فائدة دراسة/تدريس الفلسفة

كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 22 مايو 2007 الساعة: 20:51 م

 
«أيُّ فائدةٍ تَجْنِيها من دراسة ﭐلفلسفة، إذا كان كُلُّ ما تقوم به بـﭑلنسبة إليكـ هو أن تَجعلكـ قادرًا على ﭐلتعبيـر بشكلٍ مقبولٍ نِسْبِيًّا عن بعض ﭐلْمسائل ﭐلْمنطقية ﭐلْمُسْتَغْلِقَة، إلَخِ.، وإذا كان هذا لَا يُحَسِّن طريقتَكـ فِي ﭐلتفكيـر فِي ﭐلْمسائل ﭐلْهامة للحياة ﭐليومية، وإذا كان ذالكـ لَا يَجعلكـ أشدَّ وعـيًا من أيِّ صِحَافِي فِي ﭐستعمالكـ لتعابيـر خطيـرة يستخدمها أُنَاسٌ من أمثاله لِأَغْرَاضهم ﭐلْخاصة ؟ » لودفـﻴﮓ فِـتْـﮕـِـنْشتيـن (مراسلة)
 
    من ﭐلشائع أن "ﭐلفلسفة" لَا تقبل ﭐلتعريف، حيث يُنْظَرُ إليها كنوع من ﭐلتجربة ﭐلفردية/ﭐلشخصية/ﭐلذاتية ﭐللَّتِي تستعصي، بطبيعتها، على كل تَحديدٍ موضوعي (=تَوْضِيعٌ). وَلَعَلَّ أَهَمَّ ﭐلصعوباتِ ﭐلْمتعلقة بـ"ﭐلفلسفة" تَجد بدايتها مع هذا ﭐلِاعتقاد ﭐلسائد بَيْن مُحترفِي "ﭐلفلسفة" أنفسهم، ﭐللَّذين يَظُنُّ معظمُهم -فِي ﭐلغالب- أن "ﭐلفلسفة" تكتسب مزيدا من ﭐلِامتياز إذا نُظِر إليها وعُرِضَت بِهذه ﭐلصورة. لَاكنَّ أيَّ تفكيـرٍ حول "ﭐلفلسفة" لَا يُمكن أن يتم من دون إعطاء تعريفٍ لَها، يكون شاملًا وواضحا بِهذا لقدر أو ذاكـ. لِهذا نَجد أنفسنا، فِي بداية هذا ﭐلْمقال، نستعمل لفظ "ﭐلفلسفة" بـﭑلتعريف ﭐلتالِي : "ﭐلفلسفة" مَجالٌ لِمُمارسةِ نوعٍ من ﭐلتفكيـر ﭐلْمنهجي ﭐللَّذي يتجسد فِي مادَّةٍ خِطَابِيَّةٍ (هي ﭐللَّتِي تشكل موضوعَ ﭐلدراسة/ﭐلتدريس على مستوى ﭐلتعليم ﭐلثانوي وﭐلْجامعي بعددٍ من بلدان ﭐلعالَم ﭐلْمعاصر)، وﭐللذي يَنْصَبُّ على ﭐلْمُشكلَات ﭐلْأساسية فِـي ﭐلوجود ﭐلْإنسانِي ويتميز بأنه تفكيـر عميق وعام ؛ وهو ﭐلتفكيـر ﭐللَّذي يرجع فِي جذوره -على ﭐلْأقل بـﭑلنسبة لبعض ﭐلْأمم- إلَى بضعة قرون قبل ميلَاد ﭐلْمسيح. ويترتب على هذا ﭐلتعريف أن "ﭐلفلسفة" تفكيـر عميق يتجاوز ﭐلتفكيـر ﭐلسطحي للْإنسان ﭐلعادي ويرمي إلَى لْإمساكـ بـ"لْعِلَلِ" للَّتِي تَـتَحَكَّمُ فِي سَيْرِ لْأشياء، وتفكيـرٌ عامٌّ يَعْلُو على ما هو جُزئي وفَردي فِي ﭐلوجود ﭐلْإنسانِي بـﭑلنظر فِيما ينطبق على لْمجموع بِحيث يكونُ كُلِّـيًّا وجَامِعًا (قد لَا يكون، فِي لْواقع، تَحديدُ لفلسفةِ كفكرٍ عميقٍ وعام سوى دِّعَاءٍ سرعان ما ينقلب إلَى فكرٍ سطحِيٍّ يقفُ عند لصُّوَرِ لذِّهْنِيَّةِ لْقَبْلِيَّةِ ولَا يتجاوز لتجربةَ لفرديَّةَ لْمُتَحَيِّزَةَ زمانيا ومكانيا، وهذه مسألة تستدعي -هي وحدها- وقوفًا طويلًا ليس هذا مقامه). ومن هنا يَأْتِي ﭐلتساؤلُ عن فائدة "ﭐلفلسفة" بِـﭑلنسبَةِ لِـلْإنسان فِي وُجُوده بِهذا ﭐلعالَم. لَاكن هذا لتساؤلَ لَا يأتِي فقط، كما قد يَـبْدُو لِأوَّلِ وَهْلَةٍ، من كَوْنِ "لفلسفة" تَدَّعِي تناولَ ﭐلْمشكلَات ﭐلْأساسية فِي ﭐلوجود ﭐلْإنسانِي، مِمَّا يُوجِب بـﭑلتأكيد ﭐلْميلَ نَحو معرفة ما يُمْكِنها أن تقدمه من فائدة (أي من حُلُول) لِـلْإِنسان ﭐلعادِيِّ، ﭐللَّذِي يُعانِي بشكلٍ يَوْمِيٍّ وعَيْنِيٍّ ﭐلوجودَ فِي ضرورته وتَعَقُّده، وإنَّما هو تساؤلٌ يزداد إِلْحَاحًا -فِي ﭐلواقع ﭐلْمعاصر- بفعلِ تَنَامِي ﭐلنظرة ﭐلنَّفْعِيَّة وﭐلْعَمَلِيَّةِ إلَى كُلِّ مَوَادِّ ﭐلتعليم/ﭐلتدريس، من جَرَّاءِ تَقَدُّمِ سَيْرُورَةِ ﭐلتعقيل وﭐلترشيد ﭐلقائمة على إِيـجَادِ ﭐلْآليات ﭐلْمعرفية وﭐلتقنية ﭐلكفيلة بِـﭑلِاستجابة، على ﭐلْمستوى ﭐلعملي، لِحاجات وتَحَدِّيَات ﭐلْحياة ﭐلْإنسانية فِي تَنَوُّعِها وتطورِها وتَعَقُّدِها ؛ وهو ﭐلْإلْحاحُ ﭐللَّذِي تَتِمُّ تَرْجَمَـتُهُ ﭐلفعليَّةُ من خلَال ﭐلعمل على ﭐلصياغة ﭐلتقنية وﭐلْإجرائية (أي ﭐلْخطاب ﭐلتنظيـري ﭐلْمُتَكَاثِرِ، مُنْذُ عِدَّةِ عُقُودٍ، حول ﭐلْأهداف وﭐلْكَفَاآتِ) لِطُرُقِ ومضاميـن تعليم/تعلُّم ﭐلْموادِّ ﭐللَّتِي يُمكن أن تكون موضوعا للدراسة وﭐلتدريس فِي أي مستوًى من مستويات لتعليم/لتعلُّمِ. ولِهذا فإن "ﭐلفلسفة" أصبحت، هي أيضا، تَخضع (وتُخْضَعُ) لِسُؤَال ﭐلفائدة ﭐلباحث عن تَبَـيُّنِ مدى جَدْوَى هذه ﭐلْمَادَّةِ فِي ﭐلتعليم وقيمتها ﭐلنَّفْعِيَّةِ.
