تعريب أعجمي
كتبهاعبد الجليل الكور abdeljalil elgour ، في 6 يناير 2008 الساعة: 20:19 م
قَدْ يَبْدُو لِكَثِيـرِينَ أَنَّنَا بِمَا نَحْنُ عَرَبٌ فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْنَا مِنْ دُونِ أَيِّ إِشْكَالٍ. لَاكِنَّ مَسْأَلَةَ ﭐلتَّعْرِيبَ لَا يُمْكِنُ، فِي ﭐلْوَاقِعِ، أَنْ تَمُرَّ دُونَ أَنْ تُـثِـيـرَ إِشْكَالَاتٍ. وَهَذَا مَا يَجْعَلُ تَنَاوُلَ ﭐلتَّعْرِيبِ مَوْضُوعًا لِلْأَخْذِ وَﭐلرَّدِ بَيْنَ ﭐلْأَنْصَارِ وَﭐلْخُصُومِ. وَلِذَا، أَيْضًا، لَا يَزَالُ ﭐلتَّعْرِيبُ، فِي مُعْظَمِ ﭐلْبُلْدَانِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ، مُتَعَثِّرًا وَسَطْحِيًّا.
لَقَدِ ﭐرْتَبَطَ ﭐلتَّعْرِيبُ فِي أَذْهَانِ ﭐلنَّاسِ بِجَعْلِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ لِسَانَ ﭐلتَّعْلِيمِ وَﭐلْإِدَارَةِ بَدَلَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐللَّتِي بَوَّأَتْهَا ﭐلسَّيْطَرَةُ ﭐلِاسْتِيطَانِيَّةُ لِلْأُرُوبِّـيِّيـنَ ﭐلْمَكَانَةَ ﭐللَّتِي كَانَ يَحْتَلُّهَا مِنْ قَبْلُ هَذَا ﭐللِّسَانُ. وَعَلَى ﭐلرَّغْمِ مِنْ رُسُوخِ هَذَا ﭐلْمَعْنَى وَسِيَادَتِهِ، فَإِنَّه لَا يَشْمَلُ، فِي ﭐلْوَاقِعِ، سِوَى أَحَدِ أَبْعَادِ ﭐلتَّعْرِيبِ(لِأَنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ بِمَا هُوَ ﭐللِّسَانُ ﭐلْقَوْمِيُّ لِلْعَرَبِ فَإِنَّهُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ ﭐللِّسَانَ ﭐلْمُسْتَعْمَلَ فِي ﭐلتَّعْلِيمِ وَﭐلْإِدَارَةِ). غَيْرَ أَنَّ هَذَيْنِ ﭐلْمَجَالَيْنِ (ﭐلْمَدْرَسَةَ وَﭐلْإِدَارَةَ) لَا يُكَرِّسَانِ مِنَ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ سِوَى جَانِبَيْهِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ وَﭐلرَّسْمِيِّ ؛ وَتَبْقَى ﭐلْحَيَاةُ ﭐلْعَامَّةُ -مَعَ ذَالِكَـ- خَارِجَ إِطَارِ ﭐلتَّعْرِيبِ كَسَيْرُورَةٍ قَائِمَةٍ أَسَاسًا عَلَى ﭐلتَّفْصِيحِ وَﭐلتَّهْذِيبِ وَﭐلتَّنْشِيطِ. وَلَا أَدَلَّ عَلَى هَذَا مِنْ أَنَّ عَامَّةَ ﭐلْعَرَبِ مَا زَالَتْ لَا تَعْرِفُ مِنَ ﭐللُّغَتَيْنِ ﭐلْمَدْرَسِيَّةِ وَﭐلْإِدَارِيَّةِ إِلَّا ﭐلِاسْمَ. طَبْعًا إِنَّ سُلْطَتَهُمَا، بِصِفَتِهِمَا لُغَتَيْنِ تَتَّسِمَانِ بِمَشْرُوعِيَّةٍ تَضْمَنُهَا ﭐلدَّوْلَةُ، تَسْرِي عَلَى ﭐلْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ ﭐلدَّوْلَةَ كَانَتْ وَمَا زَالَتْ لَا تَرَى مَعْنًى لِلتَّعْرِيبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ﭐللِّسَانُ ﭐلعَرَبِيُّ- فِي صِيغَتِهِ ﭐلصُّورِيَّةِ/ﭐلشَّكْلِيَّةِ- ﭐللُّغَةَ ﭐلرَّسْمِيَّةَ لِلْبَلَدِ. وَلِكَيْ تَضْمَنَ هَذَا ﭐلْأَمْرَ كَانَ لَابُدَّ أَنْ تَجْعَلَهُ، خُصُوصًا فِي ﭐلْمُسْتَوى قَبْلَ ﭐلْجَامِعِيِّ، لُغَةَ ﭐلتَّعْلِيمِ وَتَخْرِيجِ ﭐلْأُطُرِ. فَلَا عَجَبَ، إِذًا، أَنْ يَبْقَى ﭐللِّسَانُ ﭐلْعَرَبِيُّ رَمْزًا قَوْمِيًّا أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ أَدَاةٌ ﭐجْتِمَاعِيَّةٌ لِلْإِنْتَاجِ ﭐلثَّقَافِيِّ وَﭐلْبِنَاءِ ﭐلْحَضَارِيِّ. وَﭐلسَّبَبُ، ﭐللَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، هُوَ أَنَّ ﭐلسَّوَادَ ﭐلْأَعْظَمَ مِنَ ﭐلشُّعُوبِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ لَا يَعْرِفُ مِنَ ﭐللُّغَةِ سِوَى أَنَّهَا وَسِيلَةٌ مُبْتَذَلَةٌ لِقَضَاءِ أَغْرَاضِ ﭐلْمَعَاشِ ﭐلْيَوْمِيِّ ﭐلْخَاضِعِ لِلْمَدَى ﭐلزَّمَنِيِّ ﭐلْقَرِيبِ وَﭐلْمُنْقَطِعِ عَنِ ﭐلْقَصْدِيَّةِ ﭐلِانْعِكَاسِيَّةِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ ﭐللَّذِي كَانَ يَقِفُ فِي ﭐلْمَاضِي ضِدَّ ﭐلْمَوْجَاتِ ﭐلشُّعُوبِيَّةِ ﭐلطَّاعِنَةِ فِي هُوِّيَّةِ ﭐلْعَرَبِ وَﭐلرَّامِيَّةِ إِلَى إِقْصَائِهِمْ مِنْ مَسَارَاتِ ﭐلْحَضَارَةِ ﭐلْبَشَرِيَّةِ قَدْ ضَاعَ أَوَّلًا فِي زَحْمَةِ ﭐلثَّوَرَاتِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ لِتَحْرِيرِ ﭐلْوَطَنِ وَإِنْشَاءِ ﭐلدَّوْلَةِ ﭐلْمُسْتَقِلَّةِ، ثُمَّ طُمِسَ طَمْسًا بَعْدَ ذَالِكَـ فِي طُوبَـيَاتِ ﭐلِاشْتِرَاكِيَّةِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ أَوِ ﭐلِانْفِتَاحِيَّةِ ﭐلْمُتَرَسْمِلَةِ ﭐللَّتَيْنِ لَمْ تَكُونَا تَعْرِفَانِ سِوَى تَحْقِيقِ ﭐلتَّنْمِيَةِ وَﭐلْعَدَالَةِ ﭐلِاجْتِمَاعِيَّةِ وَلَوْ تَمَّ ذَالِكَـ بِأَكْوَامٍ مِنَ ﭐلْمَوَادِّ ﭐلْبَشَرِيَّةِ ﭐللَّتِي لَا تَنْطِقُ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهَا وَإِذَا نَطَقَتْ فَلَا تَمْلِكُـ أَنْ تُخَالِفَ أَمْرًا. وَهَكَذَا ضَيَّعَ ﭐلْعَرَبُ أَسْنَحَ فُرْصَةٍ فِي ﭐلْقِيَامِ بِـتَعْرِيبٍ ﭐجْتِمَاعِيٍّ شَامِلٍ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ ﭐلْمَدْرَسَةِ وَﭐلْحَيَاةِ ﭐلْعَامَّةِ وَلَا بَيْنَ ﭐلْمَجَالِ ﭐلرَّسْمِيِّ وَﭐلْفَضَاءِ ﭐلْعُمُومِيِّ، تَعْرِيبٌ يَبْدَأُ بِتَعْلِيمِ ﭐلنَّاسِ أَنَّهُمْ عَرَبٌ أَصْحَابُ تَارِيـخٍ وَرِسَالَةٍ فِي مَوْكِبِ ﭐلْإِنْسَانِيَّةِ وَلَيْسَ ﭐلهَاءَهُمْ بِـعُرُوبَةٍ تَهْوِي هُوِيَّةً عَصَبِيَّةً وَنَخْوَةً شِعْرِيةً وَتَرْتَكِسُ أَمَامَ مَنْ يَصْنَعُ مِنْ مَحْضِ أَوْهَامِهِ تَارِيـخًا وَيَـبْنِي بِفَضْلِ نَعَرَاتِ ﭐلْعَرَبِ ﭐلْقَوْمَانِيَّةِ دَوْلَةً وَأُمَّةً.
إِنَّ ﭐلْعَرَبَ وَهِمُوا طَوِيلًا وَكَثِيـرًا وَلَمَّا يَقِفُوا عَلَى أَصْلِ ﭐلْبَلَاءِ ﭐللَّذِي مَا ﭐنْفَكُّوا يَصْطَلُونَ بِشَدَائِدِهِ : لَمْ يَنْهَزِمُوا فِي مَعَارِكِـ ﭐلتَّارِيخِ ﭐلْحَدِيثِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَقَلَّ رُجُولَةً أَوْ لِأَنَّهُمْ يَجْهَلُونَ لِسَانَ ﭐلْأَجْدَادِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ ظَلُّوا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ﭐلْحُلْمِ كَرَمْزٍ لِإِرَادَةٍ حَيَّةٍ وَفَاعِلَةٍ وَﭐلْحُلْمِ كَدُوَّامَةٍ مِنَ ﭐلِانْتِشَاءِ ﭐلدَّائِمِ بِأَسَاطِيـرِ ﭐلْعَجَائِزِ وَأَفَانِيـنِ ﭐلْحُكَاةِ. وَلِذَا فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ لَمْ يُنْظَرْ إِليْهِ إِلَّا بِكَوْنِهِ عَمَلًا عَلَى ﭐسْتِرْدَادِ حَقِّ لِسَانِنَا ﭐلسَّلِيبِ وَجَعْلِهِ يَنْبَعِثُ عَلَى أَلْسِنَةِ ﭐلشُّعَرَاءِ وَﭐلْخُطَبَاءِ لِيَهِيمَ ﭐلنَّاسُ فِي وِدْيَانِ ﭐلْعَنْتَرِيَّاتِ. وَلَقَدْ كَانَ !
إِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ لَيْسَ إِجْرَاآتٍ لُغَوِيَّةً تَخُصُّ ﭐلتَّعْلِيمَ وَﭐلْإِدَارَةَ وَتَحْفَظُ رُمُوزَ ﭐلْعِبَادَةِ فِي ﭐلْمَسَاجِدِ وَأَيَّامِ ﭐلْأَعْيَادِ، وَإِلَّا فَقَدْ كُفِيتُمْ شَرَّ ﭐلْقِتَالِ - يَا مَعْشَرَ ﭐلْعَرَبِ- بَعْدَ أَنْ ﭐعْتُرِفَ بِلِسَانِكُمْ فِي أَكْبَرِ مَحْفَلٍ عَالَمِيٍّ وَصَارَ لِسَانًا يُدْرَسُ وَيُدَرَّسُ فِي كَثِيـرٍ مِنَ ﭐلْجَامِعَاتِ دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا ! وَإِنَّ تَعْرِيـبًا مُنْحَصِرًا فِي ﭐلْحُدُودِ ﭐللَّتِي رُسِمَتْ لَهُ إِبَّانَ مُدَافَعَةِ ﭐلْمَدِّ ﭐلِاسْتِيطَانِيِّ لَمْ يَسْتَجِبْ لِحَاجَاتِ ﭐلتَّنْمِيَةِ وَﭐلتَّقَدُّمِ وَلَنْ يُفْلِحَ فِي ﭐلْوُقُوفِ أَمَامَ آليَّاتِ ﭐلتَّعْجِيمِ ﭐللَّتِي تَعْمَلُ مِنْ دَاخِلِ ﭐلْمُجْتَمَعَاتِ عَلَى ﭐمْتِدَادِ ﭐلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ. وَلِهَذَا كُلِّهِ مِنَ ﭐلْمُؤْسِفِ جِدًّا أَنْ يُحْمَلَ ﭐلْمَرْءُ، بَعْدَ خَمْسِيـنَ عَامًا مِن قِيَام ﭐلدُّوَيْلَاتِ ﭐلْقَوْمِيَّةِ بِـﭑلْعَالَمِ ﭐلْعَرَبِيِّ، عَلَى ﭐلِاعْتِرَافِ بِأَنَّ خُطَطَ ﭐلتَّعْرِيبِ كَانَتْ بِصَرِيحِ ﭐلْعِبَارَةِ أَعْجَمِيَّةً، وَذَالِكَـ لِسَبَبٍ جَوْهَرِيٍّ : لَمْ تُؤَسَّسْ وَفْقَ إِمْكَانَاتِ وَضَرُورَاتِ ﭐلْوَاقِعِ ﭐلْعَرَبِيِّ ﭐلْحَقِيقِيِّ.
كَانَ ﭐلتَّعْرِيبُ وَلَا يَزَالُ ضَرُورَةً، لَيْسَ لِأَنَّ ﭐلْعَرَبَ وُوجِهُوا – تَحْتَ ﭐلسَّيْطَرَةَ ﭐلِاسْتِيطَانِيَّةِ – بِأَلْسُنٍ أَجْنَبِيَّةٍ لَا تَمُتُّ بِصِلَةٍ إِلَى لِسَانِهِمِ ﭐلْقَوْمِيِّ ؛ وَإِنَّمَا لِأَنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ - ﭐللَّذِي هُوَ وَسِيلَةُ ﭐلتَّبَادُلِ ﭐلْيَوْمِيِّ وَعِمَادُ ﭐلْوُجُودِ ﭐلثَّقَافِيِّ وَﭐلْحَضَارِيِّ لِلْأُمَّةِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ بَيْنَ أُمَمِ ﭐلْعَالَمِ- لَمْ يَعْرِفْ أَهْلُهُ كَيْفَ يُوَاجِهُونَ ﭐلتَّحَدِّيَاتِ ﭐللَّتِي وَضَعَهُمْ أَمَامَهَا، مُنْذُ أَوَاخِرِ ﭐلْقَرْنِ ﭐلْهِجْرِيِّ ﭐلْأَوَّلِ (أَوَاخِرِ ﭐلسَّابِعِ وَبِدَايَةِ ﭐلثَّامِنِ بَعْدَ مِيلَادِ ﭐلْمَسِيحِ)، دُخُولُ شُعُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي مَجَالِهِمْ ﭐلتَّدَاوُلِيِّ ﭐلْخَاصِّ بِفِعْلِ ﭐنْتِشَارِ ﭐلْإِسْلَامِ. إِنَّ هَذَا ﭐلِانْقِلَابَ ﭐلْكَبِيـرَ فِي سَيْرُورَةِ ﭐلْأُمَّةِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ هُوَ ﭐللَّذِي شَكَّلَ ضَرُورَةَ ﭐلتَّعْرِيبِ. وَإِنَّهُ لَمِنْ عَجَائِبِ ﭐلْأَقْدَارِ أَنْ يَكُونَ ﭐلرَّدُّ ﭐلْعَرَبِيُّ، فِي هَذَا ﭐلْمَجَالِ، قَدْ تَمَثَّلَ مُنْذُ ﭐلْقَدِيـمِ فِي شَكْلَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ : وُقُوفُ ﭐلْعُلَمَاءِ وَﭐلْمُخْتَصِّيـنَ مَوْقِفًا مَدْرَسِيًّا لَا هَمَّ لَهُ سِوَى إِنْقَاذِ ﭐللِّسَانِ ﭐلْفَصِيحِ مِنَ ﭐلضَّيَاعِ، وَذَالِكَـ بِـﭑلْعَمَلِ عَلَى تَدْوِينِ ﭐلنُّصُوصِ وَتَقْعِيدِ ﭐلنَّحْوِ وَحِفْظِ ﭐلْبَيَانِ ؛ وَوُقُوفُ ﭐلدَّوْلَةِ مَوْقِفًا سِيَاسِيًّا يَضْمَنُ رَسْمِيَّةَ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ وَيُنَاوِشُ بَيْنَ ﭐلْقُوَى ﭐلشُّعُوبِيَّةِ وَﭐلْعُرُوبِيَّةِ فِي ﭐلْمَجَالَيْنِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ وَﭐلْعُمُومِيِّ.
وَمُنْذُئِذٍ تَرَسَّخَ ﭐلْمَوْقِفُ ﭐلْعَرَبِيُّ ﭐلْمُزْدَوِجُ مِنْ مَسْأَلَةِ ﭐلتَّعْرِيبِ وَﭐسْتَقَرَّتْ مَعَهُ عَادَةُ ﭐلرَّدِّ ﭐلِانْفِعَالِيِّ عَلَى ﭐلزَّحْفِ ﭐلْأَعْجَمِيِّ. وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ هَذِهِ ﭐلْمُفَارَقَةُ ﭐلْمُحَيِّرَةُ : عَلَى ﭐلرَّغْمِ مِنَ ﭐلتَّفَانِي فِي تَوْسِيعِ وَتَقْوِيَةِ ﭐلتَّعْلِيمِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ لِلِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ تَحْتَ رِعَايَةِ ﭐلدَّوْلَةِ وَمُرَاقَبَتِهَا فَإِنَّ جُمُوعَ ﭐلشَّعْبِ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا فِي ﭐسْتِعْمَالِ لَهَجَاتِهَا ﭐلْعَامِّيَّةِ وَإِنْتَاجِ وُجُودِهَا ﭐلثَّقَافِيِّ وَﭐلِاجْتِمَاعِيِّ ﭐلْخَاصِّ، عَلَى هَامِشِ ﭐلْفِئَاتِ ﭐللَّتِي تَتَعَاطَى ﭐلْعِلْمَ وَﭐلْأَدَبَ وَﭐلْفِئَاتِ ﭐللَّتِي تَتَدَاوَلُ ﭐلْحُكْمَ وَﭐلرِّيَاسَةَ.
وَهَكَذَا يَبْدُو أَنَّ أَيَّ تَنَاوُلٍ جَادٍّ لِمَسْأَلَةِ ﭐلتَّعْرِيبِ مُضْطَرٌّ لِأَنْ يَقِفَ عِنْدَ وَاقِعٍ مُعَقَّدٍ وَمُتَشَعِّبٍ : تَارِيـخٌ طَوِيلٌ مِنَ ﭐلتَّعَايُشِ بَيْنَ لِسَانٍ عَرَبِيٍّ، لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا ﭐلْأُدَبَاءُ وَﭐلْعُلَمَاءُ وَﭐلْحُكَّامُ، وَمَجْمُوعَةٍ مِنَ ﭐللَّهَجَاتِ ﭐلْعَامِّيَّةِ وَﭐلْجِهَوِيَّةِ ﭐللَّتِي تُشَكِّلُ لُغَةَ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْيَوْمِيِّ فِي أَهَمِّ مَجَالَاتِ ﭐلْحَيَاةِ ؛ ثُمَّ جُمْلَةٌ مِنْ بَقَايَا ﭐللُّغَةِ ﭐلسَّامِيَّةِ ﭐلْأُمِّ ﭐلْمُتَشَكِّلَةِ فِي لَهَجَاتٍ كَنْعَانِيَّةٍ وَآرَامِيَّةٍ وَحِمْيَرِيَّةٍ وَقِبْطِيَّةٍ وَبَرْبَرِيَّةٍ مَا فَتِئَ بَعْضُهَا يَسْتَوِي عَلَى شَكْلِ نِظَامٍ لُغَوِيٍّ مُتَمَيِّزٍ -إِلَى هَذَا ﭐلْحَدِّ أَوْ ذَاكَـ- لِقَسِيمَيْهِ ﭐلْآخَرَيْنِ. وَيُضَافُ إِلَى هَذَا كُلِّهِ مَا يَفِدُ عَلَى مَجَالِ ﭐلتَّدَاوُلِ ﭐلْعَامِّ مِنَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأَجْنَبِيَّةِ ﭐللَّتِي تَتَقَوَّى بِمَدَى تَوَسُّعِ وَتَجَذُّرِ ﭐلْغَزْوِ وَﭐلسَّيْطَرَةِ ﭐلْمُرْتَبِطَيْنِ بِـﭑلْغَزْوِ أَوْ بِـﭑلِاسْتِيطَانِ ﭐلْأَجْنَبِيِّ.
إِنَّ تَصَوُّرَ ﭐلتَّعْرِيبِ وَتَنْفِيذَهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتِمَّا بَعِيدًا عَنْ ذَالِكَـ ﭐلْوَاقِعِ مُعْتَبَرًا فِي كُلِّ جَوَانِبِهِ. لَا يُمْكِنُ وَلَا يَسُوغُ أَنْ يُقْضَى عَلَى ﭐللَّهَجَاتِ ﭐلْعُرُوبِيَّةِ، كَمَا لَا يُمْكِنُ وَلَا يُعْقَلُ ﭐلِانْغِلَاقُ تُجَاهَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْعَالَمِيَّةِ. وَفِي هَذَا ﭐلْخِضَمِّ ﭐلْمَائِرِ مِنَ ﭐلْحَرَكَاتِ وَﭐلتَّنَافُسَاتِ وَﭐلتَّدَفُّقَاتِ ﭐللُّغَوِيَّةِ يُفْرَضُ أَنْ يَشُقَّ ﭐلتَّعْرِيبُ سَبِيلَهُ كَحَرَكِيَّةٍ ﭐجْتِمَاعِيَّةٍ شَامِلَةٍ تَقُومُ بِـﭑسْتِنْفَارِ مُخْتَلِفِ قُوَى ﭐلْأُمَّةِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ مِنْ خِلَالِ مَجْمُوعِ مَا تَسْتَخْدِمُهُ مِنْ نُظُمٍ لُغَوِيَّةٍ تَتَّصِلُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ بِـﭑللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ ﭐلْفَصِيحِ وَﭐلْمِعْيَارِيِّ، لِإِنْتَاجِ ﭐلْوُجُودِ ﭐلتَّارِيـخِيِّ وَﭐلْحَضَارِيِّ لِلْإِنْسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ فِي سِيَاقِ ﭐلسَّيْرُورَةِ ﭐلْإِنْسَانِيَّةِ ﭐلْعَامَّةِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ تَفْعِيلٌ حَرَكِيٌّ وَتَدْبِيـرٌ عَمَلِيٌّ يَنْصَبَّانِ عَلَى إِمْكَانَاتٍ لُغَوِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ كَامِنَةٍ فِي ﭐلْجِسْمِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ وَﭐلتَّارِيـخِيِّ لِلْأُمَّةِ ﭐلْعَرَبِيَّةِ عَلَى ﭐخْتِلَافِ شُعُوبِهَا وَتَنَوُّعِ مُكَوِّنَاتِهَا.
وَمِنْ أَجْلِ ذَالِكَـ كُلِّهِ، فإِنَّكَـ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِصَهْرِ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ فِي لِسَانٍ لَا يَكَادُ يَنْفَكُّـ عَنْ وَسَطِهِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ وَﭐلدِّيوَانِيِّ ﭐلْمَحْدُودِ، إِنْ لَمْ تُفَجِّرْ حَرَكِيَّةً تُقَرِّبُ وَتُدْمِجُ - بِشَكْلٍ تَكَامُلِيٍّ وَتَزَامُنِيٍّ- بَيْنَ كُلِّ مُكَوِّنَاتِ وَطَاقَاتِ هَذِهِ ﭐلْأُمَّةِ حَتَّى تَصِيـرَ فَاعِلًا وَمَفْعُولًا فِي آنٍ وَاحِدٍ لِجِمَاعِ ﭐلْإِنْتَاجِ ﭐلِاجْتِمَاعِيِّ وَﭐلتَّارِيـخِيِّ ﭐللَّـذِي تَكُونُ ﭐللُّغَةُ أَدَاتَهُ ﭐلْبَانِيَةَ وَوَسِيلَةَ ﭐشْتِغَالِهِِ. وَلَا يَمْلِكُـ ﭐللِّسَانُ ﭐلْعَرَبِيُّ، بِصُورَتِهِ ﭐلْحَالِيَّةِ، ﭐلْقَابِلِيَّةَ ﭐلْمَطْلُوبَةَ لِلِاكْتِسَابِ وَﭐلِاسْتِعْمَالِ فِي مَجْمُوعَةٍ بَشَرِيَّةٍ تُقَارِبُ ثَلَاثَمِئَةِ مِلْيُونِ نَسَمَةٍ. فَلَابُدَّ، إِذًا، لِإِنْجَاحِ عَمَلِ ﭐلتَّعْرِيبِ هَذَا مِنْ إِنْجَازِ خُطَّةٍ تَـثْقِيفِيَّةٍ وَتَعْلِيمِيَّةٍ تَسْتَنِدُ إِلَى مُعْطَيَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ تَخُصُّ ﭐلْوَاقِعَ ﭐلْبَشَرِيَّ ﭐلْعَامَّ لِلنَّاسِ ﭐلْمُسْتَهْدَفِيـنَ وَتَعْتَمِدُ بَرَامِجَ تِقْنِيَّةً وَمَنْهَجِيَّةً مُدَقَّقَةً وَحَيَّةً فِي ﭐلتَّعْلِيمِ ﭐللُّغَوِيِّ وَتَقُومُ عَلَى أُطُرٍ كُوِّنَتْ بِشَكْلٍ عَمَلِيٍّ مُخْتَلِفٍ عَـنْ رَتَابَةِ وَجُمُودِ ﭐلتَّلْقِيـنِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ. وَقَبْلَ هَذَا كُلِّهِ، لَابُدَّ مِنْ قِيَامِ إِرَادَةٍ ﭐجْتِمَاعِيَّةٍ وَقَوْمِيَّةٍ تَبْتَعِدُ عَنِ ﭐلتَّصَوُّرِ ﭐلْمَدْرَسِيِّ لِـﭐلتَّعْرِيبِ وَتَتَجَاوَزُ مَسْعَى ﭐلتَّبْسِيطَاتِ ﭐلسِّيَاسِيَّةِ ﭐللَّتِي تَخْتَزِلُ ﭐلْمُشْكِلَةَ فِي إِرْضَاءِ ﭐلنُّزُوعَاتِ ﭐلْغَوْغَائِيَّةِ أَوْمَحْوِ ﭐلْأُمِّيَّةِ، وَهُوَ ﭐلْمَسْعَى عَيْنُهُ ﭐللَّذِي يُوشِكُـ أَنْ يُنْهِيَ نِصْفَ قَرْنٍ مِنَ ﭐلتَّخَبُّطِ دُونَ جَدْوَى.
إِنَّ ﭐلْخُرُوجَ بـﭐلتَّعْرِيبِ مِنْ مَآزِقِهِ يَقْتَضِي إِعَادَةِ ﭐلنَّظَرِ فِيهِ بِتَصَوُّرِهِ أَوَّلًا كَتَدْبِيـرٍ سَتْرَجِيٍّ لِوَاقِعٍ مُتَعَدِّدٍ وَمُتَبَايِنٍ فِي لُغَاتِهِ وَلَهَجَاتِهِ. وَإِلَّا إِذَا كَانَ ﭐلْمَقْصُودُ بِهِ هُوَ فَقَطْ جَعْلَ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ لِسَانًا يُدَرَّسُ فِي ﭐلْمَدَارِسِ وَتُحَرَّرُ بِهِ ﭐلْوَثَائِقُ وَﭐلْعُقُودُ وَتُلْقَى بِهِ ﭐلْخُطَبُ وَتُنْشَدُ ﭐلْأَنَاشِيدُ فَهَذَا أَمْرٌ مُتَحَقِّقٌ بِلَا مُنَازِعٍ. لَاكِنَّ ﭐللِّسَانَ ﭐلْعَرَبِيَّ، رَغْمَ ذَالِكَـ، بَعِيدٌ عَنِ ﭐلْحَيَاةِ ﭐلْعَامَّةِ وَمُنْهَزِمٌ أَمَامَ ﭐلْأَلْسُنِ ﭐلْأَجْنَبِيَّةِ ؛ وَذَالِكَـ لِأَنَّ ﭐلتَّعْرِيبَ - ﭐللَّذِي طَالَمَا دَوَّخْـنَا بِهِ رُؤُوسَنَا- ظَلَّ أَعْجَمِيًّا مُنْطَلَقُهُ حِفْظُ ﭐللِّسَانِ ﭐلْعَرَبِيِّ فِي ﭐلْأَعَالِي وَمُـنْـتَهَاهُ تَرْكُـ ﭐلْأَمْرِ كَمَا كَانَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ : طُوفَانٌ مُحِيطٌ وَمُكْتَسِحٌ مِنَ ﭐلْبَلْبَلَةِ ﭐللُّغَوِيَّةِ !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























فبراير 9th, 2008 at 9 فبراير 2008 1:22 م
اللغة العربية ضحية سيلستنا الفاسدة 1000%