لعل من أكبر وأهم ٱلأسئلة، ٱللّتي يُفترض أن تثور في نفوس وعقول كثير من ٱلمتفلسفين، ذاكـ ٱللذي يدور حول ما حدث وأُحْدِث، على ٱمتداد ثلاثة وعشرين يوما، في قطاع غزة بفلسطين على أيدي "ٱلإنسان" ٱلصهيوني-ٱلإسرائيلي. فما ٱللذي يمكن (وينبغي) للفليسوف أن يقوله عن ذالكـ؟ هل يمكن للمرء أن يتفلسف بخصوص هذه ٱلأحداث ٱلفاجعة وٱلمأساوية؟
إننا ما نكاد نضع هذا ٱلسؤال حتى يلوح في أذهان كثير من ٱلناس ممن يتلقونه أمر قاطع وباتّ: ليس هذا بوقت ٱلتفلسف يا هذا! وإنما هو وقت ٱلنفور وٱلقيام! فماذا يُجدي ٱلتفلسف حين تشتد مكاره ٱلحرب وتَحمَى مِحن ٱلمُدافعة؟ ألا إن كل محاولة في ٱلتفلسف حينئذ ليست سوى هروب سهل من ٱلواقع ٱلكريه، هروب يؤكد -لمن لا يزال في حاجة إلى تأكيد- أن "ٱلفلسفة" أُلهُوّة من ليس لديه ما يُلهيه من ٱلمترفين وٱلقاعدين وٱلمتخلفين يوم ينادي ٱلمنادي للزحف وٱلزحام!
حقا، إن ٱلمرء لم يعد يجدر به أن يَدّعي أن مُمْكنات ٱلخطاب وٱلفكر تملكـ أن تُعوض وقائع ٱلقيام ٱلفعلي وٱلحي في ٱلميادين ٱلمختلفة للمواجهة. لاكن، لا يصح أن يُتوهم -كما هو ٱلحال عند كثير من ٱلمتدخلين في ٱلمجال ٱلعربي/ٱلإسلامي- أن ٱلواقع قائم فقط بتضارب ٱلأيدي وسعي ٱلأرجل. إذ مثل هذا ٱلزعم يُغفل أن ٱللسان وٱلقلم صِنْوانِ للسيف في ٱلمغالبة، بل هما نِدّان له تكون لهما ٱلغَلَبة عليه كما في عصرنا، وخصوصا كما أثبت ٱلصهاينة وٱلمتصهينون عبر ٱلعالم، وهم ٱللّذين يُمسكون بمقاليد ٱلفكر وٱلنشر بالقدر نفسه ٱللّذي يتحكمون في سُبُل ٱلقوة وأزِمَّة ٱلنفوذ وٱلسلطان، على نحو صار مَدعاة لهم (ولغيرهم) للتفاخر بمواهبهم ٱلخاصة في ٱلنبوغ وٱلعبقرية بين ٱلعالمين.
ولا يخفى، إلا على جاهل أو مكابر، أن "ٱلمسجد ٱلأقصى" يُعد ثالث ٱلحرمين عند ٱلمسلمين، فهو مَسرى رسول ٱلله (صلى ٱلله عليه وسلم)، وأن ما حوله من أرض فلسطين مباركـ ومقدس عند ٱليهود وٱلنصارى وٱلمسلمين. وفضلا عن ذالكـ، فإن "ٱلأقصى" أحد أجمل ٱلآثار ٱلتاريخية في ٱلعالم. ولاكن "ٱلأقصى" بناء عمراني ما فتئ يتعرض للنقض على أيدي ٱلصهاينة من بني إسرائيل. هذا أدنى ما يعلمه ٱلعرب وٱلمسلمون (وكثير من ٱلناس). غير أن أقصى ما يجهلونه إنما هو أن عملية "ٱلهدم" قائمة في نفوسهم وأذهانهم مذ كانوا، حيث أظلتهم فتنة كبرى آلت بآثارها ٱلبعيدة إلى فِتَن كقطع ٱلليل ٱلمظلم صارت تُطوّح بهم ٱلآن في كل ٱتجاه، فتن هي جِماع واقعهم ٱلاجتماعي-ٱلاقتصادي-ٱلسياسي-ٱلثقافي ٱللّذي يُفصح عن نفسه في مُعضلات ٱلجهل وٱلفقر وٱلمرض وٱلظلم ٱللّتي تُحيط بالسواد ٱلأعظم من ٱلعرب وٱلمسلمين في مشارق ٱلأرض ومغاربها. ولأنهم بهذه ٱلحال ٱلبئيسة وٱلمُزرية، لم يتورع ٱلجيش ٱلصهيوني عن أن يجتاح "قطاع غزة" ويَعيث فيه دمارا وفسادا طوال ثلاثة وعشرين يوما، كما فعل من قبل في مواقع كثيرة صارت مآسي مشهودة ومراثي مذكورة في ٱلتاريخ ٱلمعاصر (دير ياسين، جنين، قانا، إلخ.).
إننا نعلم أن بني إسرائيل ما ٱنفكوا، بما كسبت أيديهم وبما مُدَّ إليهم من حبال من أوروبا وأمريكا، يسومون ٱلعرب وٱلمسلمين بفلسطين وما حولها سوء ٱلعذاب منذ قرن تقريبا. ولقد تمكنوا في ٱلأرض إلى ٱلحد ٱلذي جعلهم يَعْلُون فيها "عُلوا كبيرا" كما وعد (وتوعد) ٱلله في قرآنه (ٱلإسراء: 4-7)، وكما يشهد ٱلتاريخ ٱلمعاصر، ولا سيما ما أوقعوه بلبنان في صيف 2006 وفي غزة من قريب.
تُرى، كيف يمكن (بل يجب) أن نفهم جرائر (وجرائم) "ٱلإنسان" ٱلإسرائيلي-ٱلصهيوني تجاه "ٱلإنسان" ٱلعربي-ٱلمسلم؟ في أي سياق ينبغي وضع هذه ٱلمواجهة؟ وبأي خلفية ذهنية وعقدية يمكن أن تُدرَكـ وتُفهَم؟
يحسن، ٱبتداء، تأكيد أن فلسطين وما حولها تُعَدّ -مذ كانت- أرض رباط للأنبياء وٱلرسل وتابعيهم. وصلة "ٱلرباط" بـ"ٱلجهاد" أوثق ما تكون، فهو رباط للمجاهدة ٱلروحية ورباط للمجاهدة ٱلقتالية. ولقد صار من ٱلمعلوم للناس أن أراضي ٱلمسلمين تكاد تكون وحدها ٱلأراضي ٱلمستباحة من طرف ٱلقُوى ٱلمهيمنة في ٱلعالم ٱليوم (فلسطين، أفغانستان، ٱلعراق، ٱلصومال، لبنان، ٱلسودان، إلخ.). لكنها تُعد، في ٱلوقت نفسه، أراضي حُبلى وولودا دائما، ليس فقط بالمنافع وٱلخيرات، بل أيضا بالمجاهدين وٱلمقاومين، حماة ٱلذمم وصانعي ٱلقيم.
ولقد بات مؤكدًا أنه لا شيء يقف بالمرصاد لمخططات وأطماع ٱلمستكبرين عبر ٱلتاريخ، وخصوصا ٱلآن، أكثر وأحسن من حركات ٱلجهاد وٱلمقاومة في بلاد ٱلمسلمين. ولهذا تكالبت زُمَر ٱلمُبطلين وٱلمفسدين لتشويه وتزييف عمل تلكـ ٱلحركات، وذالكـ بواسطة خطط صارت تُسمى -من دون أي تردد- "محاربة ٱلجهاديين"، بعد أن كانت تُسمى محاربة "ٱلإرهاب وٱلإرهابيين". وإنه لَمِمَّا تُلح ٱلحاجة إلى إبرازه وإدراكه أن ثمة فلسفة كاملة تقف وراء هذه ٱلمحاربة ٱللتي تعمل أساسا على نقض قيم ومبادئ ٱلإسلام من حيث إنها قيم ومبادئ تقوم على ٱلجهاد وتُربي روح ٱلمقاومة بين ٱلمسلمين.
من أجل ذالكـ، كان لا بد من تَبَيُّن "فلسفة ٱلنقض" تلكـ من حيث أسسُها وآلياتُها وأغراضُها على نحو يُمكِّن، بالمقابل، من إقامة "فلسفة للجهاد" بما هي "مُغالبة عملية في ٱلجهد ٱلعمراني" تتجسد كـ"مقاومة" و"قيام" لمناهضة أعمال ٱلظلم وٱلباطل وٱلفساد، وتؤدي إلى ظهور (بالمعنى ٱلمزدوج: كـ"بُروز" وكـ"