    إنَّ سُؤالَ ﭐلفائدةِ ﭐلْمُثَارَ حول "ﭐلفلسفة" يُفَضِّلُ كَثِيـرٌ منَ ﭐلْمَعْـنِـيِّـيـن ﭐلْمُبَاشِرينَ به لْإجابة عنه بِرَفْعِ شِعَارَاتٍ كُـبْرى وذات مردودية سريعة -لَاكن ليست أكيدةً دائمًا- كَـﭑلقولِ، مثلًا، بأن "ﭐلفلسفة" فكرٌ تَنْوِيرِيٌّ وتَحْرِيرِيٌّ : تَنْوِيرِيٌّ، لِأنَّهُ يُسَلِّطُ نُورَ (أو أنوار) "لعقل" على ظُلُمَات لْجهل ولرُّوحِ لوُثُوقِيَّةِ ولتَّزَمُّتِ لِاعتقادِيِّ ؛ وتَحْرِيرِيٌّ، لِأنه يقومُ بإزالةِ لْقُيُودِ (لْآتِيَةِ منْ وِصَايَةِ لْغَـيْرِ أو لتَّبَعِيَّة لتقاليد لْماضي أو لْخضوع لضرورات لْحياة ليومية)، مِمَّا يُمَكِّنُ من ستقلَال إرادة لْإنسان ويُطْلِق قدرته ليفعلَ ويؤثر فِي لعالَم. وعلى هذا فإن "لفلسفة" تُفِيدُ فِي إزالة لظَّـلَامَ للَّذِي يُغَشِّي لْأبْصَارَ فَـيُـعْمِيهَا عن لواقع ويَحْجُب لنفوسَ فَـيَمْنَعُهَا من إدراكـ لْحقيقة، كما تُفِيدُ فِي إزالة لقيود للَّتِي تَحُدُّ فعلَ لْإنسانِ وتُكَبِّلُ حركتَه فَـتَـجْعلُه رَهْنًا لِـلْأقدارِ وموضوعًا لِفِعْلِ لظُّروفِ. وهذا ما يَجعلها ترفع لواء "ﭐلعقل" ضد كل أشكال "ﭐللَّاعَقْل"، فَـتَـبْـدُو فِي صورةِ فِكْرٍ هو –بِـﭑلتحديد- عَقْلَانِي، أي فِكْرٌ نُورَانِيٌّ (قائم على نُورِ لعقل) وحُرِّيَّانِي (قائم على حُرِّيَّةِ لْإِنْسان). ويكفي، فِي ظَنِّ كَثِيـرٍ من دُعَاةِ "لفلسفة"، رفعُ شعاراتٍ مِثْل هاته لِإِظهار إيـجابية "لفلسفة" وتأكيد أهَميتها فِي لْمساهَمة فِي مشروعٍ لِلْمجتمع يَحْرِصُ لْمُتَدَخِّلُون –مُوَاصِلِيـن نفس للجوء إلَى لشعارات لكُبْرى- على نَعْتِه بأنه "حَدَاثِيٌّ" و"دِمُقْراطي". غَيْرَ أن هذه لطريقةَ فِي عرض (وفرض) "لفلسفة" تَغْفُلُ (فِي لواقع يَغْفُلُ أصحابُها) عن كونِها لَا تفعلُ شيئا سوى تَـبَنِّي نفس أسلوب لْخصم (ﭐللذي يُنْعَتُ، عادةً، بأنه مُغَالِطٌ ونتهازي وظَلَامي)، وذالكـ من حيث إنَّها ترفع شعارات دِعَائية سرعان ما تنقلب إلَى دعواتٍ تَحريضية، وتبشر بوعود لَا يُستبعد أن تكون دِّعاآت كاذبة وأمانِي مُخيِّبَة لِلْآمال. ذالكـ بأن لِاستناد إلَى أشياءٍ تُعَدُّ مطالبَ أساسية لكل لْأطراف (لنور، لْحرية، لعقل) يكشفُ عن أن لْأمر يتعلق بواقعٍ تَنَازُعِيٍّ قائمٍ على صراع فوائد (أي مصالِح مادية و/أو رمزية) من خلَال ميزان قُوًى بَيْن لْمُتَنَازِعيـن فِي لْمجال لْمَعْنِي (مَجال إنتاج وتداول لْخَيْرَات لثقافية بِمجتمعٍ مُعَيَّنٍ). وهذا يقتضي، بِـﭑلْأساس، أن لْحديث عن فائدةِ دراسة/تدريس "لفلسفة" حديثٌ مُحَدَّدٌ تاريـخيا وجتماعيا، وليس مُجَرَّدَ حديثٍ خالصٍ (خالص من كل قصد ومُنَّزه عن كل غرض).       
    ويُمْكِنُ، كذالكـ، أن يُجَابَ عن سُؤَالِ فائدة "لفلسفة"، ببساطةٍ بَالِغَةٍ، من مَوْقِعِ ﭐلِاسْتِسْهَالِ ﭐلْمُسْتَفْحِلِ بَيْن ﭐلناس بـﭑلقول إن "ﭐلفلسفة"، بِما هي مُمارسة تشتهر بـﭑلقيام على ﭐلتأمل ﭐلْمجرد مُعتبَرًا كَـتَرَفٍ فكري وعملي، ليست سوى مَضْيَعَةٍ للوقت، وبـﭑلتالِي فإن فائدتَها تتمثل، بـﭑلنسبة للمُعَلِّم وﭐلْمتعلم معًا، فِي كونِها حاجزا يُضاف إلَى مَجموع حواجز ﭐلدخول أو ﭐلعُبُور ﭐللَّتِي يُنْتِجُها -بـﭑلضرورة- كل نظام ﭐجتماعي، خصوصا على مستوى ﭐلنظام ﭐلتعليمي لِـﭑمْتِحانِ (بالْمعنَى لْمزدوج لِلَّفظ، أي ختبارٌ لَا يَخْلُو فِي ﭐلواقع من مِحْنَة وعناءلناشئيـن ولطامعيـن لْجُدُد. وهكذا فإن ﭐلْحديث، من هذا لْمنظور، عن فائدةٍ مُعَيَّنَةٍ لِـ"لفلسفة" ليس سوى دفاعٍ عن مصالِح ﭐلْمنتفعيـن من تعليم/تعلُّم "ﭐلفلسفة" (أي ﭐلْمتفلسفيـن، ﭐلْمؤلفيـن، ﭐلناشرين، لْمُدَرِّسيـن). وبـﭑلفعل فإن هؤلَاء هُمْ أوَّلُ لْمَعْنِييـنَ بإبراز فوائد "لفلسفة". وكل تَغَاضٍ عن هذا لْأمر يَرْجِعُ إلَى تأكيد لْمصالِح لْمتضمَّنَة فِي أيِّ دعوةٍ أو مُحَاوَلةٍ للدفاع عن "لفلسفة"، وهي لْمصالِح للَّتِي لَا يُراد، لِأسباب جتماعية ومعرفية، لِاعتراف بِها. ولِهذا فإنَّ أوَّلَ مَا يَجْدُر تأكيدُه هو أن فائدة "لفلسفة" ثابتةٌ بكلِّ وُضُوحٍ لِلْمُستفيدِين، بشكل مباشر أو غيْر مباشر، من تعليمِها/تدريسها. لَاكن، ماذا يُمكن أن تُفِيدَ "ﭐلفلسفةُ" جُمهورَ ﭐلْمُتَلَقِّيـنَ (أي ﭐلْمتعلميـن وﭐلقراء)، أي مَجموع ﭐللَّذِين يتحددون بصفتهم مُسْتَهْلِكيـنَ للمُنْـتجات ﭐلْمتعلقة بِمادة "ﭐلفلسفة" (مُنْـتَجَات تتجسد فِي صورة دروس، مُحاضرات، مقالَات، كراسات، مُحاضرات) ؟
    إن ﭐلنظر فِي وضع ﭐلْجمهور ﭐلْمتلقي لـ"ﭐلفلسفة" يَجعلنا نتساءل عن حاجاته ﭐلْأساسية. وهنا نَجد، أولًا، أن لْإنسانَ لعادِيَّ لَا يَحتاجُ لِشَيْءٍ أكثر من ﭐحتياجِهِ إلَى أن "يَعِيشَ"، أي أن يستجيب إلَى حاجاته لضرورية، ﭐلعملية وﭐلْمباشرة ولِاستعجالية (مأكل، مشرب، ملبس، مسكن، منكح، مَلْهى). ومن لْمفارقة أن حاجات لْجمهور لْخاص (مُنْتِجِي ومُسَوِّقِي "لفلسفة") هي أيضا تَؤُول، فِي لنهاية، إلَى مثل هذه لْحاجات لْحيوية لْأساسية، بل إن أي تَوْضِيعٍ لِمَسَارات لْمُـنْـتِجيـن فِي مَجال "لفلسفة" ينْـتهي إلَى تَبَيُّنِ أنَّ "لفيلسوف" أو "لْمتفلسف" هو، كذالكـ، له قَدْرٌ هَامٌّ من هذه لْحاجات، على لرغم من أن لفلَاسفة حرصوا ولَا يزالون على تأكيد أن إنتاجهم لفلسفي إنَّما هو نِتَاجُ تَعَالِـيهِم على ضرورات لْحياة ليومية، هذا لتَّعَالِي للذي يَجعلهم يتفرغون للفكر ويُعْرِضُون عن كل لْأغراض لعملية لْمباشرة (بِما فيها تلكـ للَّتِي ترتبط بـﭑلبُروز لِاجتماعي ولشهرة وللَّتِي تدفعهم إلَى لتنافس). وهذا هو سِرُّ تأكيد أن "لفلسفة" فكرٌ نظرِيٌّ مُجَرَّدٌ (مُجرد، فِي زعم هؤلَاء، عن كل تَحديد حِسِّي-مَادِّي مُتَدَنٍّ ومُبتذَل).
    ومَا إِنْ نَتَكَلَّمْ عن لْحاجات لْأساسية لِلْإِنسان لعادِيِّ حَتَّى تَبْرُزَ أمامنا ﭐلْمجالَاتُ للَّتِي لَا يتردد أصحابُها فِي إعلَان هتمامها بتلبية هذه لْحاجات : ﭐلدين، ﭐلِاقتصاد، لسياسة، لعلم، ﭐلْأدب، ﭐلفن، ﭐلرياضة، وَسَائِلُ لِاتصال لْجماهيـري (لصحف، لْإذاعة، ﭐلتلفزة، لْأنترنت). فـ"لدين" يسهر على إنتاج وتربِية جُملة لِاعتقادات ولشعائر للَّتِي تُعطي للوجود معناهُ وتُوَفِّرُ لِلْإِنسان سَبَبًا لِتَحَمُّلِ أعباء لْحياة، إنه مَجالٌ يقوم على ترسيخ "لْإيـمان" بأن لوجود فِي هذا لعالَم يستحق أن يُعَاشَ مهما تَكُنْ قساوتُه وهشاشتُه، لِأن هذا لبلَاء هو لسبيل لوحيد إلَى تَطهيـرِ لنفس لْمُفْضِي إِلَى نَيْلِ لرِّضَى لْإلَاهي. وَ"لِاقتصادُ" فِي هتمامه بِطُرُق إنتاج وتلبية لْحاجات لْأساسية يَعْتَبِرُ نفسه لْخادمَ لْأولَ لِلْإنسان، فهو يُوَفِّرُ وسائلَ ستثمارِ ما يَمتلكه لْإِنسان من طاقاتٍ ومواردَ ماديَّةٍ ومعنويَّةٍ لِتَيْسِيـرِ سُبُل لعيش ولتخفيف من عَنَاءِ لْحياة. وتأتِي "لسياسةُ" لِتَـتَكَفَّل بِتَدْبِيـر لشأن لعامِّ وإدارة لْمُعامَلَات ولتفاعُلَاتِ فِي "لْمجتمع" على نَحْوٍ "مَدَنِيٍّ" يسمح بتداولٍ تشارُكِيٍّ وتكامُلِيٍّ لِأَقْدَارِ لسلطة بِمَا يَحْفَظُ لْأمن ولْحرية ولْمُسَاواة بَيْنَ لْمتنافسيـن (لْأعضاء فِي لْمدينة-لْمجتمع بِما هُمْ مُواطنون). وينهض "لعلمُ" بواجب بناء معرفةٍ حقيقيَّةٍ بـﭑلواقع لطبيعي ولْإنسانِي بشكلٍ يُؤدِّي إلى لْإجابة عن لْأسئلة لْمُقْلِقة وتَحْضِيـر لوصفات لتقنية للَّتِي تُمَكِّنُ من تسخيـر لعالَم وبَسْطِ سيطرة لْإنسان عليه. ويتضافَرُ (أو بـﭑلْأحرى صار يتضافر) كُلٌّ من لْأدب ولفن ولرياضة على صياغة لصورة "لشعرية" (لسحرية) للعالَم من خلَال ستعراض لْقُوَى لبِنَائِيَّة ولتشكيلية للقدرات لْخَيَالية لدى لْإنسان طَلَبًا لتنمية إمكانات لتناوُل لْمَرِح (بواسطة للَّعِب وللهو) للضرورة لْمُلَازِمة لِسَيْرِ لعالَم. وأخيـرًا وليس حقيـرًا، تأتِي وسائلُ لِاتصال لْجماهيـري لِتُبَلْوِرَ (أوْ تَلُفَّ) كُلَّ ثَمرات لعمل لْإنتاجي لِلْإنسان فِي صُورَةِ تَسْلِيَةٍ (وَتَلْهِيَةٍ) من خلَالِ ما تَمتلكه من قدرة على لنشر لواسع ولدائم، وذالكـ بشكل يزيد فِي ستثمار وستنفار إمكانات لْحياة لْمتاحة تاريـخيا وجتماعيا للناس فِي هذا العالَم. ولَعَلَّ أهَمَّ ما يُمَيِّزُ هذه لْمجالَات هو أنَّها تتكامل إلَى حدِّ لتداخل فيما بينها، كما يظهر بوضوحٍ شديدٍ فِي لتعالقات بَيْن "لدين" و"لسياسة" و"لِاقتصاد" و"لرياضة" أو بَيْن "لْأدب" و"لفن" و"لعلم"، وهو لتداخل للَّذِي زداد قُوَّةً وتِّساعًا بفضل ما صارت تُتِيحُه وسائلُ لِاتصال لْجماهيـري من إمكاناتٍ فِي لتسويق ولِاستهلَاكِـ و، من ثَم، إعادة لْإنتاج.
    تُرَى ماذا تـتركـ هذه لْمجالَات، لْمُحْتَرِفة فِي إنتاج لْمطالب لْأساسية للوجود لْإنسانِي، لِـ"لفلسفة" ؟ يُجيب لفيلسوف أو لْمتفلسف : يَـبقى للفلسفة شيء كثيـر، بل يَتَبَقَّى لَها لْأهم، وهو شيء يُفْلِت من لقدرات لْإدراكية لتلكـ لْمجالَات. ذالكـ بأن لْأمر يتعلق، بتداء، بِمجموعةٍ من لْمجالَات للَّتِي لَا تَهتم إلَّا بـﭑلِاستجابة للمنفعة لعملية لْمباشرة فِي تَغَيُّرها وتناقُضِها، وهو لِاهتمام للَّذِي يَجعلُها خاضعةً لِإكراهات لضرورة لْجُزْئِية ولْمستعجِلَة ويَحْرِمُها، من ثَم، متيازاتِ لنظر لْمُعْرِض عن كلِّ قصدٍ غَيْر قصد لفهم فِي ذاته، لقصد لْخالص للَّذِي يطلبُ لْمعرفةَ مُجردةً عن كل لْأغراض لْشَّاغِلَة ولْمُضَلِّلَة، وهذا هو لشرط للَّذِي يضمن للفكر –فِي ظن لفلَاسفة- أن يُمْسِكـ بِحقيقة لوجود وأن يَكُون مُحَرِّرًا. ويتعلق لْأمر، ثانيا، بِمجالَاتٍ تقوم على لْمعرفة "لْموضوعية" (بل "لْمَوْضُوعَانِية") للَّتِي لَا تتجاوز فِي إدراكها (أو تَجربتها) للْأشياء مستوى "لظاهر" وللَّتِي لَا قدرة لَها على لنفاذ (لِـﭑفتقادها لْحدس كمعرفةٍ مباشرة وحَيَّة) إلَى "لباطن" للذي يُمثل لْمَحَلَّ لطبيعي لـ"لْحقيقة"، أي أننا –فِي لواقع- أمام مَجالَاتٍ "لَا تُفَكِّر" (وَفْقَ تأكيد هَيْدِِﮔـر). ولِهذا كله، فإن لفلسفة تَتَحَدَّدُ كفكرٍ عامٍّ وعميقٍ، فِكْرٍ "بَعْدِيّ" ("مِيتَا-فيزيقا")، يأتِي "بَعْدَ" لتجربة لعادية/لْمألوفة للعالَم و"بعد" لْمعرفة لطبيعية بـﭑلواقع. لَاكن من لْمُفَارقة أن لفلَاسفةَ ظلوا يستفرغون كُلَّ وُسْعِهم لِقَلْبِ "بَعْدَ" لكي تُفْهَم بِمعنَى "قَبْل"، فـﭑلتجربة للَّتِي تسبق فكرَ لفيلسوف لَا تؤثر مطلقا فيه، لِأنَّها مُجرد قِشْرَة حاجبة ومضللة ("ظن")، لَا تستحق سوى أن تُستبْعَد وتُـنْـبَذ، لكي تفسح لطريق أمام "لفلسفة" بِما هي فكرٌ قَبْلِيٌّ ومُتَعَالٍ، أي فكرٌ "فَوْقِيٌّ" (وَ"فَوْقَانِيٌّ) له كل لِامتيازات للَّتِي تُعْطيه (وتضمن له) لتَّفَوُّق على ما عَدَاهُ، حيث يصيـر فِكْرًا لَا فِكْرَ أفضل وأشرف منه (أي أعلم منه). تُرَى، إِذَا تَجاوزنا كل مظاهر لزِّينَة للَّتِي ما فتئت "لفلسفة" تعرض بِها نفسها، ماذا نَجِدُ من شيءٍ "حقيقي" ؟ ما هو هذا لشيء للَّذِي تُنتِجه "لفلسفةُ" وتستطيع أن تَبِيعَه فِي سُوق لْخَيْرات لْمادية ولرمزية بِدُنيا لناس ؟ إن "لفلسفة"، مهما تَجْهَدْ فِي لتَّمَيُّز، لَا تستطيع أن تُثْبِتَ نفسَها إِلَّا بِمَا هي مَجالٌ للِاشتغال لْمنهجي يقومُ بإنتاج وجهة نظرٍ خاصةٍ عن لواقع، أي أنَّها مُمارسةٌ فكريةٌ-خِطَابِيَّةٌ تَعمل على قَوْلِ حقيقةِ ما تفكرُ فيه وتُعَبِّر عنه. ومن هنا فإنه لَا يُمكنها إلَّا أن تكون واقعةً (وخاضعةً) لشروط لتنازع حول "لْحقيقة" فِي هذا لعالَم. إنَّها وِجهةُ نَظَرٍ من بَيْنِ وجهاتِ نظرٍ أخرى مُمكنة، أي أنَّها –بِما هي وجهة أو زاوية للنظر – وجهةٌ أو زاويةٌ مُحددَةٌ تاريـخيا وجتماعيا و، من ثَم، متحيزة معرفيًّا. فـ"لفيلسوف" لَا يَنْظُر (بـﭑلْمعنَى لْمُزدَوِج، أي ﭐلنظر-ﭐلبصر ولنظر-ﭐلفكر) إِلَّا من موقعٍ مُحدَّدٍ بِمجموع لشروط للَّتِي تَحَكَّمَتْ فِي مسارِ تَكَوُّنِهِ وجعلته يَنْبَنِي كفاعلٍ فِي مَجَالٍ (قائم على لصراع ولتنافس) يَختص بِإنتاج نوعٍ من لْمنتجات للَّتِي لَها، بِهذا لقَدْر أو ذاكـ، قِيمَةٌ "نِسْبِيَّةٌ" فِي سوق لقيم لثقافية بِمجتمعه لْخاص. وهكذا فإننا، حينما نَمضي فِي تَوْضِيعِنَا للتفلسف إلَى أبعدِ حَدٍّ، ننفتح على ما هو "عتباطي"، أي ما لَا يُمكن تعليلُه (إدراكه على نَحو عقلي) إلَّا بـﭑلنسبة إلَى شُرُوط إنتاجه وتداوله لْخاصة ضمن مَجموع لشروط (لِاقتصادية ولِاجتماعية ولتاريـخية) للَّتِي تُحدد –بـﭑلضرورة- نسقَ لْممارسات لْإنسانية فِي هذا لعالَم. ويترتب على هذا أن "لتفلسف" لَا يتخذ جدارتَهُ (جَدْوَاه) لكاملة إلَّا بِتَعْيِينِهِ فِي سَيْرُورَةٍ تاريِخِيةٍ وجتماعيةٍ لِتَيْسِيـرِ قيام فضاآتٍ لِمُمَارسةِ نَوْعٍ من "لتَّنْسِيبِ لْمتبادل" فِي كُلِّ مَجالَات لفكر ولْخطاب، على نَحو يسمح بتأسيسِ وُصُولٍ جَمَاعِيٍّ (أي مشتركـ وحقيقي) إِلَى متيازات "لثقافة"، من خلَال نشر أدوات (أو أسلحة) مقاومة "لعنف لرمزي" (لْمرتبط بأنْماط لسيطرة ولسلطة لرمزية) فِي عالَمٍ لَا يتميز بشيء بقدر ما يتميز بكونه يزداد بُطْلَان (أو إِبْطَالُ) سِحْرِه. ولذا فإن "لفلسفة"، إن كانت تُريد أن تُثبت أهَميتَها فِي لْمجتمع لْمعاصر، مطالبَةٌ بـﭑلِانْخراط فِي مهمَّةٍ لبيان حُدُود لْخطاب ولفكر، وذالكـ من أجل لتمكن من فضح لِاستعمال لسُّوفِسْطائي (أي للَّا-فَلْسَفِي) لِأشكال لتعبيـر ولتفكيـر، وهو لِاستعمال للَّذِي لَا يَتَوَرَّعُ عن إتيانه، بشكل مُحْتَرِفٍ جِدًّا ومنذ لقدم، كثيـرٌ من لفلَاسفة. وهذا معناهُ أن فائدة "لفلسفة" لَا تتحدَّدُ (ولَا تزدادُ) إِلَّا بقدر ما يَتِمُّ لتواضُعُ فِي إدراكـ مُهِمَّتِهَا أو، بعبارة أخرى، وَفْقَ ما يقوله هِيـﮕـل :« لكي نقول أيضا كلمةً عن دِّعاءِ تَعْلِيمِ كيف يَجب أن يكون لعالَمُ، نُـلَاحِظُ أن لفلسفةَ، على كل حالٍ، لَا تأتِي دائما إلَّا متأخرة جِدًّا. إِذْ بِما هي فِكْرٌ حول لعالَم، فإنَّها تظهر فقط حينما يُكْمِلُ لواقع ويُنْهِي سَيْرورة تَكَوُّنِه. وما يُعَلِّمُنا إياه لْمفهوم، يُـبَـيِّنُه لنا لتاريخ بنفس لضرورة : ففي نُضْجِ لكائنات يظهر لْمثالِي فِي مواجهة لواقعي ؛ وبعد أن يكون قد أمسكـ بـﭑلعالَم نفسِه فِي جوهره، فإنه يُعيد بناءه فِي صورةِ مَملكةٍ من لْفِكَرِ. وحينما تضع لفلسفة لونَها لباهت على لصباغة لرمادية، يكون أحدُ تَجليات لْحياة قد كادَ يَشِيخُ. فلَا يُستطاعُ أن يُعَادَ إليه شبابه بوضع لونٍ رماديٍّ على آخرَ رمادِيٍّ، ولَاكن يُمكن فقط أن يُعْرَف. إنَّ بُومَة مِنِرْفَـا لَا تأخذ فِي لطيَران إلَّا عند بداية لغروب.» (أصول فلسفة لْحق). وتبقى لِـ"بُورْدِيُو" بَقِيَّةٌ (هي للَّتِي تَصْنَعُ لفَرْقَ كله) لكي يُضِيفَ : « تُوجِبُ، مع ذالكـ، لْملَاحظةُ لنبيهةُ لِسَيْـرِ لعالَمِ لْمَيْلَ إلَى مَزِيدٍ من لتواضعِ، ما دام من لواضح أن لقدرات لفكرية لَا تَكُونُ أبدًا ناجعةً إلَّا حينما تُمَارَسُ بِمُسَايِرَةِ لِاتِّجاهاتِ لْمُلَازِمةِ للنظام لِاجتماعي، حيث تُضَاعِفُ على نَحْوٍ غيْر قابل للنقاش، بواسطة لْإغفال أو لتواطؤ، آثارَ قُوَى لعالَم، للَّتِي تُعَبِّر عن نفسها أيضا منْ خِلَالِهَا.» (تَـأَمُّلَات بَـسْكَالِـيَّـة).          
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “فائدة دراسة/تدريس الفلسفة”

  1. لا شك أن الفلسفة بنظري جاءت لتجيب على علامات استفهام في كثير من الأمور الفكرية التي كانت سائدة في العصور الوسطى .. وكانت النصرانية لا تستطيع الإجابة عنها حينئذً .. وجاء الإسلام ليجيب عن جميع الأمور التي ناولها علم الفلسفة .. ولتصبح الفلسفة أقل قيمة من ذي قبل لتناقص اهميتها حالياً في مجتمعنا العربي والإسلامي ..

    بسام البدري

  2. أخي الكريم،

    يحسن التنبيه والانتباه إلى أن ّالفلسفةّ ليست علما بمعنى ّالعلمّ السائد في الطبيعيات والرياضيات، وإنما هي ممارسة نظرية و/أو عملية متميزة نوعيا عن الممارسات الأخرى، بما فيها الدين والأدب والعلم ؛ وهذا معناه أن مصادر استلهامها تبقى متعددة ويدخل ضمنها كل من الدين والعلم والأدب. كما يجدر تأكيد أن الإسلام بما هو دين لا يقدم إجابات نهائية عن أسئلة فلسفية، لأن أهم ما يميز الأسئلة الفلسفية أنها أسئلة إشكالية لا تقبل بالطبيعة إجابات نهائية على غرار الإجابات الدينية، هذا إذا سلمنا بأن هذه الإجابات (الفتاوى) تكون نهاية (قطعية) في الدين. ولهذا فإن القول بأن الفلسفة تناقصت أهميتها في المجتمع العربي-الإسلامي (لو صح) لا يجد تفسيره في كون الدين-الإسلام أجاب عن أسئلة الفلسفة، بل لوجود أسباب أخرى جعلت الناس يجدون مصلحة في قبول أجوبة تقدم نفسها باعتبارها أجوبة دينية ونهائية.

  3. شكرا لك للمائدة المستدير ة”ما جدوى الفلسفة؟”، في ثانوية بدر.

  4. شاهد أبشع ما لم تراه في حياتك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر