مَنْ لَمْ يَغُشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا

كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 14:43 م

 
"مَنْ لَمْ يَغُشَّـنَا، فَلَيْسَ مِنَّا !"
 
   اِبتداءً، لَا يتعلق ﭐلْأمر، هُنَا، بِخطإٍ فِي قراءة ﭐلْحديث ﭐلنبوي ﭐلْمعروف ("ليس مِنَّا مَنْ غَشَّنَا" أو "مَنْ غَشَّنَا فليس مِنَّا")، على ﭐلرغم من أن ﭐلْأمر، فِي هذا ﭐلْمقال، يتعلق بـ"حديثٍ"، "حديث" يدور ﭐلْآن على ألْسُنِ ﭐلناس، بل يكاد يَجري على ألسن كل ﭐلناس، بِما فيهم ﭐللذين ﭐتَّخذوا "ﭐلغش" أسلوبَ حياةٍ حَتَّى أصبحوا لَا يَجِدون فِي أنفسهم أدْنَى تَرَدُّدٍ عن إتيانه فِي كلِّ فِعْلٍ من أفعالِهم، إما بِمقتضى ﭐلتَعَوُّد وإما بفعل ﭐلِاضطرار. فَمَا دَلَالَةُ "ﭐلْغِش" فِي حياة ﭐلناس ؟ وما ﭐلْموقف ﭐللَّذي ينبغي أن يُتَّخذَ إزاءه ؟
   هذه فَتْرة ﭐلِاختبارات (ﭐللَّتِي يُصِرُّ ﭐلناسُ عِنْدنا على تسميتها بـ"ﭐلِامتحانات" حِرْصًا على ربطها بـ"ﭐلْمِحْنَة"، إما غفلةً عن ﭐلْإيـحاء ﭐلسَّلْبِي لِلَّفظ وإما تكريسًا غيْرَ وَاعٍ للواقع ﭐلفعلي ﭐللَّذِي لَا يرى طريقةً لِـ"ﭐخـتِـبَارِ" ﭐلْمرشحيـن إِلَّا بـ"إِتعابِهم" و"إعناتِهم") فِي كثيـرٍ من بُلدان ﭐلعالَم، كما هي فترة لِلِانتخابات فِي بعضها. وبَيْن "ﭐلِاختبار" و"ﭐلِانتخاب" مُجَانَسَةٌ من ﭐلناحية ﭐلصورية (ﭐلرمزية-ﭐللغوية) ومن ﭐلناحية ﭐلْمادية (ﭐلْمضمون ﭐلتداولِي وﭐلوظيفة ﭐلِاجتماعية). ويكفي أن ندركـ أن ﭐلْأمر، فيهما معًا، يتعلق بـ"عمل على تبَيُّن مدى خِبْرة ﭐلْمرشحيـن لِيَكُونُوا أهلًا لِمَا ينتظره منهم مُجتمعهم من مَهَامَّ أو خدمات". لَاكِنَّهُمَا يشتركان، أيضا، فِي كونِهما يَعْرِفَانِ مُمَارسةً لِـ"ﭐلغش" ﭐللَّذي نَحْنُ بصدد ﭐلْحديث عنه.
   قد يرى بعض ﭐلناس أن ﭐلْأهَمِية ﭐللَّتِي يَحظى بِها، فِي ﭐلْمجتمعات ﭐلْمعاصرة، مَجال ﭐلتعليم ومَجال ﭐلسياسة تكفي لِجعل موضوع "ﭐلغش" يكتسي، بدوره، أهَمية كُبْرى. غيْر أن ما يُعطي، فِي ﭐلْحقيقة، هذا ﭐلْموضوع جدارته هو أنه يقودنا إلَى ﭐلنظر فِي كيفية ﭐلِاشتغال ﭐلِاجتماعي لِأنْماط ﭐلْمُلَاحقة ﭐللَّتِي يَطْلُب من خِلَالِها ﭐلنَّاسُ تَحقيق أغراضهم وﭐلوُصُول إلَى أهدافهم بصدد كل ما يُشَكِّلُ، فِي مُجتمعاتِهم ﭐلْخاصة، "أشياءً قَيِّمَةً" أو "رِهَانًا" (يتعلق ﭐلْأمرُ بـ"ﭐقتصادٍ" كاملٍ لَا يصح أن يُخْتَزَل، كما يُفْعَلُ عادَةً، فِي "ﭐلِاقتصاد" بِـﭑلْمعنَى ﭐلْخاص، وكونُ ﭐلْأمر بِهذا ﭐلعمق هو ما يَجعل ﭐلتركيز على "ﭐلغش" فِي ﭐلتعليم وﭐلسياسة يُخْفِي "ﭐلغش" ﭐلْحقيقي ﭐلقائم فِي أصل كل أنواع "ﭐلغش" ﭐلْأخرى). ولِهذا فإنَّ ﭐلسؤالَ ﭐللَّذِي يتعيَّنُ وضعُه وﭐلْجَوَابُ عنه إنَّما هو : مَا هي ﭐلْأسبابُ ﭐلْمُحَدِّدةُ (بَلِ ﭐلْعِلَلُ ﭐلْمُبَرِّرَةُ) ﭐللَّتِي تَجْعَلُ لبعض ﭐلناس مصلحةً فِي مُمارسة "ﭐلغش" بِمجتمعاتِهم ﭐلْخاصة ؟ وتتمثل أهَميةُ هذا ﭐلسؤال فِي أن ﭐلْإجابة عنه يُمكنها أن تُسْهِم فِي معرفة ﭐلضرورة ﭐللَّتِي يَخضع لَها "ﭐلغَشَّاشُ" و، من ثَمَّ، معرفة إمكان تَهييء ﭐلظروف ﭐللَّتِي تَجعلُ له مصلحة فِي عدم إتيانه، أي تَجعله يتحرر من ﭐلضرورة ﭐللَّتِي تستعبده.
   لَعَلَّ أوَّلَ ما نصادِفُه، بصدد موضوع "ﭐلغش"، أَمْرَانِ : غيابُ ﭐلتحديد ﭐلدقيق للممارسة ﭐللَّتِي تُسَمى "غِشًّا"، ثُمَّ غَلَبَةُ ﭐلِاستنكار وشُيُوع ﭐلْإدانة لدى ﭐلناس، حَتَّى بَيْن ﭐلغَشَّاشِيـنَ منهم. ومن هنا يأتِي، فِي ﭐلغالب، ما يستشري من وَعْظٍ أخْلَاقي-إِرَادَانِيٍّ وﭐستعراضٍ غَوْغَائِي-شَعْبَانِيٍّ بَيْنَ ﭐلْمتدخليـن من مُحْتَرِفِي ﭐلْخطاب، سواءٌ أَكَانُوا سَاسَةً مُتَقَاعِسيـن أم مُثقفيـن مُتَكَاسِليـن. وكِلْتَا ﭐلطريقتيْن فِي تناول "ﭐلغش" تُعَدُّ "مَغْشُوشَةً"، أي "غيْر خالصة" و"غيْر مُخَلِّصَة"، من حيث إن ﭐلوعظَ ﭐلْأخلَاقيَّ-ﭐلْإِرَادَانِيَّ (بِما هو حديث عما يَجِبُ أن يكون عليه ﭐلسلوكـ ﭐلْمِثالِي ﭐلنابع من واجب ﭐلْإرادة ﭐلْخَيِّرة) لَا قُدرة له على تغييـر ﭐلطِّبَاعِ ﭐللَّتِي تَخضعُ لشروطٍ مُحَدِّدَة فِي ﭐلواقع ﭐلْعيْنِي، ولَا يستطيعُ ﭐلِاستعراض ﭐلغوغائيُّ-ﭐلشَّعْبَانِيُّ (بِما هو طلبٌ للمُثِيـرِ وﭐلعجيب من ﭐلْأخبار وإخراجها فِي خِطَابِ "تَسْلِيَةٍ" بقصدٍ ظاهرٍ لِـ"ﭐلتَّوْعِيَةِ" يُخْفِي إغراءَ/إكراهَ "ﭐلتَّلْهِيَةِ" ﭐلْمسيطر) إلَّا أن يَسْتَثِيـرَ مَشَاعِرَ هي نفسها ﭐلْمشاعرُ ﭐللَّتِي تُـمَكِّنُ، فِي ﭐلواقع، لِمُمَارسة "ﭐلغش" بِـﭑبتذاله وتَطْبِيعه. ولِهذا فإن أيَّ تناوُلٍ جَادٍّ لـ"ﭐلغش" يقتضي، بِـﭑلضرورة، تَجاوُز تَيْنِكـ ﭐلطريقتيْن ﭐللَّتَيْنِ صارَتَا سائدتيْنِ بِـﭑعتبارهِما، على ﭐلْأقل بِـﭑلنسبة لِكُسَالَى ﭐلفكر، أفضل ما هو مُمكنٌ منهجيا (أو "لَامنهجيا" لِأن ﭐلْأمر يتعلق، فِي ﭐلواقع، بِنَزْعةٍ تَدَّعِي إمكان بناء ﭐلْحقيقة ضد "ﭐلْمنهج" ﭐلعلمي بِـﭑلتحديد) فِي معالَجة ﭐلْمشكلَات ﭐلقائمة.
