الوهم اللغوي لا يصنع حقيقة الفلسفة

كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 1 يناير 2008 الساعة: 18:04 م

  
    هُوَ كَلِمَةٌ تَتَحَدَّدُ نَحْوِيًّا بِأَنَّهَا ضَمِيـرٌ مُنْفَصِلٌ يَدُلُّ عَلَى ٱلْمُفْرَدِ ٱلْمُذَكَّرِ ٱلْغَائِبِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ هِيَ ضَمِيـرٌ مِثْلُهُ يَدُلُّ عَلَى ٱلْمُفْرَدِ ٱلْمُؤَنَّثِ ٱلْغَائِبِ، وَيَصِيـرَانِ فِي ٱلْمُثَنَّى هُمَا وَفِي ٱلْجَمْعِ ٱلْمُذَكَّرِ هُمْ وَفِي ٱلْجَمْعِ ٱلْمُؤَنَّثِ هُنَّ. وَيُسْتَعْمَلُ لَفْظُ هُوَ فِي حَالَتَيْنِ : أَنْ يَكُونَ ضَمِيـرًا مُنْفَصِلًا يَدُلُّ عَلَى ٱلْغَائِبِ، كَقَوْلِكَـ هُوَ كَاتِبٌ، أَوْ أَنْ يَكُونَ ضَمِيـرَ عِمَادٍ وَفَصْلٍ يُسْتَعْمَلُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، كَقَوْلِكَـ زَيْدٌ هُوَ ٱلْكَاتِبُ (زَيْدٌ ٱسْمُ عَلَمٍ مَعْرِفَةٌ وَٱلْكَاتِبُ صِفَةٌ/نَعْتٌ مَعْرِفَةٌ). وَفِي هَذِهِ ٱلْحَالَةِ ٱلْأَخِيـرَةِ تَجِبُ ٱلْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ ٱلطَّرَفَيْنِ ٱللَّذَيْنِ يَفْصِلُ، بَلْ يَصِلُ بَيْنَهُمَا ضَمِيـرُ هُوَ (فِي ٱلْمِثَالِ ٱلسَّالِفِ زَيْدٌ وَٱلْكَاتِبُ مُتَمَاثِلَانِ، يَدُلَّانِ عَلَى ٱلشَّخْصِ عَيْنِهِ). أَمَّا فِي حَالَةِ ٱلْمُبْتَدَإِ وَٱلْخَبَرِ فَلَا مَحَلَّ لَهُ، كَقَوْلِكَـ زَيْدٌ كَاتبٌ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ زَيْدٌ [هُوَ] كَاتِبٌ، وَإِلَّا لَصِرْتَ إِلَى أَحَدِ ٱلْقَوْلَيْنِ ٱلسَّابِقَيْنِ ٱلْمُخْتَلِفَيْنِ تَرْكِيبًا وَمَعْنًى : هُوَ كَاتِبٌ أَوْ زَيْدٌ هُوَ ٱلْكَاتِبُ (اُنْظُرْ : عَبَّاسٌ حَسَنٌ، ٱلنحو ٱلوافِي، ج1، ص.242-250. وَٱنْظُرْ أَيْضًا : عَبْدُ ٱلرَّحْمَانِ طَهَ، ٱللُّغَةُ وَٱلْفَلْسَفَةُ، بالفرنسية، مَطْبَعَةُ فُضَالَةَ، 1979، ص.22-27).
   إِنَّ كَلِمَةَ هُوَ لَا تُطَابِقُ ﭐلْبَتَّةَ ٱلرَّابِطَ ٱلْإِسْنَادِيَّ كَمَا يُوجَدُ فِي ٱلْأَلْسُنِ ٱلْأُرُوبِّـيَّة : مَثَلًا فِي ٱلْإِنْجليزيَّةِ  «to be» وَفِي ٱلْفَرَنْسِيَّةِ «l’auxillaire être»، فَقَوْلُ ﭐلْإِنْجليزيِّ «John is sick» أَوْ قَوْلُ ٱلْفَرَنْسِيِّ «Jean est malade» يُقَابِلُهُ ﭐلْعَرَبِيُّ بِقَوْلِهِ يَحْيَى مَرِيضٌ، وَلَا يَصِحُّ إِيرَادُ هُوَ إِلَّا فِي مُقَابِلِ «He is sick» أَوْ «Il est malade » بِقَوْلِكَـ هُوَ مَرِيضٌ، بَلْ قَدْ يُؤَدَّى ٱلْمَعْنَى نَفْسُهُ بِقَوْلِكَـ إِنَّهُ مَرِيضٌ ؛ أَوْ فِي مُقَابِلِ « It is it the invalid » أَوْ  «c’est lui le malade» بِقَوْلِكَـ هُوَ ﭐلْمَرِيضُ (وَلَيْسَ غَيْرُهُ). أَمَّا قَوْلُهُمْ هُوَ [هُوَ] كَمَا فِي تعبيـرِ ٱلْمَنَاطِقَةِ عَنِ ٱلْمُمَاثَلَةِ أَوِ ٱلْهُوِّيَّةِ (the identity, l’identité) فَهُرَاءٌ بَيِّنٌ، لِأَنَّ ﭐلصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ (أ) هِيَ نَفْسُهَا (أ تُمَاثِلُ/تُسَاوِي نَفْسَهَا)، تَمَامًا كَقَوْلِكَـ مُحَمَّدٌ [هُوَ] نَفْسُهُ يقول… بِمَعْنَى أَنَّهُ نَفْسُهُ وَلَيْسَ غَيْرَهُ. وَلَا حُجَّةَ هُنَا بِمَا وَرَدَ فِي ٱلْقُرْآنِ ٱلكريـم : هُوَ ٱللَّاهُ، ﭐللَّذِي لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ (ٱلْحَشْرُ : 21-22)، لِأَنَّ هَذِهِ عِبَارَةٌ ٱسْتُعْمِلَ فِيهَا لَفْظُ هُوَ كَضَمِيـرٍ لِلْغَائِبِ (هُوَ ٱللَّاهُ)، ثُمَّ كُرِّرَ فِي ٱلْآخِرِ بَعْدَ ٱلنَّفْيِ وَمَعَ أَدَاةِ ٱلِاسْتِثْنَاءِ (إِلَّا ٱللَّاهُ) لِإِفَادَةِ ٱلْحَصْرِ، أَيْ حَصْرُ ٱلْأُلُوهِيَّةِ فِي كَائِنٍ أَحَدٍ هُوَ فَقَطْ ﭐللَّاهُ. وَهَذِهِ ٱلْعِبَارَةُ مِنْ جَوَامِعِ ﭐلْكَلِمِ : ألَا تَرَى أَنَّهَا جَمَعَتْ بَيْنَ قَوْلَيْنِ بِوَاسِطَةِ ٱلِاسْمِ ٱلْمَوْصُولِ ٱللَّذِي، فَـهُوَ ٱللَّاهُ قَوْلٌ تَامٌّ، ثُمَّ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ قَوْلٌ تَامٌّ كَذَالِكَـ، وَٱللَّذِي لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ تَسْتَلْزِمُ هُوَ ﭐللَّاهُ، وَهَذِهِ تَسْتَلْزِمُ تِلْكـَ، كُلٌّ مِنْهُمَا تُحِيلُ إِلَى ٱلْأُخْرَى مِنْ دُونِ أَنْ تَلْمَسَ حَشْوًا أَوْ تُحِسَّ تَعْقِيدًا !
   وَبِنَاءً عَلَى هَذَا فَإِنَّ ٱسْتِعْمَالَ هُوَ تَرْجَمَةً لِلرَّابِطِ ٱلْإِسْنَادِيِّ أَوْ فِي ٱلرَّبْطِ بَيْنَ ٱلْمُبْتَدَإِ وَٱلْخَبَرِ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ سِوَى ٱلْحَشْوِ، كَقَوْلِهِمْ هَذِهِ ٱلْمَسْأَلَةُ [هِيَ مَسْأَلَةٌ] مُهِمَّةٌ، حَيْثُ تَرَى أَنَّ مَا وُضِعَ بَيْنَ معقوفيْنِ حَشْوٌ لَاغٍ. وَمِنَ ٱلْحَشْوِ أَيْضًا قَوْلُهُمْ هُوَ (أَوْ هِيَ) عِبَارَةٌ عَنْ كَذَا، لِأَنَّ عِبَارَةٌ عَنْ صِيغَةٌ تَفْسِيـرِيَّةٌ مِثْلَ أَيْ وَمَعْنَاهُ، تَتَعَلَّقُ بِـﭑللُّغَةِ ٱلْوَاصِفَةِ كَقَوْلِكَـ (ٱلْجَوُّ صَحْوٌ) عِبَارَةٌ عَنْ (إِحْسَاسٍ نَفْسِيٍّ) أَوْ (مَوْقِفٍ تَقْرِيرِيٍّ) أَوْ، بِكُلِّ بَسَاطَةٍ، (مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ). وَإِلَّا لَجَازَ قَوْلُكَـ يَحْيَى (عِبَارَةٌ عَنْ) مَرِيضٍ وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ سِوَى يَحْيَى مَرِيضٌ، بَلْ حَتَّى فِي حَالَةِ إِرَادَةِ قَوْلِ يَحْيَى شَخْصٌ مَرِيضٌ تَمَامًا، فَإِنَّكَـ لَا تُؤَدِّي ٱلْمَعْنَى بِـعِبَارَةٌ عَنْ وَإِنَّمَا تَقُولُ لَيْسَ يَحْيَى سِوَى شَخْصٍ مَرِيضٍ أَوْ إِنْ يَحْيَى إِلَّا شَخْصٌ مَرِيضٌ أَوْ مَا هُوَ إِلَّا شَخْصٌ مَرِيضٌ.
   مِنْ أَجْلِ ذَالِكَـ يُعَدُّ مِنَ ٱلسُّخْفِ أَنْ يُحَاوِلَ ٱلْمَرْءُ ٱلتَّفَلْسُفَ فِي كَوْنِ ٱلْعَرَبِيَّةِ مِنَ ٱللُّغَاتِ ٱللَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى ٱسْتِعْمَالِ ٱلرَّابِطِ ٱلْإِسْنَادِيِّ، عَكْسَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي ٱللُّغَاتِ ٱلْأُورُوبِّيَّةِ (وَلَيْسَتْ وَحْدَهَا). فَهَذَا ٱلرَّابِطُ لَيْسَ ضَرُورَةً وُجُودِيَّةً (وَبِـٱلتَّالِي طَبِيعِيَّةً كَمَا يَتَوَهَّمُ كَثِيـرُونَ) تَظْهَرُ فِي أَلْسُنٍ وَتَخْتَفِي فِي أُخْرَى، وَإِنَّمَا هُوَ عَرَضٌ لُغَوِيٌّ، ٱعْتِبَاطِيٌّ تَمَامًا، وَإِلَّا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا بِـٱلسَّلِيقَةِ فِي كُلِّ ٱلْأَلْسُنِ ٱلْمَعْرُوفَةِ فِي عالَمنا. وَٱلْحَالُ أَنَّ وُجُودَ بَعْضِ ٱلْأَلْسُنِ ٱللَّتِي تَسْتَغْنِي عَنِ ٱلرَّابِطِ ٱلْإِسْنَادِيِّ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ سِوَى ضَرُورَةٍ لُغَوِيَّةٍ فِي ٱلْأَلْسُنِ ٱللَّتِي يُوجَدُ فِيهَا. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ ٱلْأَمْرَ لَا يَسْمَحُ لَنَا مُطْلَقًا (كَمَا أَكَّدَ ذَالِكَـ طَهَ عَبْدُ ٱلرَّحْمن فِي رسالته ٱلْمذكورة آنِفًا) بِـٱلْحديث عن نوعٍ من ٱلغِنَى ٱلفلسفي فِي ٱللُّغات ٱللَّتِي تستعمل ذالكـ ٱلرابط، فِي مقابل عجزٍ فلسفي فِي ٱللغات ٱللَّتِي تستغنِي عنه (اُنظر مثلًا : إدريس كثيـر، ٱلْإِسرار ٱلفلسفي، 2003). فلَا لسان له خِيَار (و، من ثَم، ٱمتياز) إظهار معنَى ٱلوجود أو ٱلْإسرار به، بل إن معنَى ٱلوجود نفسه أوضح وآكد فِي ٱلواقع من كل إمكانات ٱللغة، بِحيث من ٱلْممتنع أن يصدر ٱلوجود عن ٱللغة أو يرد إليها، بفعل ٱلِاختلَاف ٱلْجِذري بيْن طبيعة (أو جوهر) كل من ٱلوجود وٱللغة. لَاكِن بعض ٱلْمتفلسفيـن، خاصة بيننا، لَا يَجدون حرجا فِي تَعَدِّي أطوار ٱلعقل حينما يَجهدون بِكَأْدٍ بَادٍ لِـٱستنباط حقيقة ٱلوجود ٱلعينِي من صور ٱللغة ٱلْمجردة كليا منها. إذ ليس كل ما يُمكن ٱلتعبيـر عنه فِي ٱللغة له تَحقق فِي ٱلواقع ٱلعينِي، ولَا كل ما له تَعَيُّنٌ فِي عالَم ٱلوجود يُمكن نقله بِحقيقته ٱلعينية إلَى ٱللغة، لِأننا بصدد نظامَيْن مُختلفَيْنِ كليًّا فِي طبيعتهما. وَلَيْتَ بعض ٱلْمتفلسفيـن بيننا يقفون على حقيقة هذا ٱلْأمر، إذًا لَأمكنهم أن يفكوا عن فكرهم أحد أكبَر ٱلقيود ٱللتِي ما زالت تأسر حركته فقط فِي حدود ما سَمحت به ٱلْألسن ٱلْأجنبية لِمستعمليها من إمكانات فِي ٱلتفلسف، ٱللَّتِي لَا تفرض نفسها علينا إلَّا بقدر ما تلتقي مع ما يتيحه ٱللسان ٱلْمتداول فِي وسطنا ٱلِاجتماعي وٱلثقافِي.        
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الوهم اللغوي لا يصنع حقيقة الفلسفة”

  1. bravo merci beaucouq



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر