وَخِبْرَاتٍ فِي مُضَاعَفَةِ وَتَنْوِيعِ ﭐلطَّلَبِ.
وَفِي خِضَمِّ هَذِهِ ﭐلتَّعَالُقَاتِ ﭐلْعَمِيقَةِ ﭐللَّتِي تَسْلُبُ ﭐلصِّحَافَةَ سَبَبَ وُجُودِهَا ﭐلْخَاصِّ، كَيْفَ يُمْكِنُ إِذًا أَنْ يَمْتَلِكَـ ﭐلْعَمَلُ ﭐلصِّحَافِيُّ وَسَائِلَهُ ﭐلْخَاصَّةَ فِي إِنْشَاءِ خِطَابٍ مَوْضُوعِيٍّ، مُسْتَقِلٍّ وَمَقْبُولٍ ؟ مِنَ ﭐلْبَيِّنِ أَنَّ ﭐلصِّحَافَةَ تُشَارِكُهَا كُلُّ أَنْمَاطِ ﭐلْمُمَارَسَةِ ﭐلثَّقَافِيَّةِ فِي مُشْكِلَةِ ﭐلتَّمْوِيلِ وَﭐلِارْتِهَانِ ﭐلِاقْتِصَادِيِّ. وَبِالتَّالِي فَإِذَا كَانَ ثَمَّةَ حَظٌّ لِلِاسْتِقْلَالِ عَنِ ﭐلْإِكْرَاهَاتِ ﭐلِاقْتِصَادِيَّةِ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْتِي إِلَّا مِنْ ﭐمْتِلَاكِـ شُرُوطٍ وَقَوَاعِدَ تَضْبِطُ مَجَالَ ﭐلِاشْتِغَالِ ﭐلْخَاصِّ عَلَى ﭐلنَّحْوِ ﭐللَّذِي يَكْفُلُ إِنْتَاجَ نَوْعٍ مِنَ ﭐلْحَقِيقَةِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْرِضَ نَفْسَهُ بِـﭑلنِّسْبَةِ إِلَى مُخْتَلِفِ أَنْوَاعِ ﭐلْحَقِيقَةِ ﭐلْأُخْرَى.
وَبِهَذَا ﭐلصَّدَدِ، تَبْدُو ﭐلصِّحَافَةُ مُحَاصَرَةً جِدًّا، لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ، فِي مُمَارَسَتِهَا ﭐلْعَادِيَّةِ، عَلَى ﭐلْإِخْبَارِ عَنِ ﭐلْوَاقِعِ مَوْضُوعًا وَهَدَفًا. إِنَّهَا كَثِيـرًا مَا تَعْجِزُ عَنْ دَفْعِ ﭐلْإِغْرَاءِ ﭐلسِّحْرِيِّ لِلشَّائِعَةِ أَوِ ﭐلسَّابِقَةِ ﭐلْحَدَثِيَّةِ أَوِ ﭐلْأَعَاجِيبِ ﭐلْمُثِيـرَةِ. وَلَا تَتْرُكُهَا دُوَّامَةُ ﭐلِاسْتِعْجَالِ تُفَكِّرُ فِي إِمْكَانِ قَوْلِ ﭐلْحَقِيقَةِ بِشَكْلٍ يُخَيِّبُ آمَالَ وَتَوَقُّعَاتِ ﭐلْجُمْهُورِ ﭐلْمُنْتَظِرِ. وَضِمْنَ هَذِهِ ﭐلشُّرُوطِ لَا إِمْكَانَ للِاسْتِقْلَالِ سِوَى ﭐنْتِهَاجِ سَبِيلِ بِنَاءِ حَقِيقَةِ ﭐلْوَاقِعِ ﭐلْمُرَادِ ﭐلْإِخْبَارُ عَنْهُ، وَذَالِكَـ بِجَعْلِ ﭐلْخَبَرِ ﭐلْخَامِّ مُعْطًى يَقْتَضِي حَتْمًا إِعَادَةَ ﭐلْبِنَاءِ، بِمَا يَسْتَلْزِمُهُ هَذَا ﭐلْعَمَلُ مِنَ ﭐلِانْخِرَاطِ فِي سَيْرُورَةٍ إِنْتَاجِيَّةٍ عَمِيقَةٍ وَمُكَلِّفَةٍ تَقُومُ عَلَى ﭐطَِّرَاحِ ﭐلتَّعَابِيـرِ ﭐلْجَاهِزَةِ وَﭐلْآرَاءِ ﭐلْمُسْبَقَةِ وَمُرَاجَعَةِ ﭐلْمَعَارِفِ ﭐلْمُشْتَرَكَةِ.
وَفَقَطْ عِنْدَمَا يَتَأَسَّسُ ﭐلْحَقْلُ ﭐلصِّحَافِِيُّ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ ﭐلشُّرُوطِ فِي ﭐلْعَمَلِ (مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدِ أَنَّ ﭐلتَّكْوِينَ ﭐللَّذِي يَخْضَعُ لَهُ ﭐلصِّحَافِيُّونَ يَكُونُ، فِي كَثِيـرٍ مِنَ ﭐلْأَحْيَانِ، شَبِيهًا فِي تَخَصُّصِهِ ﭐلتِّقْنِيِّ وَشُمُولِهِ ﭐلثَّقَافِيِّ لِتَكْوِينِ أَيِّ فِئَةٍ مِنْ مُنْتِجِيِ ﭐلْخِطَابِ ﭐلْآخَرِينَ فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ ؛ لَاكِنْ يَغِيبُ عَنْهُ ﭐلْأَسَاسِيُّ : تَبَيُّنٌ فَلْسَفِيٌّ-مَعْرِفِيٌّ لِشُرُوطِ إِمْكَانِ ﭐلْخِطَابِ ﭐلصِّحَافِيِّ كَخِطَابٍ نَوْعِيٍّ كَفِيلٍ بِإِنْتَاجِ حَقِيقَتِهِ ﭐلْخَاصَّةِ) سَيَتَحَوَّلُ إِلَى إِنْتَاجِ صِحَافِيِّيـنَ يُضَاهُونَ بِأَعْمَالِهِمْ أَهَمَّ ﭐلْمُنْتِجِيـنَ فِي ﭐلْحُقُولِ ﭐلثَّقَافِيَّةِ ﭐلْأُخْرَى، مِثْلَ ﭐلْأُدَبَاءِ وَﭐلْبَاحِثِيـنَ.
وَإِنَّ ﭐلصِّحَافَةَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَارِس عَمَلَهَا مِنْ دُونِ ﭐسْتِعْمَالِ ﭐللُّغَةِ. لِذَا فَإِنَّ صِلَتَهَا بِـﭑللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ تَزْدَادُ وُثُوقًا لِكَوْنِ هَذَا ﭐللِّسَانِ لَا يَزَالُ يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ سَيْرُورَةِ تَعْرِيبٍ تُحَقِّقُ لَهُ ﭐلِاسْتِعْمَالَ ﭐلْوَاسِعَ لَدَى ﭐلْجَمَاهِيـرِ ﭐلشَّعْبِيَّةِ ﭐلْكُبْرَى وَإِلَى بَلْوَرَةِ إِجْرَاآتٍ تَبْسِيطِيَّةٍ وَتَحْدِيثِيَّةٍ تُطَوِّرُهُ وَتُوَسِّعُهُ لِيَسْهُلَ تَدَاوُلُهُ وَيَعُمَّ ﭐشْتِغَالُهُ مُعْظَمَ مَيَادِينِ ﭐلْإِنْتَاجِ ﭐلثَّقَافِيِّ وَﭐلْعِلْمِيِّ وَﭐلتَّقْنِيِّ فِي ﭐلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ كُلِّهِ. وَتَنَاوُلُ صِحَافَـتِـنَا بِـﭑلنَّقْدِ لَا يَسْتَهْدِفُ تَنَقُّصَها أَوْ تَحْقِيـرَهَا وَإِنَمَا ﭐلْغَرَضُ مِنْهُ، أَوَّلًا وَأَخِيـرًا، تَأْكِيدُ أَنَّ مَا يَسْتَشْرِي مِنْ لَغْوٍ صِحَافِيٍّ/إعْلَامي – وَهُوَ لَغْوٌ يُغَذِّيهِ وَيُنَمِّيهِ، فِي ﭐلْوَاقِعِ، جَيْشٌ مِنَ ﭐلْمُثَقَّفِيـنَ ﭐلصِّحَافِيِّيـنَ أَوْ ﭐلْمُثَقَّفِيـنَ ﭐلْإعْلَامِيِّيـنَ ﭐللَّذِينَ يُبْدُونَ ﭐسْتِعْدَادًا مَيَّالًا لِلتَّوَاطُؤِ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لِبُلُوغِ وَحِفْظِ نَصِيبٍ مِنَ ﭐلْوُجُودِ ﭐلْمُدْرَكِـ وَﭐلْمَرْئِيِّ - لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِيـرَ خِطَابًا ذَا مَرْجِعِيَّةٍ وَمِصْدَاقِيَّةٍ فِي فَضَاءِ ﭐلْإِنْتَاجِ ﭐلثَّقَافِيِّ إِلَّا إِذَا ﭐرْتَـقَى إِلَى مُسْتَوى ﭐللُّغَةِ ﭐللَّتِي يَتِمُّ إِخْضَاعُهَا لِبِنَاءٍ مَخْصُوصٍ يَحْفَظُ لَهَا أَهَمَّ شُرُوطِ ﭐلسَّلَامَةِ ﭐلنَّحْوِيَّةِ وَﭐلتَّبْلِيغِ ﭐلْبَيَانِيِّ وَيَنْفَكُّـ بِهَا عَنْ نُزُوعٍ يَسْتَسْهِلُ ﭐلْإِبْدَاعَ ﭐلْأَدَبِيَّ وَﭐحْتِرَافٍ لَا يَجْتَهِدُ إِلَّا فِي إِجَادَةِ ﭐسْتِمَالَةِ ﭐلْغَوْغَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