   لَا شَكَّـ فِي أنَّ ما يُسَمَّى "ﭐلغش" قد صار شائعا فِي كل قطاعات ﭐلْمجتمع (بِما فيها تلكـ ﭐللَّتِي تَختص بِـﭑستنكاره وتَحريـمه، مثل قطاع ﭐلدين وقطاع ﭐلتعليم وقطاع ﭐلقضاء)، إلَى ﭐلْحَدِّ ﭐللَّذِي أصبح يفرض نفسه على ﭐلْإنسان ﭐلعادي، بل يكاد يكون ﭐلْمعيار ﭐللَّذِي يُقَاسُ بِهِ مدى "نباهة" و"نَجاح" ﭐلْمرء فِي مُجتمعٍ هذا شأنه. وإذا كان ﭐلْمشتغلون بِـﭑلتربية وﭐلتعليم يظنون، فِي غالب ﭐلْأحيان، أنَّهم هُمْ أول مَعْنِيٍّ ومُعَانٍ لـ"ﭐلغش"، فَرُبَّما لِأنَّهم لَا يزالون يتوهَّمُون أنَّهم ﭐلْمَعْنِيِّيـن، فِي ﭐلْمقام ﭐلْأول، بصناعة ﭐلْإنسان "ﭐلصالِح" فِي ﭐلْمجتمع، ﭐلْإنسان ﭐللَّذي يعرف "مصلحته" ويعرف ﭐلطريق "ﭐلصالِح" لِبُلُوغها على ﭐلنحو ﭐللَّذِي يَكْفُل "صلَاح" ﭐلْمجتمع نفسه. لَاكِنْ من ﭐلْمُفَارَقة أنَّ ميدان ﭐلتربية وﭐلتعليم لَا يَمتاز، إذا كان بِـﭑلفعل يَمتاز بشيء، إلَّا بكونه ميدانًا لِصَقْلِ وتَهذيب ﭐلسلوكـ "ﭐلغشاش" ﭐللَّذِي يُبْنَى خارجَه وقَـبْلَهُ (خارج وقبل تَدَخُّلِه)، إلَى ﭐلْحد ﭐللَّذي يُجِيزُ ﭐلْحديث عن "فُنُونِ وتقنيات ﭐلغش" لدى ﭐلْمتعلميـن، بل إلَى ﭐلْحد ﭐللَّذِي يَجعل كثيـرًا من ﭐلْمُرَبِّيـن وﭐلْمُعَلِّمِيـن أساتذةً "فِي ﭐلغش" و"بِـﭑلغش"، ولو بِطُرقٍ غـيْر مباشرة. وهل من ﭐلْممكن، فِي ﭐلواقع، أن يكون ﭐلْمرءُ غشاشا من دون أن يكون وراءه مُرَبٍّ أو مُعَلِّمٌ مُقْتَدِرٌ لَقَّنَهُ ﭐلغش ؟ تُرَى، إذا تَجاوزنا ﭐلتوجهَ ﭐلعامِّيَّ نَحو تَحْمِيل ﭐلْمسؤولية لِلْأفراد أو ﭐلْأشخاص، هل يبقى هناكـ مِنْ رَاعٍ لِـ"ﭐلغش" فِي ﭐلواقع غيْر ﭐلْمجتمع نفسه بِما هو "نظام من ﭐلِاتفاقات" بواسطته تُنْتِجُ جَماعاتُ ﭐلناسِ حاجاتِ وأغراضَ معاشها فِي هذا ﭐلعالَم بشروطه ﭐلْمعلومة ؟
    يُمكن أن نُحَدِّدَ "ﭐلغش" بأنه يَشْمَلُ "مَجموع ﭐلْأفعال ﭐللَّتِي تُخَالِفُ، بِهَذَا ﭐلقدر أو ذاكـ، ما هو متفق عليه (طبعا إلَى هذا ﭐلْحد أو ذاكـ، وهذا ما يتجاهله كثيـر من ﭐلناس) فِي مُجتمع ما من ﭐلقواعد أو ﭐلْمعاييـر ﭐللَّتِي تُحدد ﭐلسلوكـ ﭐلقويـم أو ﭐلْمناسب فِي طلب وتَحقيق أغراض ﭐلْمعاش". وعليه فإنَّ كل مُجتمعٍ تقوم فيه، تاريـخيا وثقافيا، أنْماطٌ وطُرُقٌ مُعَيَّنَةٌ (تكون متفقا عليها، أي مشروعةً) لِبُلُوغِ وتَحصيل ﭐلِامتيازات (أو ﭐلْخَيْرَات وﭐلْقِيَم ﭐللَّتِي تكون موضوعًا أو رِهَانًا للتنافس)، بِحَيْثُ يُعْتَبَرُ – من ﭐلناحية ﭐلْأخْلَاقية وﭐلقانونية (مَجالَا ﭐلِاهتمام بِـﭑلواجب ﭐللَّذَيْن يكتفيان، فِي ﭐلغالب، بِـﭑلْجانب ﭐلشكلي منه)- كُلُّ خروج على هذه ﭐلْأنْماط وﭐلطرق سلوكًا أو فِعْلًا "غَاشًّا" يُعاقَب ويُجازى بشكلٍ مادي و/أو رمزي. وكَوْنُ ﭐلتنظيم ﭐلِاجتماعي فِي عالَم ﭐلْإنسان خاضعًا لنوعٍ من ﭐلتوزيع ﭐلْمتفاوت (فِي كل شيءٍ تقريـبًا) هو ﭐللَّذِي يَجعله يرتبط بِـﭑلتنازع وﭐلتغيُّر. ويعنِي هذا أن نظام ﭐلْمجتمع لَا يَملكـ، بِـﭑلضرورة ﭐلطبيعية، أن يكون ضَامِنًا لِمَصَالِحِ كُلِّ ﭐلْأطراف، أي ليس فِي مصلحة كل ﭐلناس أن يَخْضَعُوا دائما لِمَا هو مُتَّفَقٌ عليه من أجل تَحقيق أغراضهم ؛ مِما يُؤَدِّي إلَى ظُهُور أشكالٍ من "ﭐلغش" ليست، فِي ﭐلواقع، سوى أنْمَاطٍ وطرقٍ أخرى تُعَدُّ لدى بعض ﭐلناس (ضحايا ﭐلنظام ﭐلسائد فِي مُجتمعهم ﭐلْخاص) كفيلةً بتحقيق مصالِحِهِمْ. ومن هنا، فإن ما يُمكن أن يَعْرِفَهُ ﭐلْمجتمعُ من أشكالِ "ﭐلْغِشِّ" يُعَدُّ طَبِيعِيًّا (مُرتبطا بطبيعة ﭐنتظام وﭐشتغال ﭐلْمجتمع بِـﭑلنسبة لظروفه ﭐلْخاصة) إلَى ﭐلْحد ﭐللَّذِي يُمَثِّلُ فِيهِ نَوْعًا من ﭐلقَرِين ﭐلْمُلَازم وﭐلضروري لوجود ﭐلْمجتمع نفسه بِما هو، فِي ﭐلغالب، نظام غالِب وسائِدٌ ضمن شروط معينة، أي نظام مُمْكِنٌ بَيْنَ نُظُمٍ أخرى مُمكنة، من بينها ﭐلنظام ﭐلْمخالف وغيْر ﭐلْمتَّفَق عليه (ﭐلْمنظور إليه كـ"غِشّ" أو "خداع" أو "تدليس"). ولِهذا ﭐلسبب فإنَّ ﭐلْمَيْلَ نَحو ﭐلوعظ ﭐلْأخلَاقي - ﭐلْمنغلق ضمن ﭐلْمشروعية ﭐلْأَبَدِيَّة لنظامٍ مُعَيَّنٍ من ﭐلقيم (نظام "مشروع" لِأسبابٍ ﭐجتماعيَّةٍ وتاريـخيَّةٍ و"مشروع"، من ثَم، بِـﭑلنسبة للفئات ﭐللَّتِي تَجد، لِأسبابٍ خاصة مُحددة ﭐجتماعِيًّا، أنه يَضْمَنُ مصالِحَها ﭐلْخاصة)- وتفضيل ﭐلِاستعراض ﭐلغَوْغَائِي- ﭐللَّذِي ينحصر فِي إطار ﭐلْمُعَايَنَة ﭐلْمُقْتَـنِصَة لِمَشَاهِد "ﭐلتسلية" وﭐللذي يقف بـ"ﭐلتوعية" عند حدود ﭐلْإدراكـ ﭐلْعَفْوِيِّ لِما هو وَاقِعٌ- يُمَثِّلَان كِلَاهُما ﭐستجابةً دِفَاعِيَّةً لِنَفْسِ ﭐلشروط ﭐللَّتِي تَجعل نظام ﭐلْمجتمع تَفَاوُتِيًّا وﭐختلَافيا، ﭐستجابة تُعَبِّر عن ﭐلْجانب ﭐلْإيـجابِي فيه (نظامٌ صالِح لعدد من ﭐلفئات) وتعجز عن إدراكـ ﭐلْجانب ﭐلسَّلْبِي فيه (نظام غيْر صالِح لعدَدٍ من ﭐلفئات ﭐلْأخرى). ﭐلْأمر ﭐللَّذي يُوجِب ﭐستحضار ﭐلواقع ﭐلـتـنازعي للمجتمع للتمكن من إدراكـ أنْماط ﭐلسيطرة فيه (هذا صالِح وذاكـ غيْر صالِح ؛ هذا مشروع وذاكـ غيْر مشروع) وﭐلعمل على تفادي تَـبْرِيرِها وﭐلدفاع عنها، فقط، من موقع ﭐلْمستفيد وﭐلْمنتفع.
    ومن ثَمَّ، فإن ﭐلسلوكـ وﭐلْموقف ﭐلْمتعلقَيْنِ بـ"ﭐلغش" لَـيْسَا مُجَرَّد إخلَالٍ، مُتَسَتِّرٍ أو سَافِرٍ، بـ"نسق ﭐلقيم" (ﭐلقانونية و/أو ﭐلْأخلَاقية) ﭐلسائد فِي مُجتمعٍ مُعَيَّنٍ، بل إنَّهُمَا يُمَثِّلَان، فِي ﭐلعمق، مُسَاءَلَةً قد لَا تَرْقَى (بفعلِ أسبابٍ ﭐجتماعية وتاريـخية) إلَى مستوى ﭐلِاحتجاج وﭐلْمعارضة ﭐلكَفِيلَيْـنِ بإقامةِ مُطَالَبَةٍ أو مُنَاهَضَةٍ للنظام ﭐلقائم، ﭐلنظام ﭐلنَّوْعِي لتلبية "ﭐلْحاجات ﭐلْحيوية" ﭐلْمتعلق بِـﭑلْأعضاء فِي مُجتمعٍ يستند إلَى نظامٍ هذه حَالُه. ومن هنا، فإن ﭐستفحال "ﭐلغش"، فِي مُجتمعٍ ما، معناه أن ﭐلنظام ﭐللَّذِي يُفْتَرَضُ فيه أنْ يُمَكِّنُ من تَحقيق "ﭐلْحاجات ﭐلْحيوية" قَدْ فَشِلَ، فِعْلِيًّا وبِهذا ﭐلقدر أو ذاكـ، فِي فرض نفسه على أعضائه، بل قد يَدُلُّ (بِـﭑلْأساس) على إرهاصاتٍ لِـﭑنْقِلَابِ "نظام ﭐلقيم" فيه، بِحيث يتعلق ﭐلْأمر بِسَيْرُورةٍ لِـﭑستبدال "قِيَم ﭐلغش" مكان ﭐلنظام ﭐلسابق ﭐللَّذِي ﭐسْتَمَرَّ سَائِدًا خِلَال فترةٍ معينةٍ، وهو ﭐلِاستمرار ﭐللَّذِي يَجعل بعض ﭐلناس يَظُنُّونَ أنه يعنِي "ﭐلصلَاحَ ﭐلْأَبَدِيَّ" لِنِظَامِ ﭐلقيم ذاكـ ؛ ولَاكِنَّ ﭐستمرارَ هذا ﭐلنظام، مَهْمَا يَطُلْ، لَا يَعْنِي، فِي ﭐلْحقيقة، أنه سيبقى دائمًا ولَا أنه، بِـﭑلْأحرى، صالِحٌ بشكلٍ نِهَائِيٍّ.
   وفِي حالة مُجتمعنا –ﭐللَّتِي ليست، بِـﭑلتأكيد، مُجَرَّدَ حَالَةٍ خَاصَّةٍ-، نَجِدُ أن "ﭐلغش" يَسْتَشْرِي فِي كُلِّ ﭐلْمجالَات (فِي ﭐلِاقتصاد وﭐلسياسة وﭐلْإعلَام وﭐلدين وﭐلتعليم)، إلَى حدِّ أن وجودَ مظاهرَ للتقوى (أو تَقْوَى ﭐلظاهر) لَم يَعُدْ يَمْنَعُ مُمارسة "ﭐلغش" كما يُلَاحظ عند كثيـرٍ من ﭐلتلَاميذ وﭐلطلبة (ولَاكنْ أيضا عند كثيـرٍ من ﭐلْمُدَرِّسيـن وﭐلسياسييـن وﭐلْمثقفيـن وﭐلْإعلَامييـن) ﭐللَّذين يَـتَزَيَّـنُون بِمظهر ﭐلتقوى ولَا يتورعون عنْ إتيان "ﭐلغش" فِي ﭐلِاختبارات أو لَا تَقِيهُم تقواهم ﭐلظاهرية من آفات "ﭐلغش"، وذالكـ من حيث إنَّهم لَا يَمْلِكُون أن يَضْمَنُوا مصالِحَهم ﭐلْحيويةَ إِلَّا بِـﭑلِاحتيال أو ﭐلْخُرُوج على ما يُعَدُّ ﭐتِّفَاقَاتٍ جَمَاعِيَّة فِي مُجتمعهم ﭐلْخاص ﭐللَّذي يَجعلهم، فِي ﭐلْحقيقة، يَنْزِعُون بِـﭑلطبيعة وعلى نَحْوٍ متناقض (مظهر ﭐلتقوى وواقع ﭐلفساد) إلَى مُمارسة "ﭐلغش". وحينما تصل ﭐلْمفارقة إلَى هذا ﭐلْحد من ﭐلقوة، فإننا نكون أمام إِيذَانٍ بِصَيْرُورة ﭐلواقع ﭐلقائم نَحو نوعٍ من ﭐلِانقلَاب، حَتَّى لو كان ﭐلْأمر غيْر مشهود بِما فيه ﭐلكفاية وحَتَّى لو تَمَادى أعضاء ﭐلْمجتمع، بِمن فيهم أصناف ﭐلْمتدخليـن ﭐلرسْمييـن، فِي نُزُوعهم ﭐلِاستنكاري ﭐللذي ليس، فِي واقع ﭐلْحال، سوى "إنكارٍ" مُزْدَوِجٍ ومُركَّبٍ يدل على ﭐلوجود ﭐلِاجتماعي للناس فِي هذا ﭐلعالَم ﭐللذي لَا يَمْلِكُـ، بِحُكْمِ شُرُوطه ﭐلْمُحَدِّدَة، أن يقوم إلَّا كَنِظَامٍ تَفَاوُتِيٍّ وتَصَارُعِي يُـيَسِّر نَوْعًا من "ﭐلقلق" أو "ﭐلضَّـنْكـ" ﭐللَّذِي يَسِمُ، فِي ﭐلعمق، كل ﭐلبناء ﭐلثقافِي أو ﭐلْحضاري لِـلْإنسان وﭐللذي يتجلى من خِلَال كل مظاهر ﭐلتناقض وﭐلتَعَقُّد ﭐللَّتِي تُميز سُلُوكات ﭐلناس.
   وهكذا يَتَبَيَّنُ، على ضوء هذا ﭐلتحليل، أن "ﭐلغش"، بِكُلِّ تَجَلِّيَاتِه وتَـبِِعَاته، لَا يُعبِّر، كما يَمِِيلُ إلَى ﭐعتقاده ﭐلظَّنُ ﭐلشائع، عن تَفَسُّخٍ أخلَاقي طارئٍ ولَا عن ضعفٍ فِي "ﭐلْعَاقِلِـيَّةِ" مُخِيفٍ، بقدر ما يُعَبِّر، بشكل مادي وواقعي، عن أزمة "نظام ﭐلقيم" كنظام ﭐجتماعي ومَدَنِيٍّ (ومن ثَم تاريـخي وﭐعتباطي) لتدبيـر أنْمَاط تلبية "ﭐلْحاجات ﭐلْحيوية" لِأعضاء ﭐلْمجتمع ؛ ﭐلْأمر ﭐللَّذِي يفضح واقع ﭐلتفاوت وﭐللَّامساواة كما تعيشه فئات ﭐجتماعية (قد يزيد عددها أو ينقص) على نَحْوٍ يَجعلها ضحايا فِعْلِيَّة له، فِي ﭐلوقت نفسه ﭐللَّذي تُوجَد فئات ﭐجتماعية أخرى (هي أيضا قد يزيد عددها أو ينقص) تُعَدُّ مستفيدة وناجحة فِي ظل نظام ﭐلقيم ﭐلسائد. ومن هنا فإن ﭐلْحكم على ظاهرة ﭐلغش لَا يكون دَالًّا ونَاجِعًا إلَّا بِـﭑلقدر ﭐللذي يكون به نابعا من تَبَيُّنٍ حقيقي فِي واقع ﭐلتوزيع ﭐلْمتفاوت للحظوظ وﭐلِامتيازات بِـﭑلْمجتمع. وبَدَلًا من ﭐلذهاب بعيدا فِي تقدير نوع هذه ﭐلْحظوظ وﭐلِامتيازات من أجل معرفة مدى جدارتِها بِـﭑلْمُلَاحقة ضمن "نظامٍ للقيم" يستحق أن يفرض نفسه على ﭐلناس فِي مُجتمع معيَّنٍ، ومن ثَمَّ ﭐلقدرة على ﭐلتمييز بَيْنَ ما يُعَدُّ "ﭐستقامةً" (أي ﭐمتثالًا مَدَنِيًّا من طرف ﭐلْمواطن) وما يُوصَمُ بأنه "غش"، يَجدر ﭐلتركيز على ﭐلقوة ﭐللَّتِي يَحْضُرُ بِها واقع "ﭐلغش" نفسه فِي حياة ﭐلناس بِمجتمعٍ معيَّنٍ خلَال فترةٍ مُحددة. إذ يكفي أن نُلَاحظ، كما هو ﭐلْحال فِي واقعنا ﭐلْحاضر، ﭐزدياد نِسَبِ "ﭐلغش" فِي ﭐلْمجتمع على كل ﭐلْمستويات لكي ندركـ أن ﭐلْأمر يتعلق بأزمةٍ حقيقيَّةٍ لِـ"نظام ﭐلقيم"("نظام ﭐلقيم" بِما هو مَجموعة من ﭐلِاتفاقات حول كيفيات مُحددة لتلبية "ﭐلْحاجات ﭐلْحيوية")، على ﭐلنحو ﭐللذي يقود بِـﭑلضرورة إلَى ﭐستِـنْـتاج أن "نظام ﭐلقيم" قد أصبح موضوعًا لِلْمُنَاهَضَة بَعْدَ أن كان مَحَلَّ موافقة وﭐتفاق من طرف معظم أعضاء ﭐلْمجتمع. ومن هنا، فإن ﭐلْمبدأ ﭐللَّذي يُفيد أن "مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا" لَا يُمكنه أن يتخذ معناهُ ﭐلكامل إِلَّا بِـﭑلنسبة إلَى واقعٍ فِعْلي يَجعل لِمُعظم ﭐلناس مصلحةً فِي ﭐلتزام "نظام ﭐلقيم" ﭐلسائد وﭐلسلوكـ وَفْقَهُ. لَاكِنَّ كون ﭐلِاشتغال ﭐلعادي لنظام تدبيـر ﭐلشؤون ﭐلعامة للناس فِي ﭐلْمجتمع على نَحْوٍ يَجعلهم مُضْطَرِّينَ إلَى كل أنواع ﭐلِاحتيال للتمكن من تلبية حاجاتِهم ﭐلْمعاشية هو ﭐللذي يَقْلِب ذالكـ ﭐلْمبدأ ليصيـر : "مَنْ لَمْ يَغُشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا"، بِمَعْنَى "مَنْ لَم يَسْتَطِعْ أن يُخالف نظام ﭐلقيم ﭐلسائد، فإنه لَا يستطيعُ (ولَنْ يستطيع) أن يضمن وجوده بَيْنَنَا". ولعل هذا هو لِسَانُ ﭐلْحَالِ فِي مُجتمعٍ لَم يعرف كيف يؤسس نظاما لتدبيـر ديـموقراطي للشأن ﭐلعام، أي نظاما يَجعل لِأغلبية أعضائه مصلحةً فِي عدم ﭐللجوء إلَى "ﭐلغش".   
                      
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “مَنْ لَمْ يَغُشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا”

  1. السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته :

    **************************************

    توفيق الصائغ / يوسف الخال / بدر شاكر السياب / سميح القاسم / محمد الماغوط/ أنسي الحاج / رشيد بوجدرة / يوسف السباعي / تركي الحمد / نجيب محفوظ/ معين بسيسو/ محمد الفيتوري / صلاح عبد الصبور/ أدونيــس / عبد العزيز المقالح / مليكة مزان/ عبد الوهاب البياتي / محمود درويش / نزار قباني / صلاح حسن.

    هل تعرف هؤلاء ؟ ما الذي يجمع بينهم ؟ إنها الحداثة .

    لكن ما هي حقيقة الحداثة ، تعرف عليها من خلال آخر الإدراجات :

    * مفهوم الحداثة.

    * لمحة موجزة عن تاريخ الحداثة في الغرب

    * من شيوخ الحداثة :(أدونيــس ).

    * نيتشه و الحداثة.

    و آخرها :

    حقيقة الحداثيين و جرائمهم البشعة في حق الله تعالى.

    http://bla3almaniya.maktoobblog.com/?post=489947&postView=1

    مع الاعتذار لخروجي عن موضوعكم.

    مع كامل احترامي و تقديري.

  2. بما أن الإنتخابات التي شهدتها بلادنا نظمت في اطار لوائح انتخابية فاسدة و استعمال واسع للمال الحرام وخروقات فاضحة

    اضافة الى نسبة المشاركة الضعيفة جدا . وفي ظل تصويت في عمومه غير سياسي مما أفرز في النهاية برلمان أعيان و نخب فاسدة انبثقت عنه حكومة مرفوضة شعبيا وبما أن المنهجية الديمقراطية تقتضي تعيين الوزير الأول ضمن تيار الأغلبية .

    نقرح على عموم المواطنين الدين لم يدهبوا للتصويت يوم 7 شتنبر 2007 والدين دهبواوكانوا من اصحاب الأوراق الملغاة والدين ام يسجلوا في اللوائح الإنتخابية عمدا او اهمالا، نقترح حكومة بديلة وبشكل ديموقراطي ،إذ من حق جميع هؤلاء إقتراح من يروا فيه الكفاءة والقدرة على اداء هده المهمة الجسيمة :

  3. أما آن لهذا الظلم ان يترجل؟؟

    حملة التضامن مع المرأة في - مملكة الصمت ! - السعودية



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر